هكذا قلب الغلاء مزاج الأميركيين مطيحاً بالجمهوريين في الانتخابات

WASHINGTON, DC - OCTOBER 28: Butcher Carlton McLean helps a customer at the meat counter at Wagshal's photographed on October 28, 2026 in Washington, DC. (Photo by Deb Lindsey/For The Washington Post via Getty Images)

المسار : لم تكن نتائج الانتخابات الأميركية الأخيرة مجرد تحول في موازين القوى داخل الكونغرس، بل عكست غضباً معيشياً تراكم على مدى عامين، بعدما أخفقت إدارة الرئيس دونالد ترامب في الوفاء بوعدها بكبح الغلاء وخفض الأسعار وتحسين القدرة الشرائية، لتتحول كلفة الحياة اليومية إلى عامل حاسم في انتقال أصوات الناخبين إلى الديمقراطيين.

وبحسب تقرير نشرته صحيفة “وول ستريت جورنال”، اليوم الأربعاء، أطاحت الضغوط المرتبطة بارتفاع أسعار الغذاء والوقود والرعاية الصحية وأزمة السكن بجزء من القاعدة الانتخابية التي أوصلت ترامب إلى البيت الأبيض، وأعادت رسم الخريطة السياسية الأميركية، مع فوز الديمقراطيين بأغلبية مجلسي النواب والشيوخ.

وتُظهر استطلاعات الرأي التي أوردها التقرير أن نحو 39% من الناخبين اعتبروا الغلاء والوضع الاقتصادي القضية الأهم في البلاد، فيما قال قرابة 90% إن كلفة المعيشة شكلت عاملاً أساسياً أو مهماً في اختيارهم. كذلك وصف ثلاثة أرباع المشاركين الأوضاع الاقتصادية بأنها سيئة أو غير جيدة، وصوّت هؤلاء لمصلحة المرشحين الديمقراطيين بنسبة 67% مقابل 29% للجمهوريين، بينما أكد نحو 80% أن التضخم ألحق أضراراً بأسرهم خلال العام الماضي.

وعود كبح الغلاء تصطدم بالواقع
تكمن المفارقة في أن ترامب عاد إلى البيت الأبيض عام 2024 مستفيداً من تعهداته بإعادة القدرة الشرائية للأميركيين وكبح التضخم، لكنه واجه في منتصف ولايته الثانية واقعاً معيشياً أكثر صعوبة. فعلى الرغم من نمو الاقتصاد بمعدل سنوي بلغ 3.4% خلال الصيف، وارتفاع مؤشرات الأسهم إلى مستويات قياسية، واستمرار انخفاض البطالة، لم يشعر كثير من الأميركيين بتحسن مماثل في حياتهم اليومية.

ويشير التقرير إلى أن الرسوم الجمركية التي فرضتها الإدارة فاقمت الغلاء برفع تكاليف سلع، بينها الألعاب والأثاث، فيما أدى قرار الحرب على إيران إلى زيادة أسعار الوقود وتسارع التضخم. وبلغ التضخم 3.7% في سبتمبر/أيلول، وفق بيانات مكتب إحصاءات العمل، مقارنة بمعدل سنوي قدره 2.9% في الأشهر الأخيرة من ولاية الرئيس السابق جو بايدن. كما تراجعت الأجور الحقيقية، أي الأجور بعد احتساب التضخم، على مدى ستة أشهر متتالية.

ولم تعد أسعار الوقود مجرد بند في ميزانية الأسر، بل تحولت إلى مؤشر يومي على تدهور الأوضاع. فقد ارتفعت أسعار البنزين بنحو 50% منذ اندلاع الحرب على إيران في فبراير/شباط، فيما زادت أسعار الديزل بنحو الثلثين، لتسجل أعلى مستوياتها على الإطلاق في سبتمبر/أيلول.

وتبرز حدة هذه الضغوط في الولايات الزراعية والريفية، حيث يعتمد السكان على السيارات لمسافات طويلة، كما يستهلك القطاع الزراعي كميات كبيرة من الديزل لتشغيل الجرارات والشاحنات والآلات. ووفق حسابات مختبر حلول المناخ في جامعة براون، اضطرت الأسرة الأميركية النموذجية في ولايات أيوا وكانساس وماين وميشيغن ونيوهامبشير وتكساس إلى إنفاق أكثر من 600 دولار إضافية على البنزين خلال العام حتى منتصف أكتوبر/تشرين الأول بسبب الحرب، مقابل أقل من 400 دولار في ولايات أخرى، بينها إنديانا وأوريغون ونيويورك وواشنطن.

