المسار : كشفت مصادر عدة لـ»القدس العربي» عن خطة خطيرة يقودها كريستيان سوندرز، القائم بأعمال المفوض العام لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا»، وتهدف إلى «تصفية» هذه المنظمة الأممية.
وتشمل الخطة في بدايتها الاستغناء عن آلاف الموظفين في منطقتَي العمليات بالضفة الغربية وقطاع غزة، تمهيداً لتسليم جميع المهام التي تنفذها هذه المنظمة الأممية، ذات الرمزية الخاصة بملف اللاجئين الفلسطينيين، إلى منظمات أممية أخرى وإلى «مجلس السلام»
«يبدو أنه في ذلك الاجتماع أُقرت أولى خطوات تفكيك الأونروا»
وقال مصدر فلسطيني مطلع إن الاجتماع الأخير للجنة الفرعية المنبثقة عن اللجنة الاستشارية الخاصة بـ»الأونروا» شهد الكشف الواضح عن هذه الخطة الخطيرة، عندما تحدث سوندرز، بحضور ممثلي العديد من الدول التي تستضيف اللاجئين الفلسطينيين أو تدعمهم، عن خطته للاستغناء عن آلاف الموظفين العاملين في برامج مختلفة تابعة لـ»الأونروا»، تقدم خدمات للاجئين الفلسطينيين.
خطة التصفية
وكشف المصدر أن سوندرز طرح خطته التي تقوم على فصل ما بين سبعة وثمانية آلاف موظف، من أصل 15 ألف موظف يعملون في مناطق عمليات «الأونروا» في الضفة الغربية وقطاع غزة، ما يعني أنه سيقلص عدد الموظفين إلى النصف دفعة واحدة، الأمر الذي سيؤدي إلى انهيار كبير في منظومة عمل «الأونروا» وإصابتها بالشلل.
وأوضح المصدر الفلسطيني، الذي شارك في نقاشات فلسطينية رسمية عُقدت بعد ذلك الاجتماع لبحث التصدي لهذه الخطة الخطيرة، أن سوندرز يقود خطة «التصفية»، وأنه يريد بعد ذلك تسليم مهام «الأونروا»، وفق ما تريده إسرائيل والإدارة الأمريكية، إلى «مجلس السلام» الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية.
المسؤول نفسه عن فترة تكليف سوندرز: واضح أنه جاء لتنفيذ هذا المخطط في هذه الفترة
وأشار المصدر إلى أن القائم بأعمال المفوض تحدث عن خطة «غير مجدية» لتجميل خطة التصفية، وزعم أنه سيجري تنفيذ مشاريع للاجئين تجعلهم لا يعتمدون على «الأونروا».
لكن المصدر وصف ما يسعى إليه سوندرز بأنه «مخطط خبيث»، وأكد أن «دلالات «الأونروا» لا تقف عند حد تقديم الخدمات الأساسية للاجئين الفلسطينيين، وإنما تمتد إلى ما هو أبعد من ذلك، كونها تمثل الشاهد الدولي على مأساة اللاجئين الفلسطينيين، وتؤكد حقهم في العودة إلى ديارهم التي هُجّروا منها، وفقاً لقرار الأمم المتحدة، حين أُنشئت «الأونروا»».
رفض من المانحين
وبالعودة إلى ذلك الاجتماع الذي عقدته اللجنة الفرعية في العاصمة الأردنية عمّان قبل عدة أيام، فقد شهد صخباً كبيراً، عبّر خلاله كثير من الحضور عن سخطهم ورفضهم لهذه الخطة، ومن بينهم ممثلو دول مانحة.
وكان من بينهم ممثل إيرلندا، الذي خاطب سوندرز بالقول إن بلاده تدفع تبرعات لـ»الأونروا» من أجل لاجئي غزة، وإنها في حال إقدامه على هذه الخطوة ستجد نفسها غير ملزمة بدفع مثل هذه التبرعات، ما يعني زيادة عجز موازنة «الأونروا»، وهو أمر يُبطل ادعاءات المفوض العام، الذي أرجع خطة الاستغناء عن الموظفين وتقليص الخدمات إلى «عجز الموازنة».
وفي ذلك الاجتماع، وجّه مندوب سويسرا أيضاً انتقادات لاذعة لخطة التقليص والاستغناء عن الموظفين، ووصف خطة سوندرز بأنها «كلام خطير جداً».
