الجرائم المعلوماتية ارتفعت في سوريا.. التحريض الطائفي في المقدمة.. وحسابات مزيفة تُدار من الخارج

المسار الاخباري : كشفت مصادر قضائية في دمشق عن ارتفاع عدد الشكاوى التي تتلقاها النيابة العامة بخصوص جرائم متعلقة بالطائفية والفتنة والتجييش والتحريض عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وسط أنباء عن تحرّك لتعديل قانون الجرائم المعلوماتية النافذ منذ ثلاث سنوات.

المصادر، التي فضّلت عدم الكشف عن هويتها، بيّنت لـ “القدس العربي” أن استقبال الشكاوى المتعلقة بالجرائم المعلوماتية في القضاء لم يتوقف، وما على الشاكي إلا أن يتقدم بمعروض إلى النيابة العامة المختصة، التي بدورها تحيله إلى قسم الشرطة الموجود في المنطقة التي يقطنها الشاكي، ومن ثم يتم تنظيم الضبط من المخفر المُحال إليه الشكوى، ليُحيله بدوره إلى القضاء، الذي يقوم بتوصيف الجرم، ومن ثم إما إحالة الملف إلى محاكم بداية الجزاء المختصة بالجرائم المعلوماتية، أو إحالته إلى محاكم الجنايات بحسب الجرم المرتكب.

المحامي عمار يوسف: 90 بالمئة من الصفحات التي تقوم بعملية الضخ الطائفي والتحريض هي حسابات مزيفة تُدار من خارج البلاد، هدفها زرع الفتنة داخله

ويُعد القانون 20، الذي تم إقراره في عام 2022، والخاص بالجرائم المعلوماتية، من أكثر القوانين إثارة للجدل في سوريا، بعدما ظهرت اتهامات بأن القانون جاء لكمّ الأفواه وتقييد الحريات، لما تضمنه من عقوبات شديدة في ما يتعلق بالجرائم الخاصة بالنيل من هيبة الدولة، والتي وصلت العقوبات فيها إلى 10 سنوات بالسجن، إضافة إلى الغرامات المالية الكبيرة.

ورغم الانتقادات والحملات الإعلامية ضد هذا القانون، إلا أن مجلس الشعب في عهد النظام المخلوع أقرّ القانون، ليصدر بعد ذلك بمرسوم، ضاربًا بعرض الحائط كل الآراء التي انتقدت صدور مثل هذا القانون، لأنه خفّض بشكل كبير سقف حريات انتقاد الحكومة، وبات انتقاد أي مسؤول على الصفحات الشخصية بمثابة جرم يُعاقب عليه القانون.

وتحدثت المصادر القضائية عن صعوبات كبيرة حالياً في توفير الأدلة الخاصة بالجريمة المعلوماتية، وذلك بسبب أن القسم المختص بهذه الجرائم غير مفعل، بحكم أنه يتبع لإدارة الأمن الجنائي التي لم يتم تفعيلها بعد، ومن هذا المنطلق فإن الشكاوى يتم تحويلها إلى أقسام الشرطة التي لا توجد فيها أجهزة فنية للكشف عن الجرائم المعلوماتية، وتحديدًا الخطيرة والمعقدة منها، التي تحتاج إلى أجهزة خاصة.

وبيّنت المصادر أن بعض الشكاوى لا يتم متابعتها فوراً، وإنما ينتظر الشاكي حتى يأتي دوره، والأمر يمكن أن يمتد لفترة لا بأس بها، باعتبار أنه يتم متابعة الشكاوى الأكثر خطورة نتيجة الضغط الكبير على مخافر الشرطة.

وتحدثت المصادر عن وجود محاكم مختصة بالجرائم المعلوماتية، موزعة ما بين محاكم بداية الجزاء التي تختص بالجرائم الخفيفة وتكون “جنحوية الوصف”، وما بين محاكم الجنايات المختصة بالجرائم الخطيرة.

ولفتت المصادر إلى وجود حديث حالياً عن تعديل قانون الجرائم المعلوماتية بما يتوافق مع الإعلان الدستوري الذي كفل حق حرية التعبير عن الرأي، باعتبار أن القانون المعمول به في عهد النظام المخلوع كَبّل كثيرًا من الحريات، مشيرة إلى أنه لا توجد رؤية واضحة لهذا الموضوع حتى الآن، باعتبار أنه لم يتم تشكيل لجنة خاصة بتعديله بعد.

