المسار : لم توقف المصادقة الرسمية على نتائج الانتخابات الإسرائيلية، الأربعاء، حملة التشكيك فيها. فبينما تسلّم الرئيس الإسرائيلي يتسحاق هرتسوغ النتائج تمهيدًا للمشاورات حول تشكيل حكومة جديدة، واصل حزب “الليكود” الحديث عن “غمامة سوداء” تخيم على الانتخابات، وسط تصعيد في التحريض على الفلسطينيين داخل الخط الأخضر، وصل إلى المطالبة باعتقال رؤساء الأحزاب العربية والتحقيق معهم في “أقبية الشاباك”.
وجاء ذلك بعد مشاركة عربية قاربت 80%، رفعت تمثيل القائمتين العربيتين إلى 19 مقعدًا، وجعلت أصواتهما حاسمة في معركة تغيير الحكومة.
فالناس الذين خرجوا للتصويت بسبب الخوف على حياتهم، وانتشار الجريمة، والرغبة في إنهاء حكم بنيامين نتنياهو، وجدوا أنفسهم أمام حملة تستهدف شرعية أصواتهم وتمثيلهم السياسي.
تقارير تحدثت عن طلب رئيس “الشاباك” التحقيق مع أحمد الطيبي ومنصور عباس وسامي أبو شحادة وأيمن عودة
وفي حديث مع “القدس العربي”، يحذر الباحث والمحلل السياسي الفلسطيني أمير مخول من أن الأمر يتجاوز نتائج الانتخابات، معتبرًا أن “اليمين بدأ عملية نزع الشرعية عن وجود الفلسطينيين، وليس فقط عن شرعيتهم السياسية في إسرائيل”.
وبدأ التصعيد مساء الثلاثاء، مع تقارير عن طلب رئيس جهاز الأمن العام “الشاباك”، دافيد زيني، التحقيق تحت التحذير مع أحمد الطيبي ومنصور عباس وسامي أبو شحادة ونائب رابع حُظر نشر اسمه.
والأربعاء كُشف أن أيمن عودة، الذي يفحص الجهاز شبهات بشأن تلقيه مئات آلاف الشواكل من جهة خارجية، وفق تقارير إسرائيلية. ولم تثبت هذه الاتهامات.
وحسب التقارير، قُدمت مذكرة لتبرير التحقيق مع عودة، بينما لم تُقدم أدلة مماثلة ضد الثلاثة الآخرين.
مخول لـ”القدس العربي”: الملاحقات ضد القيادات العربية تهدف إلى ردع الأحزاب اليهودية عن تشكيل حكومة بدعم عربي
ورفضت المستشارة القضائية للحكومة، غالي بهراف ميارا، الموافقة على التحقيق معهم دون سند، وأوضحت أن “الشاباك” لم يحوّل مواد التحقيق إلى الفريق المشترك مع الشرطة. لكن الجهاز أصدر لاحقًا توضيحًا نفى فيه بعض تفاصيل طلب التحقيق مع النواب، وقال إن الطلبات تتعلق بأشخاص في محيطهم، ونفى تعمد تأخير نقل المواد.
أيمن عودة يردّ
وردّ عودة أن نسبة التصويت العربية المرتفعة “أطارت صوابهم”، وأن الخوف من خسارة الحكم يدفع نتنياهو وحلفاءه إلى إطلاق الاتهامات في كل اتجاه.
ووصف الشبهات ضده أنها “ملاحقة سياسية ستتحوّل سريعًا إلى فقاعة وتنتهي”، وقال إن الاقتراب من موعد أداء الكنيست اليمين سيجلب مزيدًا من “الأحابيل والأكاذيب والتحريض”، وداعيًا إلى مواصلة الجهود لتغيير الحكومة.
أما “القائمة المشتركة”، فاعتبرت استهداف عودة “ملاحقة سياسية” وتصعيدًا لمحاولة نزع الشرعية عن مشاركة العرب في الانتخابات.
واتهمت زيني، الذي عيّنه نتنياهو، بالتصرف كذراع سياسية في خدمته، وقالت إن ارتفاع التصويت العربي أفقد معسكر الحكم صوابه، مؤكدة: “لا تهديدات ولا تحقيقات ولا حملات ترهيب ستُسكتنا أو تنزع شرعية تمثيلنا السياسي”.
“الليكود” يواصل حملته
في المقابل، واصل حزب “الليكود” مهاجمة المستشارة القضائية واتهامها بالتستر وإفشال التحقيق.
وأكد رئيس “القائمة الموحدة” منصور عباس استعداده للمثول أمام سلطات إنفاذ القانون، لكنه رفض تحويل الشبهات إلى حملة لتشويه المجتمع العربي، وطالب باحترام اختيار الناخبين.
وذهب إيتمار بن غفير أبعد، داعيًا زيني إلى اعتقال جميع رؤساء الأحزاب العربية، حتى دون موافقة المستشارة، والتحقيق معهم في “أقبية الشاباك”، ومطالبًا بتجميد النتائج وتشكيل الحكومة.