كذلك انتقد مندوب مصر هذه الخطة، وخاطب سوندرز مباشرة، مستفسراً عما إذا كان قد أجرى مشاورات مع الدول المضيفة للاجئين، وهو يعلم حقيقة الرفض الكامل لهذه الدول لمثل هذه الخطة. وأكد خطورة ما يجري الإعداد له، وأهمية بقاء «الأونروا» واستمرارها في تقديم الخدمات للاجئين الفلسطينيين، بموجب القرار الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وقوبل القرار أيضاً بانتقاد من ممثل فلسطين في الاجتماع، الذي أكد بدوره أن القرار يعمل على تصفية قضية اللاجئين، وطالب سوندرز بالتراجع عن المخطط.
وعقب اجتماع اللجنة الفرعية، عقدت اللجنة التنفيذية لـ»منظمة التحرير الفلسطينية» اجتماعاً لها في مدينة رام الله، حضرته أيضاً وزيرة الخارجية الفلسطينية وممثلون عن اتحاد موظفي «الأونروا»، في مؤشر إلى خطورة الموقف والتطورات الحاصلة. وأقرت اللجنة خلال الاجتماع عدة خطوات للتحرك السريع، أملاً في وقف المخطط الخطير.
أحد المشاركين في اجتماع اللجنة التنفيذية: «الموضوع سياسي بامتياز وليس مالياً»
خطة خبيثة
وفي البيان الصادر عن اللجنة التنفيذية عقب ذلك الاجتماع، أكدت اللجنة رفضها القاطع لأي توجه لتسريح أعداد كبيرة من موظفي «الأونروا» في مناطق عملياتها، محذرة من التداعيات الخطيرة للأزمة المالية التي تواجهها الوكالة على استمرار خدماتها وولايتها الأممية، في ظل التحديات الوجودية التي تستهدف دورها تجاه اللاجئين الفلسطينيين.
كما بحث الاجتماع الأزمة المالية المتفاقمة لـ»الأونروا»، ومخاطر توجه إدارة الوكالة نحو تسريح أعداد كبيرة من موظفيها، والسبل الكفيلة بمواجهة هذه التحديات وضمان استمرار عمل الوكالة وخدماتها.
وأكدت اللجنة التنفيذية أن موظفي «الأونروا» يشكلون العمود الفقري للوكالة، وأن تسريحهم لن يعالج الأزمة المالية، بل سيهدد استمرارية خدمات التعليم والصحة والإغاثة والحماية الاجتماعية المقدمة لملايين اللاجئين، ويزيد الأعباء الإنسانية والاجتماعية في المخيمات، بما يهدد الاستقرار في المنطقة.
وطالبت اللجنة القائم بأعمال المفوض العام لـ»الأونروا»، كريستيان سوندرز، بالتراجع عن أي توجه لتسريح الموظفين، وتجميد الإجراءات المرتبطة بذلك، وعدم المساس بحقوقهم ورواتبهم، والبحث في البدائل القانونية والإدارية المتاحة لتجاوز الأزمة، والتعاطي الإيجابي مع المقترحات والخيارات المؤقتة التي قدمتها دائرة شؤون اللاجئين في «منظمة التحرير الفلسطينية»، والمؤتمر العام لاتحادات العاملين المحليين، والخبراء المختصون بالوضع المالي لـ»الأونروا»، بما يضمن حماية الموظفين وتفادي التسريح القسري.
مسؤول كبير في «الأونروا»: هذا يثبت أن هناك مخطط تصفية واضحاً
وعلمت «القدس العربي» أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس أوعز بإجراء تحركات دبلوماسية عاجلة، حيث أجرت وزارة الخارجية اتصالات متعددة مع «الأمم المتحدة» في نيويورك، شملت الأمين العام وعدداً آخر من كبار المسؤولين هناك، من أجل منع تنفيذ الخطة. كما تُجرى اتصالات أخرى مع دول مانحة من أجل سداد قيمة العجز المالي، وقطع الطريق على تنفيذ خطة المفوض.
وأكد مسؤول كبير في «الأونروا» لـ«القدس العربي» أن العجز المالي الحالي، الذي يتخذه سوندرز مبرراً لتمرير خطته التي وصفها بـ»الخبيثة»، يُقدّر بـ70 مليون دولار أمريكي فقط.
وكشف أن العجز المالي وصل في سنوات ماضية إلى 150 مليون دولار، وإلى 200 مليون دولار، لكن من دون الذهاب إلى تنفيذ خطة للاستغناء عن هذا العدد الهائل من الموظفين.
وأشار إلى أن عدد الموظفين العاملين حالياً في الضفة الغربية وقطاع غزة، البالغ 15 ألف موظف، لا يكفي لسد احتياجات قطاعات اللاجئين، متسائلاً عن الوضع الذي سيكون عليه الحال إذا تقلص العدد إلى النصف.
