المسار : شهدت مطارات أوروبية خلال الأيام الأخيرة حالة من الاستنفار والارتباك، إثر موجة من الإشعارات والبلاغات المتزامنة عن وجود قنابل وتهديدات أمنية على متن رحلات جوية، ما دفع سلطات عدة دول إلى تغيير مسارات طائرات، وتحويل بعضها إلى قواعد عسكرية، وإخضاع الركاب والحقائب لعمليات تفتيش مشددة، وسط مخاوف من احتمال ارتباط هذه الحوادث بحملة منسقة ضمن أساليب الحرب الهجينة.
وبحسب مسؤولين، تعرضت أكثر من 24 رحلة جوية تقل مئات الركاب للاضطراب خلال الأسبوع الجاري، فيما هبطت جميع الطائرات المستهدفة بسلام، ولم يُعثر على أي متفجرات على متنها، بينما لا تزال الجهات المختصة تحقق في مصادر التهديدات والجهات التي تقف وراءها.
ورغم أن البلاغات اتضح أنها مضللة، فإنها تسببت في حالة من الخوف والارتباك بين المسافرين، وفرضت إجراءات أمنية استثنائية في عدد من المطارات والقواعد الجوية، وأثارت تساؤلات بشأن ما إذا كانت هذه الحوادث تهدف إلى إرباك حركة الطيران وإشاعة الشعور بانعدام الأمن في المجال الجوي الأوروبي.
طائرات مقاتلة وتفتيش بالكلاب البوليسية
ونقلت صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية شهادات ركاب عاشوا هذه التجربة، من بينهم المسافر الإيطالي نيكولا تيمبوني، الذي كان على متن طائرة تابعة لشركة “إير لينغوس” متجهة من دبلن إلى روما، عندما أبلغهم الطيار بوجود مشكلة تستدعي تغيير مسار الرحلة نحو باريس.
وبعد فترة، أعلن الطيار أن الطائرة ستهبط في مطار فرنسي آخر للتزود بالوقود، قبل أن يشاهد تيمبوني طائرة مقاتلة عبر النافذة، في مشهد لم يكن الركاب على علم مسبق بأسبابه.
وبحسب الصحيفة، نزل الركاب على دفعات، ضمت كل منها عشرة أشخاص، وخضعوا مع حقائبهم للتفتيش من قبل عناصر أمنية برفقة كلاب بوليسية مدربة، قبل نقلهم بحافلات إلى موقع آخر داخل القاعدة الجوية وإخضاعهم لفحوص إضافية.
وفي قاعدة جوية فرنسية، جرى تجميع نحو 150 راكبا آخرين بعد تحويل مسار رحلاتهم، فيما قال أحد المسافرين إن الركاب شاهدوا أثناء الهبوط انتشارا لقوات الشرطة ورجال الإطفاء وسيارات الإسعاف على امتداد المدرج، واصفا المشهد بأنه كان مخيفا.
وقدمت هيئة الحماية المدنية الفرنسية الطعام والماء والدعم النفسي لبعض الركاب الذين انتابهم القلق خلال انتظار نقلهم إلى باريس.
وقال تيمبوني إن الرحلة انتهت بسلام، لكنه أشار إلى أن مثل هذه التجارب تترك أثرا نفسيا لا يُمحى.
استنفار في مطارات فرنسا ورومانيا والتشيك
وامتدت حالة الاستنفار إلى رحلات أخرى، إذ اضطرت طائرة تابعة للخطوط الجوية البولندية، كانت متجهة من وارسو إلى باريس، إلى التوقف عند نهاية المدرج قبل الإقلاع، لأسباب أمنية، قبل وصول فرق الإطفاء والشرطة التي أجرت عملية تفتيش واسعة للطائرة باستخدام كلاب بوليسية مدربة.
وبحسب شهادة أحد الركاب للصحيفة، استؤنفت الرحلة بعد نحو ثلاث ساعات من التوقف، لكن حالة الإحباط والقلق سادت بين المسافرين، خصوصا بعد تداول أنباء عن تهديد بوجود قنبلة، تبين لاحقا أنها غير صحيحة.
