بقلم وسام زغبر:استهداف الصحفيين الفلسطينيين.. جريمة مستمرة في ظل غياب المساءلة الدولية

كاتب صحفي وباحث نقابي وسياسي

المسار: في اليوم الدولي لإنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين، الذي يصادف الثاني من تشرين الثاني/ نوفمبر، يعود ملف استهداف الصحفيين الفلسطينيين إلى واجهة الأسئلة الحقوقية والسياسية، لا بوصفه سلسلة انتهاكات معزولة، بل باعتباره اختباراً حقيقياً لجدية المجتمع الدولي في حماية حرية الصحافة وإنفاذ القانون ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة بحق العاملين في الإعلام.

يواجه الصحفيون الفلسطينيون واحدة من أكثر المراحل دموية في تاريخ الصحافة، حيث لم تعد المخاطر مقتصرة على صعوبات العمل الميداني، بل امتدت إلى القتل والإصابة والاعتقال والتعذيب، وتدمير المؤسسات والمقار الإعلامية، واستهداف البنية التحتية للاتصالات والإنترنت. وهو واقع يكشف أن الخطر لا يهدد حياة الصحفيين وحدهم، بل يطال قدرة الإعلام الفلسطيني على نقل الوقائع وتوثيق الانتهاكات وإيصال صوت الضحايا إلى العالم.

وتشير نقابة الصحفيين الفلسطينيين إلى استشهاد أكثر من 260 صحفياً وصحفية منذ بدء حرب الإبادة على قطاع غزة، إلى جانب مئات المصابين والمعتقلين. ولا تعكس هذه الحصيلة حجم الخسائر البشرية والمهنية فحسب، بل تكشف اتساع الفجوة بين الالتزامات الدولية المعلنة وواقع الحماية والمساءلة على الأرض.

فاستهداف الصحفيين هو اعتداء يتجاوز الضحايا المباشرين إلى حق المجتمع في المعرفة، ومحاولة لحجب الحقيقة وإسكات الشهود الذين ينقلون ما يجري بالصورة والكلمة والتوثيق. وعندما يُقتل الصحفي أو يُعتقل أو تُدمّر مؤسسته، لا يفقد الوسط الإعلامي أحد أفراده فحسب، بل يخسر العالم مصدراً مستقلاً للمعلومات وشاهداً على الأحداث، وتتراجع فرص توثيق الجرائم وإنصاف الضحايا.

غير أن الأخطر من حجم الانتهاكات هو استمرار الإفلات من العقاب. فالإدانة والاستنكار، مهما ارتفعت نبرتهما، لا يشكلان رادعاً ما لم تقترنا بتحقيقات مستقلة وإجراءات قضائية جادة. كما أن تعطيل المساءلة أو إخضاعها للحسابات السياسية وازدواجية المعايير يقوض الثقة بالقانون الدولي، ويمنح مرتكبي الجرائم شعوراً بإمكانية تكرارها دون محاسبة.

وفي هذا السياق، يكتسب تقرير المقررة الأممية فرانشيسكا ألبانيزي، المقدم إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة في تموز/ يوليو 2026، بعنوان «الحقيقة تحت الأنقاض: وسائل الإعلام زمن الإبادة الجماعية»، أهمية خاصة، لما تناوله من استهداف الصحفيين وتدمير المؤسسات الإعلامية وتعطيل الاتصالات، وانعكاسات ذلك على الوجود الإعلامي الفلسطيني.

إن مواجهة هذه الجرائم تتطلب الانتقال من التوثيق والإدانة إلى المساءلة الفعلية، عبر دعم التحقيقات الدولية المستقلة، ومتابعة المسارات القانونية أمام المحكمة الجنائية الدولية والمحاكم الوطنية المختصة، ومحاسبة المسؤولين عن قتل الصحفيين واعتقالهم وتعذيبهم، فضلاً عن توفير حماية دولية للصحفيين والمؤسسات الإعلامية. كما يقع على عاتق الاتحادات والنقابات الصحفية الدولية تصعيد تحركاتها القانونية والمهنية، ومنع تهميش هذه الجرائم أو إخضاعها للنسيان والضغوط السياسية.

إن حماية الصحفيين ليست امتيازاً مهنياً، بل التزام قانوني وأخلاقي، وحماية للحقيقة وحق الشعوب في المعرفة. وفي فلسطين، لم تعد المعركة مقتصرة على ضمان سلامة الصحفي أثناء أداء عمله، بل أصبحت معركة من أجل ألا تُقتل الحقيقة بقتل من ينقلها.

فحين يُستهدف الصحفيون ولا يُحاسَب المسؤولون، لا تسقط العدالة وحدها، بل تتعرض حرية الصحافة والقانون الدولي ومصداقية المجتمع الدولي لاختبار بالغ الخطورة.

Share This Article