المسار : ثمة نظرية في السياسة تقول “الثعلب يعرف أشياء كثيرة صغيرة، أما القنفذ فيعرف شيئا واحدا كبيرا…”، وإذا ما نظرنا إلى كل من نتنياهو وآيزنكوت بما أنجز معسكر كل منهما من مقاعد في الكنيست، سنجد أنهما أقرب إلى وضعية القنفذ من الثعلب. فنتنياهو الذي يقف على رأس 53 مقعدا ليس لديه الكثير ليفعله ليعود رئيسا للحكومة إلا بحكومة “وحدة وطنية” أو بإعادة الانتخابات، فيما آيزنكوت الذي يتزعم 48 مقعدا ويبدو متحمسا لحكومة بديلة، فليس أمامه إلا العرب مبدئيا لتكون.
لقد دفع العرب بالمشهد السياسي الإسرائيلي إلى الحائط برفعهم نسبة التصويت، وزيادة التمثيل العربي في الكنيست إلى 19 مقعدا، وهذا ما منع حرفيا نتنياهو ويمينه من العودة، فلو صوّت العرب بنسبة أقل لكانت فرص عودة نتنياهو وائتلافه للحكم أكبر بالتأكيد. أما آيزنكوت، فالعرب سهّلوا عليه المهمة بإبعاد اليمين عن خط الستين، والكرة في ملعبه الآن. أحد النواب العرب في مقابلة له على الإعلام العبري مؤخرا، حثّ آيزنكوت بقوله “كن مثل رابين ولا تكن غانتس”، لقد حالف غانتس نتنياهو وذهب إلى البيت، فيما ذهب رابين الذي حالف العرب إلى القبر، وآيزنكوت يعي التجربتين ويسعى لمنعهما.
حسنا، لدى آيزنكوت وحلفائه فرصة للتخلص من نتنياهو وليس من اليمين، لأن اليمين ليس معسكرا إنما بنية دولة ومجتمع صارت عليهما إسرائيل. فلو عدنا لشروط آيزنكوت الأربعة التي عاد عليها مؤخرا لأي ائتلاف حكومي ممكن معه، سنجد أنها شروط يمينية: الاعتراف بيهودية الدولة أولا، والالتزام بقيم وثيقة الاستقلال ثانيا، وثالثا الخدمة بكافة أشكالها، المدنية والوطنية والعسكرية، وأخيرا الإقرار بحماس حركة “إرهابية” يجب تفكيكها عسكريا. وهذه شروط مخصصة للعرب تحديدا، بما فيها شرط الخدمة الذي يبدو للوهلة الأولى موجها للأحزاب اليهودية الدينية، لكنه يظلّ شرطا تكتيكيا تجاه اليهود، خصوصا في ظلّ وجود أحزاب في معسكر آيزنكوت تصّر على فرض الخدمة العسكرية على اليهود الحريديم. بينما شرط الخدمة، الخدمة المدنية على الأقل يُطرح إستراتيجيا تجاه العرب.
وفي الوقت الذي يحتاج فيه آيزنكوت إلى العرب، يضع شروطه عليهم! فيما نحن العرب، من يفترض أن لدينا شروطا نضعها على آيزنكوت وشركائه لتسهيل إقامة بديل ليس عن نتنياهو فحسب، إنما بديلا عن مجمل السياسات الصهيونية تجاهنا كعرب. وشرط ذلك هو في رفض شروط آيزنكوت ذاتها التي يسوقها علينا كمبادئ متصلة بصهيونية الدولة ويهوديتها، فاعترافنا بيهودية الدولة يعني نفينا بأنفسنا لحقنا التاريخي في بلادنا ومصيرنا فيها، أي أن اعترافنا سيعني اعتذارنا عن كل تاريخنا المناهض للعنصرية والتمييز على مدار عقود مضت. إن إسرائيل هي من يجب عليها الاعتراف بنا، بأن تكون دولة كل الإسرائيليين، أي دولة كل مواطنيها يهودا وعربا.
أما عن “قيم” وثيقة الاستقلال، ونحن نذكّر أنفسنا بأننا من بين ضحايا ذلك “الاستقلال”، ومع ذلك لسنا من قفز عن الوثيقة، إنما من أقرّ وأجمع على قانون القومية هو من قفز عن الوثيقة و”قيمها”. والخدمة نرفضها، لأننا لسنا مهاجرين ولا “عوليم” للبلاد بلغة الصهيونية، إنما نحن سكانها الأصليين وأصحاب الأرض فيها، وعليه لا نخدم في مشروع يتناقض مع وجودنا أيا كان شكل هذه الخدمة.
هذه ليست شعارات، وإنما مبادئ متصلة بوجودنا في بلادنا وعلى أرضنا في ظل تغول الصهيونية الفاشية ضدنا، وليست هامشا للمناورة، مثلما أقرّ أحد النواب العرب بتسليمه قائلا “إسرائيل ولدت دولة يهودية وهاذ واقع…” فهذا واقع يجب رفضه ومواجهته سياسيا لا التسليم به، لأن التسليم يعني الذهاب في مسار سياسي تظلّ تقع علينا فيه الوقائع لنسلم بها.