توقيف صحافي
وفي الليلة نفسها، اعتقلت الشرطة و”الشاباك” الصحافي والناشط عبد أبو شحادة من منزله في يافا.
ولم تُكشف في البداية طبيعة الشبهات، ثم تبين أنها تتعلق بالاشتباه في التواصل مع “عميل أجنبي”.
وكان أبو شحادة قد أجرى مقابلة صحافية مع الدكتور عزمي بشارة في الدوحة قبل أسبوع ونشر عنها.
مخول: نتنياهو قد يرفض تسليم السلطة والخوف من خسارة الحكم قد يدفعه إلى خطوات استثنائية
وبالتزامن مع اعتقاله، نشرت صفحات إسرائيلية ادعاءات تصوره قياديًا في “التجمع الوطني الديمقراطي” متهمًا بنقل أموال خارجية للتأثير على الانتخابات، رغم أنه لم يعد ناشطًا حزبيًا فيه منذ سنوات.
ولم تُعلن صلة بين اعتقاله وبين ملف التمويل الانتخابي. وتأتي هذه التطورات بعد تحريض على القناة 14 القريبة من نتنياهو، تضمن دعوات لحرمان المواطنين العرب من حق التصويت، لمجرد أن مشاركتهم هذه المرة كانت مؤثرة.
“قوة ممنوعة” في حسابات الحكم
ويرى مخول أن التحريض له أسباب متعددة، لكنها تنطلق من “القوة غير المتوقعة التي كشفها الصوت العربي في الانتخابات”.
ويقول إن اليمين الحاكم يتعامل معها باعتبارها “قوة ممنوعة”، فيما تعتبرها أطراف في معسكر المعارضة قوة غير مرغوب فيها، رغم حاجتها إلى أصواتها لتغيير الحكومة.
وبرأيه، تهدف الحملة إلى ردع العرب وردع أي أحزاب يهودية تفكر بتشكيل حكومة تعتمد على ممثليهم، حتى بدعم من خارج الائتلاف.
ويضيف أن اليمين يخوض معركة فاصلة على الحكم، وأن التصعيد يتصل بسياسات أقدم من هدم المنازل والتضييق على النشاط السياسي.
وهو يرى أن استهداف شرعية المشاركة أصبح امتدادًا لاستهداف المكانة المدنية للفلسطينيين في الداخل.
فالمفارقة، حسب قراءته، أن المجتمع الفلسطيني العربي تعرض طوال سنوات للاتهام بعدم المشاركة والتسبب في عودة اليمين إلى الحكم، وحين خرج بكثافة هذه المرة، أصبح تأثيره الانتخابي نفسه موضع اتهام.
ويحذر من أن الحملة لا تريد فقط تأخير تغيير الحكومة؛ أنها تسعى أيضًا إلى جعل أي تحالف سياسي يعتمد على الأصوات العربية يدفع ثمنًا أمام الرأي العام اليهودي.
نتائج رسمية… والليكود لا يتراجع
وصادقت لجنة الانتخابات المركزية، الأربعاء، على النتائج بعد فحص 9069 صندوق اقتراع دون العثور على معطيات تشير إلى تغيير النتائج أو المساس بنزاهتها.
وامتنع ممثلو “الليكود” و”شاس” عن التصويت في رئاسة اللجنة، فيما استقال عضو الكنيست عن الليكود عميت هليفي من عضويتها احتجاجًا.
في الوقت ذاته، أبلغ “الشاباك” اللجنة بوجود معلومات استخبارية عن شبهات تمويل خارجي للتأثير في الانتخابات قد تشمل آلاف الأشخاص.
لكنه أقر بالحاجة إلى تحقيقات إضافية لاستكمال الصورة.
وأكد رئيس اللجنة، القاضي نوعام سولبرغ، أن التحقيق في شبهات محددة لا يجيز التشكيك بالانتخابات برمتها. وتسلم هرتسوغ النتائج وأدان التحريض العنصري على العرب.
لكن “الليكود” استمر في حديثه عن “الغمامة السوداء”، مع بدء المشاورات التي قد تمنح غادي آيزنكوت فرصة تشكيل الحكومة.
هل يرفض نتنياهو تسليم السلطة؟
ولا يستبعد مخول انزلاق الأزمة إلى مواجهة دستورية إذا تأخر تشكيل حكومة بديلة، ويرى أن نتنياهو، الذي لا يملك أغلبية للحكم حتى مع الأحزاب الحريدية، قد يراهن على استمالة نواب أو إطالة الأزمة.
ويحذر من أن الخوف من خسارة السلطة قد يدفعه إلى خطوات استثنائية “بما فيها رفض تسليم الحكم”، وهو احتمال يطرحه مخول لا واقعة حدثت بالفعل.
ويعتبر أن الخطر يكمن في تطويع مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها “الشاباك”، بحيث يصبح “الولاء فوق القانون”.
