20 منظمة دولية تطالب فرنسا بالاعتراف بجرائم تجاربها النووية في الجزائر وكشف خرائطها

المسار : في اليوم العالمي لمناهضة التجارب النووية 29 أغسطس/ آب، أصدرت عشرون منظمة تمثل المجتمعات المتضررة، والشعوب الأصلية، والمدافعين عن حظر الأسلحة النووية، وحماية البيئة، وحقوق الإنسان، وتعزيز السلام، بدعوة من منظمة شعاع لحقوق الإنسان بيانًا مشتركًا حول التجارب النووية الفرنسية في الجزائر، جددت فيه مطالبتها لفرنسا بتحمل مسؤوليتها التاريخية والقانونية، والاعتراف الكامل بجرائمها النووية، وتعويض الضحايا، والكشف عن الوثائق والخرائط المتعلقة بمواقع دفن النفايات المشعة، مع اتخاذ خطوات عملية لمعالجة التلوث.

وأكد البيان أن التوتر الدبلوماسي القائم بين الجزائر وفرنسا لا يجب أن يكون ذريعة لتجاهل الملف أو لتبرير التقاعس في معالجته، بل يستوجب إعلاء المصلحة الإنسانية فوق أي خلاف سياسي ظرفي. كما شدّد على مسؤولية الحكومة الجزائرية في حماية السكان، وتفعيل الشفافية، والانخراط الفاعل في المعاهدات الدولية المناهضة للأسلحة النووية.

وقالت المنظمات الموقّعة أدناه، في بيان تلقت “القدس العربي” نسخة منه، إنها في اليوم العالمي لمناهضة التجارب النووية في 29 أغسطس 2025، تستحضر بقلق بالغ مرور أكثر من ستة عقود على بدء سلسلة التجارب النووية التي أجرتها فرنسا في الصحراء الجزائرية بين عامي 1960 و1966، والتي شملت 17 تجربة نووية، إضافة إلى 40 تجربة تكميلية دون الحرجة، خلّفت إرثًا ثقيلًا من التلوث الإشعاعي واسع النطاق، وما ترتب عليه من أضرار صحية، وبيئية، واجتماعية لا تزال آثارها قائمة حتى اليوم.

وأكدت المنظمات أن هذه التجارب تركت بصمتها المأساوية على حياة الآلاف من السكان، حيث سجلت المناطق المتضررة ارتفاعًا مقلقًا في معدلات الإصابة بالسرطان، والأمراض التنفسية المزمنة، والتشوهات الخَلقية، إلى جانب التدهور المستمر للموارد الطبيعية، وتعطيل سبل العيش، وإضعاف النسيج الاجتماعي والاقتصادي للمجتمعات المحلية. كما خلفت آثارًا نفسية عميقة، في ظل غياب الرعاية الطبية الكافية وغياب الشفافية بشأن المخاطر الحقيقية.

وأضافت أنه “رغم ما يقارب السنة على المراسلات التي وجهها المقررون الأمميون الخاصون إلى الحكومتين الجزائرية والفرنسية بتاريخ 13 سبتمبر 2024، فإننا نأسف لعدم تلقي أي رد حتى الآن، ما يعكس استمرار التجاهل الرسمي لمأساة إنسانية وبيئية طال أمدها”.

وزادت “إننا نؤكد أن مرور أكثر من ستة عقود على هذه الكارثة لا يعني سقوطها بالتقادم أو طيّ صفحتها، وأن التوتر الدبلوماسي القائم بين الجزائر وفرنسا لا يجب أن يكون ذريعة لتجاهل هذا الملف أو لتبرير التقاعس في معالجته. بل على العكس، فإن حساسية العلاقات بين البلدين تستدعي إعلاء المصلحة الإنسانية المشتركة فوق أي خلاف سياسي أو ظرفي، والتعامل مع هذه القضية باعتبارها ملفًا إنسانيًا وحقوقيًا وبيئيًا بامتياز، لا يحتمل المساومة أو التأجيل. إن معالجة إرث هذه التجارب النووية هي مسؤولية تاريخية وأخلاقية وقانونية مشتركة، ولا يمكن تحقيق العدالة فيها إلا بخطوات عملية وجادة من كلا الطرفين، بروح التعاون والشفافية، بعيدًا عن حسابات التوتر السياسي”.