وفي رومانيا، هبطت طائرة تابعة لشركة “ويز إير” قادمة من ميلانو في مطار بوخارست، وسط انتشار سيارات الإطفاء وعناصر أمن مسلحين وملثمين، فيما كانت المطارات الأوروبية تتلقى تباعا بلاغات عن تهديدات مماثلة.
كما جرى تحويل مسار طائرة تابعة لشركة “إير لينغوس” من دبلن إلى روما نحو قاعدة “إفرو” الجوية العسكرية الفرنسية، الواقعة على بعد نحو 50 ميلا شمال غرب باريس، بعدما أبلغ الطيار الركاب بوجود تهديد بوجود قنبلة.
وقال أحد الركاب، جون ماي، إن الطيار طلب من أفراد طاقم الضيافة الانضمام إليه في قمرة القيادة بعد نحو ساعة من انطلاق الرحلة، قبل أن يخرجوا وهم في حالة اضطراب. وبعد إبلاغ الركاب بالتهديد، حاول الطيار طمأنتهم بالقول إن التهديد “غير جدي”، إلا أن السلطات الفرنسية قررت تغيير مسار الطائرة.
وانتظر الركاب داخل الطائرة في القاعدة العسكرية نحو ساعتين، قبل أن يخضعوا وحقائبهم لتفتيش من فريق متخصص، فيما أعلن المدعي العام في “إفرو” فتح تحقيق في الواقعة.
رسائل تهديد باسم “مقاتلي الدولة الذكورية”
وفي محاولة لتحديد طبيعة هذه البلاغات ومصادرها، ظهرت تفاصيل عن إحدى الرسائل التي وصلت إلى مطارات العاصمة الإيطالية.
وقال مسؤولون في شركة “مطارات روما”، التي تدير مطاري العاصمة التجاريين، إن أحد التهديدات وصل صباح الخميس عبر رسالة بريد إلكتروني مكتوبة باللغة الإيطالية، حملت عنوان “إشعار بوجود تهديد”.
ونقلت “نيويورك تايمز” عن متحدث باسم الشركة أن الرسالة أُرسلت من جهة تطلق على نفسها اسم “مقاتلو الدولة الذكورية”، وادعت أنها تستهدف ما وصفته بـ”النظام النسوي”، مهددة بـ”صبغ السماء باللون الأحمر” عبر تفجيرات.
وفي جمهورية التشيك، أشارت الشرطة عبر منصات التواصل الاجتماعي إلى أن التهديدات تضمنت ادعاء بوجود عبوة ناسفة بدائية الصنع على متن إحدى الطائرات، في وقت لم تقدم فيه سلطات أخرى تفاصيل مماثلة عن طبيعة الرسائل التي تلقتها.
الحرب الهجينة.. إرباك وفوضى دون تفجيرات
ورغم عدم العثور على متفجرات، فإن تزامن البلاغات واتساع نطاقها الجغرافي أثارا مخاوف أمنية في أوروبا، خصوصا في ظل سلسلة حوادث مرتبطة بما تصفه السلطات والتحليلات الأمنية بالحرب الهجينة، التي تتداخل فيها التهديدات السيبرانية والمعلومات المضللة والعمليات غير التقليدية لإحداث اضطراب في المجتمعات والبنى التحتية.
ويرى ريس جونز، المحلل الأمني في شركة “أوسبري” الاستشارية لمخاطر الطيران، أن ما جرى يبدو كحملة منسقة من البلاغات الكاذبة عن وجود قنابل، في حين أشار بيتر نيومان، أستاذ الدراسات الأمنية في “كينغز كوليدج لندن”، إلى أن الحوادث تحمل سمات الهجوم الهجين، الذي يستهدف إحداث اضطراب عام وفوضى وتعزيز الشعور بالتهديد وعدم اليقين.
وبينما لم تتضح بعد الجهة التي تقف وراء هذه البلاغات أو دوافعها النهائية، فإن أثرها تجاوز مسألة التهديدات الأمنية المباشرة، إذ نجحت في تعطيل رحلات جوية، واستنفار أجهزة أمنية وعسكرية، وإخضاع مئات المسافرين لإجراءات استثنائية، لتضع أمن الطيران الأوروبي أمام اختبار جديد، حتى في غياب أي تفجير أو العثور على متفجرات.

