المسار : أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية، الجمعة، منع الرئيس محمود عباس وعدد من كبار المسؤولين الفلسطينيين من حضور أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة المزمع عقدها في نيويورك أواخر سبتمبر/أيلول 2025، في خطوة استثنائية تستحضر ذكرى منع الرئيس الراحل ياسر عرفات عام 1988.
ويُعد هذا القرار تطورًا خطيرًا على الصعيد الدبلوماسي، خاصة أن الجمعية العامة للأمم المتحدة تُشكّل المنبر الأوسع الذي يتيح للفلسطينيين عرض قضيتهم أمام المجتمع الدولي. كما أن الخطوة الأمريكية تمثل سابقة في منع رئيس دولة عضو مراقب في الأمم المتحدة من دخول أراضيها لحضور اجتماعات المنظمة الدولية، وهو ما يضع واشنطن في مواجهة اتهامات بخرق التزاماتها كدولة مضيفة لمقر الأمم المتحدة.
خلفية تاريخية
ليست هذه المرة الأولى التي تتخذ فيها الولايات المتحدة قرارًا مماثلًا؛ ففي عام 1988 رفضت إدارة الرئيس الأمريكي رونالد ريغان منح الرئيس الراحل ياسر عرفات تأشيرة دخول إلى نيويورك بذريعة “أمنية”، لكن المراقبين أكدوا أن المنع جاء لأسباب سياسية وانتقامية بعد إعلان الدولة الفلسطينية وتصاعد الانتفاضة الأولى. وردًا على ذلك، اضطرت الجمعية العامة لنقل جلستها الخاصة بالقضية الفلسطينية إلى جنيف، حيث ألقى عرفات أحد أشهر خطاباته، مؤكدًا حق الفلسطينيين في الحرية والاستقلال، ومختتمًا بالعبارة الشهيرة: “إن الحرب تندلع من فلسطين والسلام أيضًا”.
أبعاد القرار الحالي
على الصعيد الفلسطيني: كان من المقرر أن يلقي الرئيس عباس خطابًا يتضمن إعلانًا دستوريًا جديدًا يؤسس لمرحلة سياسية مختلفة، وربما يفتح الباب أمام إعادة صياغة العلاقة مع الاحتلال الإسرائيلي، ويعزز التحركات القانونية والسياسية في المحافل الدولية.
على الصعيد الدولي: يأتي القرار الأمريكي في وقت تتزايد فيه الدعوات الأوروبية والدولية للاعتراف بدولة فلسطين، ما يطرح تساؤلات حول مدى تأثير الضغوط الأمريكية على هذه التوجهات.
على صعيد الأمم المتحدة: يضع القرار المنظمة الدولية أمام اختبار جديد؛ فهل ستكرر تجربة 1988 وتنقل اجتماعاتها الخاصة بالقضية الفلسطينية إلى دولة أخرى لضمان حق الفلسطينيين في إيصال صوتهم، أم ستخضع لضغوط واشنطن؟
من المرجح أن يثير القرار موجة انتقادات دولية واسعة، خاصة من الدول العربية والإسلامية وحركات التضامن العالمية، حيث سيُنظر إليه باعتباره انتهاكًا صريحًا لميثاق الأمم المتحدة الذي ينص على ضمان مشاركة جميع أعضائها في أعمالها. كما قد يُسرّع من تحركات بعض الدول الأوروبية التي تفكر بالاعتراف الرسمي بدولة فلسطين كخطوة مضادة للقرار الأمريكي.
المنع الأمريكي للرئيس ووفده من المشاركة في الجمعية العامة يمثل محطة فارقة في مسار الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، ويعيد إلى الأذهان المشهد التاريخي لياسر عرفات عام 1988، لكنه هذه المرة يطال رئيس دولة كاملة ووفدًا رسميًا، ما يجعل التداعيات أكثر عمقًا وخطورة على مكانة الولايات المتحدة الدولية، وعلى مستقبل القضية الفلسطينية في أروقة الأمم المتحدة.