المسار : تباينت ردود الفعل المصرية تجاه نتائج الانتخابات الأمريكية التي مُني فيها الحزب الجمهوري بهزيمة، إذ احتفى معارضون بالنتائج، واعتبروها انتكاسة للرئيس دونالد ترامب واللوبي الإسرائيلي، في حين قلل إعلاميون وشخصيات مقربة من النظام المصري من أهميتها.
وأثار فوز الأمريكيين من أصول مصرية، عبد الرحمن السيد وآدم الحموي، اهتماماً خاصاً لدى عدد من الشخصيات المصرية، التي رأت في وصولهما إلى مواقع تشريعية أمريكية مؤشراً على تحولات في المزاج السياسي الأمريكي، ولا سيما فيما يتعلق بالموقف من الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة والقضية الفلسطينية.
وكتب السياسي المصري والمرشح الرئاسي السابق حمدين صباحي، عبر صفحته في موقع فيسبوك: “هزيمة ساحقة لترامب، الديمقراطيون يسيطرون على مجلسي النواب والشيوخ، دماء شهداء غزة لن تذهب سدى”.
من جانبه، اعتبر الدكتور أحمد السيد النجار، رئيس مجلس إدارة مؤسسة الأهرام الأسبق، أن هزيمة ترامب وحزبه تمثل حدثاً فارقاً للداخل الأمريكي والعالم، ليس فقط بسبب حجم الخسارة الانتخابية، وإنما لما تحمله مواقف عدد من الفائزين الديمقراطيين من تجاوز للمواقف التقليدية للحزب، خصوصاً فيما يتعلق بإسرائيل والعدالة الاجتماعية.
وفي قراءة مطولة لنتائج الانتخابات، ربط النجار تراجع شعبية ترامب وحزبه بالتداعيات الاقتصادية لسياساته والحروب التي خاضتها الولايات المتحدة، وفي مقدمتها الحرب مع إيران، والحرب الإسرائيلية على غزة، والصراع مع جماعة أنصار الله في اليمن.
وأشار إلى أن هذه المواجهات فرضت تكاليف اقتصادية باهظة على الولايات المتحدة، وأسهمت في ارتفاع أسعار الطاقة والتضخم، وتراجع القدرة الشرائية للأمريكيين، فضلاً عن تأثيراتها على صورة القوة الأمريكية في المنطقة، بعد تعرض قواعد ومنشآت أمريكية لأضرار.
كما انتقد النجار السياسات الاقتصادية لترامب، خصوصاً رفع الرسوم الجمركية على الواردات الصينية، معتبراً أنها أدت إلى زيادة الأسعار داخل الولايات المتحدة، قبل أن يضطر الرئيس الأمريكي إلى التراجع عن جانب كبير منها تحت ضغط انعكاساتها على المواطنين، إلى جانب ما وصفه بفساد المصالح المرتبطة بالتلاعب بالأسواق والعملات المشفرة، وشبهات استفادة شركات ترامب وشركائه من قراراته وتصريحاته السياسية.
ولفت إلى أن تصريحات ترامب المتناقضة بشأن إيران، وتدخله في انتخابات دول أخرى، وهوسه بالحصول على جائزة نوبل، فضلاً عن مواقفه المثيرة للجدل، أسهمت في تكوين صورة سلبية عنه داخل الولايات المتحدة وخارجها.
وفي ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، رأى النجار أن الدعم الأمريكي المطلق لإسرائيل، رغم ما وصفه بسقوط السردية الإسرائيلية بشأن الصراع مع الفلسطينيين، أحدث شرخاً متزايداً بين الإدارة الأمريكية وقطاعات واسعة من الشباب الأمريكي.
وأضاف أن مواقف عدد من الديمقراطيين الفائزين، وفي مقدمتهم عبد الرحمن السيد وآدم الحموي، تعكس تحولاً في المزاج الجماهيري الأمريكي، وتفتح المجال أمام أصوات أكثر انتقاداً للسياسات الإسرائيلية داخل المؤسسة التشريعية الأمريكية.
ورغم إقراره بأن هذه التحولات لن تنهي نزعات الهيمنة الأمريكية أو تغير بصورة جذرية طبيعة السياسة الخارجية للولايات المتحدة، أعرب النجار عن أمله في أن تسهم في الحد من الدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل، وأن تتيح مساحة أكبر لمواقف أكثر إنصافاً للفلسطينيين.