التخريب والفوضى

واليوم الثلاثاء، ذكر المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية، نور الدين البابا، عبر تصريح له نُشر على صفحته على “فيسبوك”، بعض أسباب تأخر انطلاق عمل إدارة المباحث الجنائية، وقال إن منها “التخريب المتعمد من فلول النظام البائد وقت سقوطه، كنوع من إغراق المركب، وإدخال البلاد في فوضى مقصودة”، إضافة إلى “تعرض المبنى (المباحث الجنائية) لمزيد من العبث والتدمير على يد بعض المخربين وضعاف النفوس، في لحظات التحرير الأولى”.

وأشار البابا إلى أن “إعادة الترميم والصيانة تستلزم وقتًا وموارد، ولا تكون بيوم وليلة”، وأن هناك مشكلات فنية وحاسوبية تتعلق بقواعد البيانات وإعادة برمجتها ووصلها مع باقي المحافظات، إضافة إلى “مشكلات لوجستية تتعلق بكابلات نقل البيانات الضوئية، ولوازم الشبكات”.

وبيّن البابا أن من بين أسباب تأخر إطلاق المباحث الجنائية استمرار “معالجة المدخلات الجنائية، ودمجها ما بين المناطق المختلفة في نظام واحد، من إذاعات بحث، وكف البحث، ومذكرات قضائية، وخلاصة أحكام، للحصول على قاعدة بيانات موحدة على مستوى الجمهورية”، مشيرًا إلى “وجود محافظات لمّا تستقر فيها بعد إدارات الدولة السورية، ويتفعّل عملها بشكل كامل نتيجة بعض الظروف، ما أخّر تفعيل خدمة “غير المحكوم” فيها، وأثّر سلبًا على راحة المواطنين وجهدهم وزاد التكلفة عليهم للحصول عليها من مناطق ثانية، ما سبّب ضغطًا على المراكز في المحافظات المُفعّلة فيها الخدمة”.

وخلص البابا إلى القول إنه “وخلال مدة قريبة سيتم تلافي هذه المشاكل تباعًا”.

القانون في عهد النظام البائد خفّض بشكل كبير سقف حريات انتقاد الحكومة، وبات انتقاد أي مسؤول على الصفحات الشخصية بمثابة جرم

دعاوى التحريض الطائفي

المحامي البارز عارف الشعال، وفي تصريح لـ “القدس العربي”، شدد على ضرورة أن تحرك النيابة العامة الدعاوى بحق الذين يقومون بالتحريض والتجييش الطائفي على صفحات فيسبوك، بعد ازدياد هذه الجرائم، ولما تشكله من خطر كبير على المجتمع، حتى ولو كان المحرّضون يديرون مثل هذه الصفحات من خارج البلاد.

بدوره، أكد زميله فواز خوجة، في تصريح لـ”القدس العربي”، أنه لا يوجد تفعيل حقيقي حتى الآن لمسألة الشكاوى المتعلقة بالجرائم المعلوماتية كما كان سابقًا، موضحًا أن المواطن يقدّم شكوى إلى النيابة العامة، ومن ثم ينتظر دوره لتحريك الادعاء، وهذا يأخذ وقتًا لا يصب في مصلحة التقاضي بين الأطراف، مشددًا على ضرورة الإسراع بتفعيل قسم مكافحة الجرائم المعلوماتية.

وبيّن المحامي عمار يوسف، أنه على الرغم من استقبال الشكاوى في هذه الجرائم، إلا أنه لا يتم متابعتها بالشكل الصحيح، وأحيانًا هناك شكاوى يتم توقيفها بانتظار تفعيل قسم مكافحة الجرائم المعلوماتية، باعتبار أنها تحتاج إلى تقنيات فنية غير متوفرة إلا بهذا القسم.

وفي تصريح لـ”القدس العربي”، رأى يوسف أن هناك ارتفاعًا في الجرائم المتعلقة بالضخ الطائفي، وهناك من يستغل فرصة عدم وجود محاسبة حقيقية، وينشر على صفحته عبارات طائفية خطيرة تسيء إلى المجتمع، معتبرًا أن 90 بالمئة من الصفحات التي تقوم بعملية الضخ الطائفي والتحريض غير المنسوب لأدلة واضحة، هي عبارة عن حسابات مزيفة تُدار من خارج البلاد، هدفها زراعة الفتنة داخله.

Share This Article