وقد طالبت المنظمات الحكومتين الجزائرية والفرنسية بفتح نقاشات جدّية بين الحكومتين، بما يجعل ملف التجارب النووية أولوية قصوى، والتعامل معه بجدية ومسؤولية نظرًا لما خلّفته تلك التجارب من أضرار بيئية وصحية وإنسانية لا تزال آثارها قائمة حتى اليوم، وإنشاء لجنة متابعة مشتركة لتداعيات التجارب النووية وغيرها على الصحة والبيئة، تضم ممثلين عن حكومتي البلدين، والبرلمانيين، وجمعيات الضحايا، تتولّى متابعة هذا الملف وضمان الشفافية، بما يكفل التزامًا فعليًا من الطرفين.

والتأكيد على أن هذا الملف لا ينبغي أن يُطوى بالنسيان أو يُستغل كورقة ضغط في ظل التوترات الدبلوماسية الراهنة، بل أن يبقى أولوية إنسانية وبيئية تستدعي تعاونًا جادًا ومسؤولًا بين الطرفين، بعيدًا عن الحسابات السياسية الضيّقة، وبما يضمن إنصاف الضحايا وحماية حقوق الأجيال القادمة.

كما طالبت الحكومة الفرنسية بالاعتراف الرسمي والكامل بالجرائم النووية التي ارتُكبت في الجزائر، وتحمل المسؤولية القانونية والأخلاقية عنها، مع تقديم التعويضات العادلة والشاملة للضحايا وضمان حصولهم على الرعاية الصحية المناسبة.

والكشف الكامل والفوري عن جميع الوثائق والخرائط المتعلقة بالتجارب النووية، بما في ذلك مواقع دفن النفايات المشعة، وتسليم نسخة كاملة من الأرشيف النووي للجزائر، مع وقف التذرع بمبررات “الأمن القومي” وضمان وصول الجزائر إلى المعلومات الدقيقة حول المناطق الملوثة.

واتخاذ فرنسا إجراءات عملية لمعالجة الأضرار الناجمة عن التجارب النووية، بما في ذلك تنظيف المناطق الملوثة، والتوقيع والتصديق على معاهدة حظر الأسلحة النووية (TPNW) كخطوة تعكس حسن النية وتضمن إحقاق الحقيقة والعدالة للسكان المتضررين.

كما دعت الحكومة الجزائرية إلى اتخاذ إجراءات فورية لحماية الصحة العامة في المناطق المتضررة، عبر وضع وتنفيذ خطة وطنية شاملة لمعالجة الآثار البيئية والصحية الناجمة عن التجارب النووية الفرنسية، مع ضمان مشاركة المجتمع المدني والمنظمات المتخصصة، وتوفير المعلومات الدقيقة للسكان عن المخاطر المستمرة.

وضمان الشفافية والمتابعة الجادة والمستمرة لهذا الملف من خلال وضع آليات واضحة وجدول زمني محدد، ونشر تقرير سنوي مفصل حول أنشطة الوكالة الوطنية لإعادة تأهيل المواقع السابقة للتجارب والانفجارات النووية في الجنوب الجزائري.

والمضي في التصديق على معاهدة حظر الأسلحة النووية (TPNW)، وتوظيف الوسائل القانونية والدبلوماسية لضمان حقوق الضحايا وتيسير وصولهم إلى الوثائق والأرشيف المتعلق بالتجارب النووية، مع اتخاذ التدابير اللازمة لمنع وقوع ضحايا جدد.

وأكدت المنظمات في الأخير التزامها الراسخ بمواصلة النضال من أجل إنصاف الضحايا، وضمان إزالة آثار هذه الكارثة، والعمل المشترك على حماية الأجيال القادمة من أي مخاطر مشابهة. إن إحياء هذه الذكرى في كل عام لا يهدف فقط إلى استحضار المأساة، بل إلى تجديد المطالبة بالاعتراف بالضرر، وضمان العدالة، والعمل الجاد على إزالة آثار هذه الجريمة البيئية والإنسانية، حتى لا تتكرر مثل هذه الكوارث في أي مكان من العالم.

Share This Article