سيحاول آيزنكوت استمالة أحزاب صهيونية دينية محسوبة على معسكر نتنياهو مثل “يهدوت هتوراة” أو “شاس”، من أجل تشكيل ائتلاف حكومي يكون أقل اعتمادا على العرب، لأن آيزنكوت وشركاءه يسلّمون بواقع “لا شرعية” أو “شرعية مهزوزة” لحكومة يشارك فيها أو يدعمها العرب. ونحن العرب بدورنا، ومن وجهة نظرنا يجب النظر إلى أي وجود عربي في ائتلاف حكومي إسرائيلي على أنه غير شرعي، فإن الحكومة في إسرائيل هي سلطة صناعة السياسات الصهيونية وتنفيذها. يحتاج آيزنكوت إلى العرب، إلى قائمة على الأقل من القائمتين العربيتين، كجسم أقل ما فيه يمنع حجب الثقة عن حكومة إذا ما تمكن من تشكيلها.
ولن يقف نتنياهو بدوره مكتوف الأيدي في انتظار أن يشكل آيزنكوت حكومة، أو يسرق هذا الأخير منه حلفاءه في معسكره. ففضلا عن تحريضه على مدار الساعة ضد العرب، إلى حد اتهامه العرب بسرقة الانتخابات لمجرد ممارستهم حقهم الانتخابي بنسبة عالية، ما حال دون عودته بائتلافه الحالي للحكم، يعمل نتنياهو على فتح خطوط مع زعماء أحزاب مثل بينت وحتى ليبرمان في محاولة لشق صفوف معسكر آيزنكوت. غير أن فرص هذا الأخير تظلّ الأوفر، فيما إمكانية قيام حكومة وحدة وطنية أبعد من أن يقبل بها آيزنكوت، الذي يعرف كذلك بأن انتخابات جديدة أخرى تعني منح تذكرة لعودة نتنياهو وطغمته من جديد.
ما الذي علينا فعله؟
ألا نستهين بقوتنا كعرب، وألا نساوم على ثقة الناس بنا، خصوصا نحن في القائمة المشتركة ومركباتها الثلاثة. فثمة ما ثبت، في أن تمثيلا أكثر للعرب يعني تعقيدا أكبر للمشهد السياسي في إسرائيل، تعقيدا مثل الذي حال دون عودة اليمين الفاشي بزعامة نتنياهو إلى الحكم. لكن ذلك لا يعني “الوقوف في صف العرس قبل مجيء الحادي…” بحسب القول الفلسطيني المأثور، فمهمة القائمة المشتركة كانت وما زالت منع عودة نتنياهو، بما يضع آيزنكوت وشركاءه ومنهم من بقايا “اليسار الصهيوني” أمام اختبار جديتهم بالتغيير، فطالما اختاروا لمعسكرهم تسمية “شينوي/تغيير” شعارا للمرحلة. وفي هذا مصلحة العرب مبدئيا، مراقبة المشهد وليس الجلوس في قاعة انتظار لدخوله كما يتصرف آخرون.
إن شروط آيزنكوت الأربعة هي حرفيا مبادئ صهيونية يريد زعيم حزب “يشار” الصهيوني إملاءها علينا نحن العرب، وعليه ليس من شرعية سياسية لدخول عرب في ائتلاف حكومي، ولا مصلحة لنا في ذلك أيضا. خصوصا إذا ما عرفنا وجهة آيزنكوت وشركاءه تجاه الملف الفلسطيني، التي لا تختلف عن وجهة الحكومة الفاشية الحالية إلا في أعادة تعريف ممارسات الحكومة الحالية وليس تغييرها، مثل استكمال الاستيطان لدوافع أمنية وليس دينية، بما يغسل سمعة إسرائيل أمام الرأي العام العالمي، وهكذا.
إن مصلحة العرب في: ما الذي نريده نحن؟ وليس في ما يُراد لنا أن نكون عليه. فمن مُنح ثقة انتخابية أسفرت عن 19 مقعدا عليه فرض شروطه، لا أن يبقى تحت شروط الأخرين، وهذا موقف يجمع بين الكرامة الوطنية والمصلحة السياسية معا، وإلا تبددت ثقة الناس التي يصعب استعادتها لو جرى التفريط بها. إن الدرس الذي يجب اعتباره من وحي آخر انتخابات ونتائجها، هو في أخذ ثقة الناس إلى حيث مصلحة الناس وكرامتهم؛ الوحدة، والتنظيم، وتوسيع هامش المناورة، والمثابرة ضمن خطة عمل على حل مشاكلنا الحارقة وقضايانا العالقة ننتزع فيها حقوقنا انتزاعا، وهذه مسؤولية تقع على عاتق القائمة المشتركة أولا.
المصدر … عرب ٤٨