كما توقع أن تفرض الهزيمة الانتخابية مراجعة للسياسة الأمريكية تجاه إيران، باعتبار أن الحرب معها كانت، بحسب تقديره، أحد الأسباب الرئيسية لتراجع شعبية ترامب وحزبه.
في المقابل، قلل الدكتور أحمد الملا، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بكلية الآداب في جامعة دمياط، من أهمية نتائج الانتخابات الأمريكية، لكنه أعرب عن استغرابه من غضب بعض الشخصيات المصرية من فوز الديمقراطيين، وما أبدته من تحفظ تجاه وصول مرشحين من أصول مصرية إلى مواقع سياسية أمريكية.
وقال الملا في منشور على صفحته في فيسبوك، إنه لا يعول على إمكانية تغيير العالم من داخل الولايات المتحدة، كما لا يشعر بإعجاب خاص بعبد الرحمن السيد، مشيراً إلى تصريحات سابقة للأخير خلال حملته الانتخابية قال فيها إنه لو عاش في مصر لأصبح سائق سيارة أجرة، وهي تصريحات قال إنها أزعجته.
لكنه أكد أن فوز السيد لا يمثل خبراً ساراً لترامب أو رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أو اللوبي الصهيوني، معتبراً أن الرجل ينتمي إلى التيار الاجتماعي الليبرالي داخل الحزب الديمقراطي، الذي يتزعمه السيناتور بيرني ساندرز، ويولي اهتماماً بالطبقات الفقيرة والطبقة الوسطى، ويتبنى مواقف أكثر إنصافاً تجاه القضية الفلسطينية.
وأضاف أن هذا التيار يُصنف، وفق المعايير السياسية الأمريكية، ضمن التيارات اليسارية، وأن عدداً من المنتمين إليه، بمن فيهم يهود، يتبنون مواقف ناقدة لإسرائيل باعتبارها كياناً استيطانياً إحلالياً.
وأعرب الملا عن سعادته بوصول عضو منتخب إلى مجلس الشيوخ الأمريكي، قال إنه استطاع تجاوز معارضة اللوبي الصهيوني، والتوجه إلى جمهور أمريكي متنوع بخطاب يؤكد حق أطفال فلسطين في العيش بسلام على أرض أجدادهم، ورفض استخدام أموال دافعي الضرائب الأمريكيين في تمويل قتلهم.
على الجانب الآخر، شن الإعلامي أحمد موسى هجوماً على عبد الرحمن السيد، عقب إعلان فوزه على المرشح الجمهوري مايك روجرز في انتخابات مجلس الشيوخ بولاية ميشيغان.
وقال موسى عبر حسابه الرسمي على منصة “إكس”، إن فوز السيد “لا يعنينا نهائياً”، مضيفاً أنه لن ينصر العرب أو فلسطين، ولن يدافع عن الإسلام أو ينحاز إلى القضايا العربية.
وفي السياق ذاته، انتقد لؤي الخطيب، صانع المحتوى المقرب من النظام المصري، محاولات تقديم فوز السيد باعتباره إنجازاً مصرياً أو عربياً، معتبراً أن أصوله العائلية لا ينبغي أن تكون أساساً لتقييم مواقفه السياسية أو توقع ما يمكن أن يقدمه للقضايا العربية.
وقال الخطيب إن السيد مواطن أمريكي حقق فوزاً انتخابياً لخدمة بلاده، وإن التعامل معه ينبغي أن يكون باعتباره سياسياً أمريكياً يمثل حزبه والناخبين الذين منحوه أصواتهم، وليس باعتباره ممثلاً لمصر أو للعرب لمجرد أصوله العائلية.
ويعكس هذا التباين في المواقف انقساماً داخل المجال العام المصري بشأن دلالات التحولات السياسية في الولايات المتحدة، بين من يرى في تراجع الجمهوريين وصعود أصوات ديمقراطية منتقدة لإسرائيل فرصة لتغيير بعض السياسات الأمريكية تجاه المنطقة، ومن يعتبر أن نتائج الانتخابات لا تعني بالضرورة حدوث تحول في المواقف الأمريكية التقليدية، وأن أصول المرشحين لا تكفي للاستدلال على طبيعة توجهاتهم أو حجم تأثيرهم في السياسة الخارجية.

