استيلاء المستوطنين على عقارات الديوك التحتا يفتح ملف تسريب الأراضي الفلسطينية

المسار: تتواصل تداعيات استيلاء مستوطنين إسرائيليين على مبانٍ وأراضٍ في منطقة الديوك التحتا غرب مدينة أريحا، وسط تصاعد المخاوف الفلسطينية من محاولات الاستيلاء على العقارات وتغيير واقع الملكية على الأرض، في وقت طالبت فيه الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين السلطة الفلسطينية بكشف ملابسات القضية ومحاسبة المسؤولين عن أي عمليات تسريب، بينما دعت أصوات سياسية وقانونية إلى تحرك عاجل لحماية الأراضي والممتلكات الفلسطينية.

◾سلطة الأراضي تنفي إصدار وثائق بيع رسمية وتؤكد أن إحدى القطع المستهدفة أملاك دولة والأخرى ملكية خاصة منذ ما قبل عام 1967

وأكدت سلطة الأراضي الفلسطينية، في بيان صدر الخميس، أنها لم تصدر أي وثائق أو سجلات أو مخططات رسمية تتعلق بعمليات بيع العقارات التي استولى عليها المستوطنون في المنطقة، مشددة على أن دائرة تسجيل أراضي أريحا لم تُجرِ أي معاملات على القطع المستهدفة.

وأوضحت السلطة أن كشفاً ميدانياً أجرته دائرة أملاك الدولة في الخامس من تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، شمل القطعتين رقم (14) و(24) من الحوض رقم (6) في المنطقة المصنفة (ج)، أكد استيلاء المستوطنين على مبانٍ مقامة عليهما، تحت حماية ودعم قوات الاحتلال الإسرائيلي.

وبيّنت نتائج الكشف أن القطعة رقم (14) تعود إلى أملاك الدولة، فيما تعود القطعة رقم (24) إلى ملكية خاصة مسجلة بأسماء أصحابها التاريخيين منذ ما قبل عام 1967. كما أكدت أن القطعة المصنفة أملاك دولة لم تخضع لأي تخصيص أو تأجير أو تصرف قانوني، وأنها لم تصدر أي وثائق رسمية بشأن القطعتين.

ورفضت سلطة الأراضي الادعاءات المتداولة بشأن وجود بيوعات أولية أو وكالات ومستندات تتيح انتقال ملكية العقارات، مؤكدة أن هذه الادعاءات تخضع للتحقيق لدى الجهات المختصة، وأن الملف أُحيل إلى المؤسسات الأمنية والمدنية الفلسطينية لاتخاذ المقتضى القانوني اللازم.

وشددت على أن الاحتلال لا ينشئ حقاً قانونياً، وأن أي تصرف يتم تحت سلطته وبفعل إجراءاته لا يرتب أثراً قانونياً مشروعاً، مجددة التزامها بحماية أملاك الدولة والملكيات الخاصة وصون حقوق أصحابها.

◾«الديمقراطية» تطالب بكشف ملابسات الاستيلاء وملاحقة تسريب العقارات

وفي أعقاب الحادثة، طالبت الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين السلطة الفلسطينية وأجهزتها المختصة بكشف حقيقة استيلاء المستوطنين على ثمانية منازل في الديوك التحتا، بعدما تحدثت وسائل إعلام عبرية عن امتلاكهم وثائق شراء للعقارات.

وقالت الجبهة إن ما جرى يثير تساؤلات جدية تستوجب متابعة رسمية عاجلة، والتحقق من حقيقة الوثائق والادعاءات المتداولة، وكشف النتائج للرأي العام، وملاحقة أي عمليات تسريب للأراضي والعقارات الفلسطينية إلى سلطات الاحتلال أو المستوطنين.

وأكدت أن جميع الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 تظل أراضي واقعة تحت الاحتلال، ولا يغيّر من وضعها القانوني تصنيفها إلى مناطق (أ) أو (ب) أو (ج)، أو طبيعة ملكيتها، مشيرة إلى ضرورة الالتزام بالتشريعات النافذة، بما فيها القانون الأردني لعام 1953 الذي يحظر بيع الأراضي للغرباء.

◾تحذيرات من اتساع الاستيلاء على الأراضي وغياب التحرك السياسي

من جانبه، حذّر عضو المجلس الوطني الفلسطيني تيسير الزبري مما وصفه بـ«الإفلاس السياسي الكامل» في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية المتصاعدة، معتبراً أن استمرار الصمت الرسمي الفلسطيني والعربي يفاقم المخاطر التي تهدد الأرض والممتلكات الفلسطينية.

وأشار الزبري إلى أن الاستيلاء على منازل في أريحا يأتي في سياق أوسع من مصادرة الأراضي وتجريفها والاعتداء على المزارعين، مستشهداً بما يجري في محافظة الخليل، والتغييرات التي تطال تصنيفات بعض الأراضي والمواقع، إضافة إلى تجريف عشرات الدونمات في سهل عرابة بمرج ابن عامر.