لذلك يدعو إلى الإسراع في تشكيل حكومة تعتمد على دعم عربي من الخارج، لتضييق المجال أمام محاولات عرقلة الانتقال.
فمعسكر التغيير يملك 48 مقعدًا مقابل 53 لمعسكر نتنياهو، وإضافة نواب القائمتين العربيتين، وعددهم 19، تمنحه غالبية 67؛ لكن اتفاقًا على صيغة الحكومة لم يُنجز بعد.
وهذا هو التناقض الذي يرافق المرحلة المقبلة: الأصوات العربية مطلوبة لتشكيل أغلبية، لكن معسكر غادي آيزنكوت لم يحسم إن كان سيتعامل مع أصحابها كشركاء في اتخاذ القرار أم سيكتفي بدعمهم عند التصويت.
وحتى تغيير رئيس الكنيست ورؤساء لجانه، قبل تشكيل الحكومة، يحتاج إلى تنسيق برلماني لا يمكن تجاهل دور النواب العرب فيه.
وفيما يتعلق بالمشاركة العربية، يصف مخول النتيجة أنها “صحوة مدنية شعبية هائلة وغير مسبوقة”، فاجأت حتى الأحزاب العربية نفسها.
لكنه لا يفترض تكرارها تلقائيًا، ويقول إن الحركة السياسية العربية لم تستوعب بعد حجم القوة التي كشف عنها الناخبون، ولا تزال مطالبة بسؤال نفسها كيف تنظم المجتمع للاستفادة منها، بدل الاكتفاء بعدد المقاعد.
ولا يقدم مخول جوابًا حاسمًا عما إذا كان التحريض سيدفع الناخبين العرب إلى العزوف في المستقبل. لكنه يلفت الانتباه إلى أن استمرار المشاركة يتوقف أيضًا على قدرة القيادات على تحويل الأصوات إلى إنجازات في مواجهة الجريمة، وفي السكن والخدمات والمساواة، بدل التعامل مع ارتفاع التصويت كضمانة دائمة.
وعلى الطرف الآخر من المشهد، خسر ترامب والجمهوريون السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ الأمريكيين في انتخابات التجديد النصفي.
والأربعاء، أقر نائبه جيه دي فانس بأن المشكلة لم تكن غياب الناخبين الجمهوريين، بل انتقال قسم ممن صوتوا لترامب عام 2024 إلى الديمقراطيين.
وكتب فانس أن استطلاعًا أطلعه عليه أحد خبراء قياس الرأي حدد أربعة مطالب رئيسية لدى الناخبين الذين ابتعدوا عن الحزب: “إنهاء الحرب”، ومواجهة غلاء المعيشة، و””أمريكا أولًا”، و”تغيير علاقتنا بإسرائيل”.
وقبل إعلان النتائج، قال ترامب إنه اتفق مع نتنياهو منذ أشهر على وقف المساعدات العسكرية الأمريكية السنوية لإسرائيل، البالغة نحو 3.8 مليار دولار، بحلول نهاية 2026، رغم أن الاتفاق القائم يمتد إلى عام 2028. ولم تتضح كيفية تنفيذ الإعلان، فيما أكد ترامب إمكان استمرار بيع السلاح لإسرائيل.
وقف المساعدات أن تغيير آليتها؟
لكن مخول يرفض قراءة الإعلان بوصفه عقوبة لإسرائيل. ويقول إن فكرة استبدال المساعدات المباشرة بشراكة أوسع في تطوير الصناعات العسكرية مطروحة منذ أكثر من عام لدى مؤسسات الأمن القومي الإسرائيلية.
وحسب قراءته، قد تمنح شراكات تطوير الطائرات والصواريخ إسرائيل مكاسب اقتصادية واستراتيجية تتجاوز قيمة المنح الحالية.
مخول: فكرة استبدال المساعدات الأمريكية بشراكة أوسع في تطوير الصناعات العسكرية مطروحة منذ أكثر من عام
ويؤكد أن “العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل أقوى من أي رئيس أمريكي أو رئيس إسرائيلي”، محذرًا من الرهان على فوز الديمقراطيين لتغيير السياسة الأمريكية جذريًا. فالحزبان، كما يذكّر، قدّما دعمًا واسعًا لإسرائيل خلال الحرب، والخلاف بينهما بشأن إدارة العلاقة لا يعني انهيار التحالف.
وهكذا، بينما تجري المشاورات لتشكيل حكومة إسرائيلية جديدة، لا تزال أصوات الفلسطينيين في الداخل، التي ساهمت في تغيير موازين القوى، موضوعًا للتحريض والتشكيك. والسؤال الذي يبقى بعد إقرار النتائج ليس فقط من سيتولى الحكم، بل ما إذا كانت المشاركة العربية الواسعة ستتحول إلى تأثير فعلي في حياة المواطنين الذين صوّتوا بحثًا عن الأمان والتغيير.