السكن يضاعف فاتورة الغضب
إلى جانب الوقود والغذاء، شكل السكن مصدراً إضافياً للقلق، بعدما تجاوزت معدلات الرهن العقاري 7%، متخطية مستوياتها قبيل انتخابات 2024، ما جعل شراء منزل بعيد المنال بالنسبة إلى شرائح واسعة. وتراجعت مبيعات المنازل قيد الانتظار في سبتمبر/أيلول إلى مستوى قياسي منخفض، بينما أسهمت الرسوم الجمركية في زيادة كلفة مواد البناء، وأدى تشديد إجراءات الهجرة إلى صعوبة العثور على عمال في قطاع الإنشاءات.

وتنقل الصحيفة شهادات ناخبين عاقبوا الحزب الحاكم بسبب ارتفاع الأسعار، حتى من بين الذين سبق أن صوتوا لترامب. ففي ولاية أوهايو، قال متقاعد عسكري إن تعبئة خزان شاحنته أصبحت تكلفه 130 دولاراً، فيما اشتكى عامل في قطاع البناء من ارتفاع سعر لوح الخشب الرقائقي من 4.50 دولارات إلى أكثر من 30 دولاراً، معتبراً أن هذه التكاليف تجعل بناء المنازل أكثر صعوبة.

وفي ولاية ماين، ساهمت الحرب التجارية مع كندا في زيادة الاستياء، نظراً إلى الروابط الاقتصادية الوثيقة بين الجانبين، بينما ساعد ارتفاع أسعار الوقود على انتقال مقاعد في مجلس الشيوخ إلى الديمقراطيين في ولايتي أيوا وكانساس. كما لعبت تكاليف السكن المتصاعدة دوراً في تغيير مواقف الناخبين في كارولاينا الشمالية والجنوبية.

الناخب يحاسب النتائج لا المؤشرات
ويخلص التقرير إلى أن أحد أبرز دروس الانتخابات يتمثل في محدودية قدرة الحكومات على إقناع الناخبين بأن أوضاعهم تتحسن عبر الاستناد إلى أرقام النمو أو أداء الأسواق، ما دامت كلفة المعيشة تواصل الضغط على دخلهم. فقد واجه الديمقراطيون المشكلة نفسها في انتخابات 2024، حين ركزت إدارة بايدن على قوة النمو الاقتصادي، بينما كان الناخبون منشغلين بارتفاع الأسعار، وهو ما أسهم في خسارتهم.

ونسبت الصحيفة إلى جوزيف لافورغنا، كبير الاقتصاديين في “إس إم بي سي أميركاس” (SMBC Americas)، الذي عمل في المجلس الاقتصادي الوطني خلال إدارة ترامب الأولى، قوله إن الناخبين كانوا ينتظرون من الرئيس معالجة المشكلة، لكنه لم يفعل. وأضاف أن تراجع الدخل الحقيقي يضع الأسر في حالة قلق تتجاوز مسألة الأسعار وحدها.

وتعكس التحولات في استطلاعات الرأي حجم التراجع الجمهوري، إذ بات الناخبون يفضّلون الديمقراطيين في التعامل مع الاقتصاد بفارق ثلاث نقاط مئوية، بعدما كان الجمهوريون يتقدمون بفارق 12 نقطة. وانقلب تقدم الجمهوريين في ملف التضخم، البالغ عشر نقاط، إلى تقدم ديمقراطي بخمس نقاط، كما تحول تفوقهم في ملف الرسوم الجمركية بسبع نقاط إلى تقدم لمصلحة الديمقراطيين بالمعدل نفسه. وهكذا، لم تكن الانتخابات استفتاءً على أداء سياسي فحسب، بل محاسبة مباشرة على تكلفة الحياة. فحين تتآكل الأجور الحقيقية وترتفع فواتير الوقود والسكن والغذاء، تصبح وعود الازدهار أقل إقناعاً من الأرقام التي يراها المواطن عند صندوق الدفع ومحطة الوقود.

Share This Article