المسار : تحولت شوارع مدينة السويداء صباح اليوم الاثنين، إلى ساحة حرب مفتوحة بعد اقتحام مشترك نفذته قوات من وزارتي الدفاع والداخلية السوريتين، مدعومة بمسلحين من ريف درعا ومجموعات من عشائر البدو، تحت ذريعة “فض الاشتباكات”. العملية التي بدأت بغطاء أمني تحولت سريعاً إلى موجة انتهاكات طاولت المدنيين، وسط غياب أي حماية قانونية أو إنسانية.
إعدامات ميدانية ومجزرة في مضافة آل رضوان
في حي الباشا شمال المدينة، أُعدِم ثلاثة شبان من عائلة قرضاب ميدانياً أمام والدتهم، وفق إفادات شهود عيان لـ”العربي الجديد”. يقول أحدهم: “سمعت صراخ الأم، ثم رشقات نارية، وحين خرجت رأيت الجثث مرمية على الأرض، والبندقية لا تزال موجهة نحو رؤوسهم”. أحد الضحايا كان مغترباً عاد منذ أسبوع لزيارة عائلته.
وفي مضافة آل رضوان، المعروفة كمركز اجتماعي شارك في تنظيم مظاهرات سابقة ضد النظام المخلوع، وقعت مجزرة دامية راح ضحيتها تسعة مدنيين، بينهم كبار في السن، بعدما اقتحمها المسلحون وفصلوا الرجال عن النساء، ثم أفرغوا مخازن أسلحتهم في أجساد الموجودين. لم يتمكن أحد من استدعاء الإسعاف بعد منع الاتصالات، وفق ما أكده أحد الشهود من بناء مقابل. ولم تُعرف بعد هوية المجموعة المنفذة للهجوم، في ظل تضارب الأنباء حول الجهة المسؤولة عن المجزرة. وأكّد مراسل “العربي الجديد” في المنطقة وقوع المجزرة بحق عائلة آل رضوان، وسط تداول مقاطع مصوّرة على منصات التواصل حول وقوع مجازر أخرى وإعدامات ميدانية وحرق بيوت وتعفيش في المحافظة.
رصاصة في الرأس تنهي حياة طبيبة
سقطت الدكتورة فاتن هلال، اختصاصية الجلدية المعروفة في المدينة، برصاصة في الرأس عند دوار العنقود شمال السويداء. ووفق روايات محلية، فإن حاجزاً للعشائر كان يرفع علم “الحدود الخمسة” الخاص بالدروز أطلق النار عليها ظناً أنها من خارج المنطقة، بينما كانت تحاول الوصول إلى المشفى الوطني للمساهمة في علاج الجرحى. زوجها الصحافي مطيع السمان نعاها عبر مواقع التواصل، قائلاً إن “فاتن لم تكن تحمل إلا إنسانيتها وسماعتها الطبية”.
نهب وحرق واسع
في قرية المجيمر، تحدث أبو علي لـ”العربي الجديد” عن اقتحام منزله: “دخلوا من الباب الخلفي وهم يصرخون (الله أكبر)، لم يتركوا شيئاً، حتى الوسائد والتحف العائلية حملوها”. في الشارع المحوري، أُضرمت النيران في عدد من المحال التجارية بعد نهبها، فيما أظهرت مقاطع فيديو نشرها المسلحون أنفسهم عمليات السرقة والحرق. وفي أحد الأحياء الغربية، عُثر على جثث الشيخ أبو حمزة وأبنائه الثلاثة داخل منزلهم المحترق. يقول جارهم خالد: “سمعنا صراخهم منذ الصباح، ولم نتمكن من مساعدتهم. القناصة فوق الأسطح كانت تطلق النار على كل من يتحرك”.
تجدد الاشتباكات ومحاصرة الأمن في المستشفى الوطني
بعد إعلان وزارة الدفاع وقف إطلاق النار وانسحاب القوات من المدينة، تجددت الاشتباكات في ساعات عصر اليوم الثلاثاء، إثر هجوم شنّته مجموعات مسلحة تابعة لـ”المجلس العسكري في السويداء”، المقرّب من الشيخ حكمت الهجري، على نقاط لقوات الأمن داخل المشفى الوطني. الهجوم أسفر عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف قوات الأمن، وسط أنباء عن محاصرة مجموعات من عناصر الأمن داخل مبنى المستشفى، دون توفر معلومات مؤكدة حول أعدادهم أو مصيرهم حتى اللحظة.
ويأتي هذا الهجوم في سياق ما اعتبره مراقبون “رداً مباشراً على الانتهاكات التي ارتكبتها قوات النظام والمجموعات الموالية لها”، في مؤشر على تصاعد جديد للتوتر قد يدفع المدينة إلى جولة أعنف من المواجهات.
قتلى في أحياء متفرقة
في الحارة الغربية، سقط كل من كميل الداهوك واثنين من أبنائه، وأكرم الأعوج واثنين من أولاده، خلال مواجهات عنيفة. كما طاولت عمليات النهب والحرق منازل ومحالّ في أحياء عديدة، وسط حالة من الذعر والخوف بين السكان، خاصة مع انقطاع الكهرباء وتوقف خدمات الطوارئ.
رغم إعلان وقف العمليات العسكرية، فإن أصداء الرصاص لا تزال تدوي في أذهان أهالي المدينة، والأسئلة تتراكم فوق ركام البيوت المحترقة: كم من الجثث لا تزال تحت الأنقاض؟ أين ذهبت ممتلكات المواطنين؟ ومتى تنتهي الدائرة الجهنمية التي تحوّل المدنيين إلى وقود للصراعات؟ دماء السويداء اليوم ليست سوى فصل جديد في سجل الانتهاكات السورية الذي لم يُطوَ منذ أكثر من 14 عاماً.
الرئاسة تتوعّد “المتجاوزين”
بدورها، أصدرت رئاسة الجمهورية بياناً أكّدت فيه محاسبة “كل من يُثبت تجاوزه أو إساءته”، جاء فيه التالي: “انطلاقاً من حرص الدولة على صون الحقوق، وحقن الدماء، وسيادة القانون وضمان انتظام مؤسساتها، تؤكد رئاسة الجمهورية العربية السورية على ضرورة التزام كافة الجهات العامة والخاصة المدنية والعسكرية بمنع أي شكل من أشكال التجاوز أو الانتهاك تحت أي مبرر كان. وتُكلّف الجهات الرقابية والتنفيذية المختصة باتخاذ الإجراءات القانونية الفورية بحق كل من يُثبت تجاوزه أو إساءته مهما كانت رتبته أو موقعه”.