مأزق تشكيل الحكومة الإسرائيلية يغذي تطرف المستوطنين.. هجمات وعودة للبؤر الاستيطانية

المسار :  لا تقتصر تداعيات نتائج الانتخابات الإسرائيلية على أزمة تشكيل الحكومة وتوازنات الكنيست، بل تمتد إلى الضفة الغربية المحتلة، حيث تتصاعد المخاوف من اتساع إرهاب المستوطنين، في ظل تحذيرات المؤسسة العسكرية الإسرائيلية من لجوء ناشطي اليمين المتطرف إلى مهاجمة قوات الجيش وإقامة بؤر استيطانية جديدة، لمنع أي حكومة مقبلة من إخلاء البؤر القائمة.

وتأتي هذه التحذيرات في وقت تشهد فيه الضفة الغربية تصعيداً متزامناً في اعتداءات المستوطنين والإجراءات العسكرية الهادفة إلى السيطرة على الأراضي الفلسطينية، من خلال أوامر وضع اليد وشق الطرق والمحاور الأمنية، بما يعزز التوسع الاستيطاني ويكرّس وجود البؤر والمستوطنات على الأرض.

وتكشف التطورات الأخيرة عن مشهد يتجاوز الاعتداءات الفردية، نحو استخدام العنف وسيلة لفرض وقائع استيطانية، ليس ضد الفلسطينيين وحدهم، وإنما أيضاً في مواجهة قوات الاحتلال عندما تحاول إخلاء بعض البؤر التي أقيمت دون قرارات حكومية رسمية، رغم أن حكومات الاحتلال المتعاقبة وفرت الدعم والحماية لكثير منها.

المستوطنون يهاجمون قوات الاحتلال لمنع إخلاء البؤر

ورصد جيش الاحتلال، في الآونة الأخيرة، تحفزاً متزايداً لدى المستوطنين في الضفة الغربية لاستخدام العنف ضد قوات الجيش، بهدف منع إخلاء بؤر استيطانية عشوائية أقيمت دون قرارات حكومية، وتوصف إسرائيلياً بأنها غير قانونية.

ورغم مشاركة جيش الاحتلال في توفير الظروف اللازمة لإقامة بؤر استيطانية وتسهيل توسعها، وقيام الحكومة بشرعنة عشرات منها وربطها بشبكات المياه والكهرباء، فإن عمليات إخلاء محدودة لهذه البؤر تواجه في بعض الأحيان هجمات من المستوطنين، تشمل إغلاق الطرق وإحراق الإطارات وإلقاء الحجارة والاعتداء على الجنود وأفراد الشرطة.

وبحسب ما أوردته صحيفة “هآرتس”، الثلاثاء، فإن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تربط تصاعد هذه المواجهات بحالة التوتر السياسي التي أعقبت الانتخابات، وعدم تمكن معسكر بنيامين نتنياهو من حسم الأغلبية البرلمانية، وسط مخاوف من أن يسعى ناشطو اليمين المتطرف إلى إفشال أي محاولة لإخلاء البؤر الاستيطانية.

وتجلّى ذلك، الاثنين، خلال عملية إخلاء بؤرة استيطانية قرب سلفيت، حين هاجم مستوطنون قوات الاحتلال وأغلقوا طرقاً وأشعلوا إطارات مطاطية، ما أدى إلى اعتقال 18 مستوطناً، وفق ما أعلن جيش الاحتلال.

مخاوف إسرائيلية من تصعيد أوسع بعد اعلان نتائج الانتخابات وتشكيل الحكومة الجديدة

ولا تتوقف المخاوف الإسرائيلية عند المواجهات مع قوات الجيش، إذ تتوقع مصادر عسكرية تصاعد اعتداءات المستوطنين ضد الفلسطينيين خلال المرحلة المقبلة، في ظل احتمال تشكل حكومة لا يقودها نتنياهو.

وبحسب التقديرات العسكرية التي أوردتها “هآرتس”، فإن ناشطين في اليمين المتطرف قد لا يقبلون بحكومة جديدة لا يرأسها نتنياهو، وقد يلجؤون إلى تنفيذ هجمات ضد الفلسطينيين وإقامة بؤر استيطانية إضافية، بهدف خلق وقائع ميدانية يصعب على أي حكومة مقبلة التراجع عنها أو إخلاؤها.

