المسار : في تطور جديد يعكس مدى استفحال الأزمة بين الجزائر وباريس، كشفت السفارة الفرنسية في الجزائر، عن “انخفاض محسوس” في عدد أعوانها القنصليين العاملين بالجزائر، ما سينجر عنه حسبها تقليص معتبر في عدد مواعيد التأشيرة.
وأوضحت السفارة التي يديرها قائم بالأعمال في ظل غياب السفير، أن تدهور العلاقات سيؤدي ابتداءً من 1 أيلول/سبتمبر المقبل إلى انخفاض محسوس في عدد الأعوان بنسبة الثلث، على مستوى السفارة بالجزائر العاصمة وكذا القنصليات الثلاث في كل من الجزائر العاصمة ووهران وعنابة.
وأبرزت أن هذا التاريخ يمثل عادة موعد التحاق الأعوان الجدد بمختلف المصالح لاستخلاف الموظفين الذين غادروا نحو مهام أخرى، غير أن وزارة الشؤون الخارجية الجزائرية لم تمنح هذه السنة، حسبها، تأشيرات الاعتماد الضرورية لهؤلاء الأعوان الجدد.
وأشار البيان إلى أن هذا التقليص في الطاقم القنصلي سيؤثر بشكل مباشر على قدرات معالجة ملفات طلبات التأشيرة الخاصة بالسفر إلى فرنسا، لافتًا إلى أنه كلما طال أمد هذا الوضع، فإن المصالح القنصلية ستكون مضطرة لتقليص عدد المواعيد الممنوحة عبر المتعامل “كاباغو” المكلف باستقبال ملفات التأشيرة، وذلك بغرض احترام آجال معقولة لدراسة الملفات وإصدار التأشيرات.
وبالنظر لهذه المعطيات، أعلنت القنصليات الفرنسية في الجزائر العاصمة ووهران وعنابة عن إعادة تنظيم عملها بما يسمح بإعطاء الأولوية للخدمات الموجهة للجالية الفرنسية المقيمة بالجزائر، إلى جانب معالجة طلبات تجديد التأشيرات، وكذا طلبات تأشيرات الدراسة في الجزائر العاصمة.
وفي الواقع، كانت الجزائر نفسها قد اشتكت شهر أيار/ماي الماضي من تعطيل إجراءات اعتماد قنصلين عامين جزائريين عُيّنا بباريس ومرسيليا، فضلًا عن سبعة قناصل آخرين لا يزالون في انتظار استكمال إجراءات اعتمادهم منذ أكثر من خمسة أشهر، وفق ما نقلت وكالة الأنباء الجزائرية.
كما يشتكي آلاف الجزائريين وفق ما ينقله الإعلام الفرنسي من تعطيل في إجراءات تجديد بطاقات الإقامة، وهو ما يُعتقد أنه نتيجة مباشرة لإجراءات وزير الداخلية برونو روتايو الذي ينتهج ما يعرف بسياسة “القبضة الحديدية” اتجاه الجزائر.
يشتكي آلاف الجزائريين من تعطيل في إجراءات تجديد بطاقات الإقامة، وهو ما يُعتقد أنه نتيجة مباشرة لإجراءات وزير الداخلية برونو روتايو الذي ينتهج ما يعرف بسياسة “القبضة الحديدية” اتجاه الجزائر
وينتظر أن ينعكس القرار الفرنسي بشكل مباشر على عدد التأشيرات الممنوحة للجزائريين، وهو ما بدأ فعليا هذه السنة، حيث كانت صحف فرنسية قد ذكرت أن عدد التأشيرات قد شهد تراجعاً ملحوظاً خلال شهر يناير 2025 مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي. وأفادت جريدة “لو بوان” أن هذا الانخفاض بلغ نحو 28 بالمائة، معتبرة أنه من بين أكثر التراجعات حدة خلال السنوات الأخيرة. وفي السياق نفسه، أوردت صحيفة “لو جورنال دو ديمانش” أن القرار يندرج في إطار ما وصفته بتوتر متصاعد بين باريس والجزائر بشأن ملفات الهجرة والتعاون في إعادة المرحّلين. من جانبه، صرح وزير الداخلية الفرنسي برونو ريتايو قبل أشهر، لإذاعة “أر تي أل” أن منح التأشيرات للجزائريين تراجع بما يقارب الربع، مؤكداً أن هذا التوجه يعكس سياسة مشددة تتبناها السلطات الفرنسية في الوقت الراهن.
وتأتي هذه التطورات في سياق مواجهة دبلوماسية بين البلدين، كان وقودها بالدرجة الأولى موظفو القنصليات.
ففي أيار/ماي الماضي، طلبت السلطات الجزائرية من القائم بالأعمال بسفارة الجمهورية الفرنسية لدى الجزائر، ترحيلا فوريا لجميع الموظفين الفرنسيين الذين تم تعيينهم في ظروف مخالفة للإجراءات المعمول بها.
ونقلت وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية حينها عن مصادر، وصفتها بالمطلعة، أن القائم بالأعمال بسفارة فرنسا بالجزائر قد تم استدعاؤه على خلفية تسجيل تجاوزات جسيمة ومتكررة من قبل الجانب الفرنسي، تمثلت في إخلال صريح بالإجراءات المتعارف عليها في مجال تعيين الموظفين ضمن التمثيليات الدبلوماسية والقنصلية الفرنسية المعتمدة لدى الجزائر.
وقد رصدت المصالح المختصة، خلال الفترة الأخيرة، حسب الوكالة الرسمية، “تعيين ما لا يقل عن خمسة عشر موظفًا فرنسيًا لمباشرة مهام دبلوماسية أو قنصلية فوق التراب الجزائري، دون استيفاء الإجراءات الواجبة، المتمثلة في الإبلاغ الرسمي المسبق أو طلب الاعتماد، كما تقتضيه الأعراف والاتفاقيات الدولية ذات الصلة”. ولم تقتصر المخالفات على ذلك، تقول الوكالة “إذ إن هؤلاء الموظفين، الذين كانوا في السابق يحملون جوازات سفر لمهام محددة، قد أُسندت إليهم جوازات سفر دبلوماسية لتسهيل دخولهم إلى الجزائر”.
وكانت الجزائر، في منتصف أبريل/نيسان الماضي، قد أصدرت قرارًا بإلزام 12 موظفًا في السفارة الفرنسية، يقعون تحت سلطة وزير الداخلية برونو روتايو، بمغادرة أراضيها في غضون 48 ساعة، ردًا على قرار القضاء الفرنسي حبس موظف قنصلي جزائري متهم بمحاولة اختطاف الناشط أمير ديزاد، وهي المزاعم التي تنفيها الجزائر بالكلية.
وذكرت الصحافة الفرنسية أن الموظفين الاثني عشر، الذين قررت الجزائر طردهم، متخصصون في مكافحة الإرهاب ومعالجة ملفات الشرطة الجنائية، وقضايا تزوير المستندات، بالإضافة إلى قضايا الهجرة. وفي رد فعل مباشر على ذلك، أعلنت الرئاسة الفرنسية عن استدعاء السفير الفرنسي في الجزائر للتشاور، في خطوة غير مسبوقة منذ استقلال الجزائر سنة 1962، فضلاً عن اتخاذ قرار بطرد 12 من موظفي الشبكة القنصلية والدبلوماسية الجزائرية في فرنسا.