ولفت إلى تصاعد اعتداءات المستوطنين على المزارعين الفلسطينيين خلال موسم الزيتون، بما يشمل الاعتداء الجسدي وسرقة المحاصيل ومنع الوصول إلى الأراضي، في ظل حماية قوات الاحتلال، داعياً القيادة الفلسطينية إلى كسر حالة الصمت والتحرك سياسياً ودبلوماسياً، بما في ذلك الدعوة إلى اجتماع عربي طارئ والتوجه إلى مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة.

واعتبر أن البيانات والتقارير التي توثق الانتهاكات لا تكفي ما لم تتحول إلى خطوات عملية لمواجهة الاستيطان وحماية حقوق الفلسطينيين، محذراً من أن استمرار التراجع في أدوات المواجهة السياسية والشعبية يهدد بتآكل ما تبقى من الأرض والحقوق الوطنية.

◾أبو حبلة: القضية تتجاوز واقعة عقارية إلى اختبار لحماية الملكية الفلسطينية

وفي قراءة قانونية للقضية، اعتبر المحامي والباحث في القانون الدولي علي أبو حبلة أن ما جرى في الديوك التحتا يتجاوز حدود حادثة عقارية إلى قضية وطنية وقانونية تتصل بحماية الملكية الفلسطينية ومواجهة السياسات الإسرائيلية الرامية إلى إحكام السيطرة على الأرض.

وأوضح أن بيان سلطة الأراضي يضع أساساً مهماً للتحقق من الوضع القانوني للعقارات، ولا سيما أن إحدى القطعتين مصنفة أملاك دولة، بينما تعود الأخرى إلى ملكية خاصة مسجلة منذ ما قبل عام 1967، مشدداً على أن حسم أي شبهات تتعلق بالتسريب أو التصرفات العقارية يتطلب مراجعة الوثائق الأصلية وسلاسل انتقال الملكية والوكالات ومصادر التوثيق والتصديق.

وأشار أبو حبلة إلى أن الأوامر العسكرية الإسرائيلية، ومنها الأمر العسكري رقم 291 لعام 1968 الذي علّق أعمال تسوية الأراضي، إلى جانب إجراءات أخرى تتعلق بالوكالات والتوثيق العقاري، أسهمت في تغيير البيئة الإجرائية للتعامل مع الأراضي في الضفة الغربية، وخلقت مخاطر وثغرات تستوجب تدقيقاً قانونياً ومؤسسياً مستمراً.

وأكد أن المرجعية القانونية للأراضي الفلسطينية المحتلة تستند إلى قواعد القانون الدولي الإنساني، وفي مقدمتها لائحة لاهاي لعام 1907 واتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، اللتان تقيدان صلاحيات قوة الاحتلال وتُلزمانها باحترام القوانين النافذة في الأراضي المحتلة، ولا تمنحانها صلاحية تغيير الوضع القانوني للأرض لخدمة مصالحها الاستيطانية.

ودعا إلى إجراء تحقيق مهني وقضائي مستقل، ورقمنة سجلات الأراضي والوكالات، وإنشاء قاعدة بيانات وطنية موحدة ومؤمنة، وتعزيز التعاون القانوني الفلسطيني الأردني، وتحديد المسؤوليات ومحاسبة كل من يثبت تورطه في أي عملية تصرف غير قانونية، مع احترام قرينة البراءة وحقوق الدفاع.

◾ملف يتطلب كشف الحقيقة وحماية الأرض

وتعيد قضية الديوك التحتا تسليط الضوء على التحديات التي تواجه حماية الملكية الفلسطينية في الضفة الغربية، في ظل استمرار الاستيطان ومخاطر الاستيلاء على العقارات والأراضي، سواء عبر إجراءات الاحتلال المباشرة أو من خلال ادعاءات بوجود معاملات ووكالات عقارية تستوجب التدقيق والتحقق.

وبينما تؤكد سلطة الأراضي عدم صدور أي وثائق رسمية أو تسجيل معاملات على العقارات المستهدفة، وتعلن إحالة الملف إلى الجهات المختصة، تتصاعد المطالبات الفلسطينية بكشف حقيقة ما جرى، وتحديد المسؤوليات، وضمان عدم تحول القضية إلى سابقة تتيح الاستيلاء على مزيد من الممتلكات.

وتبقى الأولوية أمام الجهات الفلسطينية المختصة هي إعلان نتائج التحقيق بشفافية، وتوفير الحماية القانونية لأصحاب الملكيات الخاصة، وصون أملاك الدولة، وملاحقة أي مخالفات تثبتها الأدلة، بالتوازي مع التحرك القانوني والدولي لمواجهة الاستيطان والاستيلاء على الأراضي الفلسطينية.

 

المصدر: إذاعة صوت الوطن 

Share This Article