وأوضح أن «الأونروا» لم تقدم منذ ثلاث سنوات على توظيف أي شخص في قطاع غزة، وأنها بدلاً من ذلك، وفي ظل تزايد الحاجة بسبب الحرب، فصلت عشرات الموظفين، ولم تقدم على توظيف موظفين جدد بدلاً ممن أُحيلوا إلى التقاعد.
وقال: «هذا يثبت أن هناك مخطط تصفية واضحاً»، مشيراً إلى أن سوندرز جاء قائماً بأعمال المفوض لفترة انتقالية مدتها ثمانية أشهر.
وأضاف: «واضح أنه جاء لتنفيذ هذا المخطط في هذه الفترة»، وأشار المصدر إلى أنه «ربما وُعد بمنصب آخر في «الأمم المتحدة» في حال نفّذ هذه الخطة».
قرار بإنهاء عقود نحو 8 آلاف موظف ونقل الخدمات إلى منظمات أخرى
اتفاق مع مجلس السلام
وأكد المسؤول في «الأونروا» أن قرار إنهاء عمل هذه المنظمة الأممية لا تتحكم فيه دولة أو مفوض، وإنما يعود إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، التي أصدرت قرار تأسيس «الأونروا»، وتجدد هذا التفويض كل ثلاث سنوات بتأييد كبير من الدول الأعضاء.
وأوضح أن خطة المفوض تقوم أيضاً على نقل بعض الخدمات التي تقدمها «الأونروا» إلى منظمات أممية أخرى، في سبيل «كسر رمزية «الأونروا» الخاصة باللاجئين».
وكشف المسؤول عن اتصالات غير معلنة أجراها مسؤولون كبار في «الأونروا» مع مسؤولين آخرين في «مجلس السلام»، تلاها إعلان المجلس استبعاد «الأونروا» من أي ترتيبات للعمل الإغاثي في غزة خلال المرحلة المقبلة.
وأشار إلى أن المجلس أكد ذلك باستبعاد الوكالة من حضور اجتماعات عقدتها اللجنة الوطنية لإدارة غزة، المشكّلة من «مجلس السلام»، مع ممثلي وكالات الأمم المتحدة الإغاثية مؤخراً.
وقال: «يبدو أنه في ذلك الاجتماع أُقرت أولى خطوات تفكيك «الأونروا»».
وترفض إسرائيل، التي حظرت عمل «الأونروا» والتعامل معها، وكذلك الإدارة الأمريكية، التعامل مع الوكالة، حيث امتنعت الإدارة الأمريكية عن تقديم أي دعم مالي لها.
وتمنع إسرائيل هذه المنظمة الأممية من إدخال مساعدات كبيرة تملكها في مخازن قريبة من المناطق الفلسطينية لصالح سكان قطاع غزة، وذلك بعد أن أقدمت على إغلاق مكاتبها ومؤسساتها في القدس الشرقية.
وكان «مجلس السلام» قد أكد سابقاً أنه لا يرى دوراً مستقبلياً للوكالة بصورتها الحالية.
ووفقاً لأحد الذين حضروا اجتماع اللجنة التنفيذية واستمعوا إلى شرح وافٍ من الدكتور أحمد أبو هولي، رئيس دائرة شؤون اللاجئين في «منظمة التحرير الفلسطينية»، فقد أكد لـ»القدس العربي» أن «الموضوع سياسي بامتياز وليس مالياً»، وقال إن الجميع يترقب حالياً أن يبدأ المفوض سوندرز بتنفيذ خطته في أي وقت.
وقال إن ذلك قد يدفع إلى وصف سوندرز بأنه شخص «غير مرحب به» في المناطق الفلسطينية، كرد عملي على خطته الهادفة إلى «تصفية «الأونروا».
وأشار إلى أن هناك جهوداً تبذلها عدة أطراف، تشمل اللاجئين واتحادات الموظفين، لتنظيم فعاليات كبيرة للحفاظ على «الأونروا»، والتصدي لخطة تقليص خدماتها وتفكيكها.
وكانت اللجنة المشتركة للاجئين في قطاع غزة قد حذرت من تداعيات خطة إدارة «الأونروا» لتسريح أعداد كبيرة من موظفيها، وأكدت أن هذا الأمر يهدد استمرارية الخدمات الأساسية المقدمة للاجئين، ويفاقم أوضاعهم الإنسانية والمعيشية، وينعكس مباشرة على قطاعات التعليم والصحة والإغاثة والخدمات الاجتماعية.
كما عقدت اتحادات العاملين لقاءات بحثت خلالها التطورات، وجرى التوافق المبدئي على توحيد الموقف النقابي والاستعداد لتحرك قوي للدفاع عن حقوق العاملين والتصدي لهذه الخطة، ضمن الجهود الرامية إلى ضمان استمرار الخدمات المقدمة للاجئين.
المصدر … القدس العربي