وتكتسب هذه التقديرات أهمية في ضوء نتائج الانتخابات الإسرائيلية، التي أظهرت حصول معسكر نتنياهو على 53 مقعداً، مقابل 48 لمعسكر المعارضة، فيما حصدت القوائم العربية 19 مقعداً، دون أن يتمكن أي من المعسكرين من ضمان الأغلبية المطلوبة لتشكيل الحكومة، والبالغة 61 مقعداً.

إعادة إحياء المستوطنات المخلاة.. جنين نموذجاً

تتسارع الإجراءات الإسرائيلية لإعادة إحياء مستوطنات أُخليت شمال الضفة الغربية عام 2005، إذ أصدرت سلطات الاحتلال في 28 تشرين الأول/أكتوبر أمرين عسكريين للاستيلاء على 11.205 دونمات من أراضي دير أبو ضعيف وقباطية بمحافظة جنين، لشق محورين أمنيين حول مستوطنتي “غانيم” و”كاديم”، اللتين عاد المستوطنون إليهما هذا العام، وفق هيئة مقاومة الجدار والاستيطان.

وتندرج هذه الإجراءات ضمن مسار بدأ بتعديل قانون فك الارتباط عام 2023، بما أتاح العودة إلى المستوطنات الأربع المخلاة، بالتزامن مع إقامة بؤر جديدة في محيط جنين، وتوسيع الطرق والبنية التحتية لتثبيت الوجود الاستيطاني وتقييد وصول الفلسطينيين إلى أراضيهم.

طرق عسكرية لتوسيع السيطرة على الأراضي

وفي سياق متصل، أصدرت سلطات الاحتلال في 28 تشرين الأول/أكتوبر أمراً عسكرياً بالاستيلاء على 26.473 دونماً من أراضي بلدات دير نظام وأم صفا وعطارة شمال غرب رام الله، لشق محور أمني يربط المستوطنات والبؤر الاستيطانية في محيط “عطيرت” و”حلميش”، بما يعزز حركة المستوطنين ويقيّد وصول الفلسطينيين إلى أراضيهم، وفق هيئة مقاومة الجدار والاستيطان.

وفي الأغوار الشمالية، أصدرت قوات الاحتلال الثلاثاء قراراً بالاستيلاء على نحو تسعة دونمات من أراضي خربة الحديدية لشق طريق عسكري، في امتداد لإجراءات سابقة شملت الاستيلاء على مئات الدونمات وتجريفها، قبل إقامة مستوطنين بؤرة استيطانية في المنطقة، التي تتعرض لاعتداءات متكررة تشمل تسييج الأراضي وملاحقة الرعاة ومنع الفلسطينيين من الوصول إلى المراعي والأراضي الزراعية.

عنف على الأرض وقرارات عسكرية.. مساران لمشروع واحد

وتعكس هذه التطورات تداخلاً بين مسارين متكاملين في الضفة الغربية: أولهما يتمثل في اعتداءات المستوطنين وإقامة البؤر وفرض السيطرة الفعلية على الأراضي، وثانيهما يتمثل في الإجراءات العسكرية والتخطيطية التي توفر الطرق والمحاور الأمنية ومناطق الحماية لهذه المواقع.

وفي ظل حالة الانسداد السياسي التي أعقبت الانتخابات الإسرائيلية، تبرز مخاوف من أن تتحول البؤر الاستيطانية إلى أداة ضغط ميداني على أي حكومة مقبلة، عبر توسيع انتشارها ورفع كلفة إخلائها، بالتوازي مع استخدام العنف ضد الفلسطينيين وقوات جيش الاحتلال لمنع أي تراجع عن الوقائع التي فرضها المستوطنون.

وبذلك، لا يبدو تصاعد إرهاب المستوطنين منفصلاً عن الصراع داخل إسرائيل على شكل الحكومة المقبلة، بل يتقاطع معه في محاولة التيار الاستيطاني المتطرف تحصين مكاسبه على الأرض، وتقييد خيارات أي حكومة قد تسعى إلى إخلاء بعض البؤر، فيما يدفع الفلسطينيون الثمن من أراضيهم وأمنهم وحرية حركتهم.

Share This Article