قدّوميم” بلا جدار.. رأس حربة الاستيطان الديني في شمال الضفة

المسار : على وقع الجرافات والتوسع المحموم، تواصل مستوطنة “قَدوُميم” ابتلاع آلاف الدونمات من أراضي ثلاث محافظات فلسطينية (قلقيلية، نابلس، وطولكرم) لتصنع واقعًا استيطانيًا متجذرًا في قلب الضفة الغربية، يخدم مشروعًا أكبر يسعى لجعلها عاصمة دينية وأمنية بديلة لمستوطنة “أريئيل” ضمن ما يُعرف بـ”السامرة”.

منذ أن وضعت جماعة “غوش إيمونيم” المتطرفة أول نواة استيطانية عام 1975 على أنقاض معسكر أردني شرق قلقيلية، لم تتوقف “قدوميم” عن التمدد، حتى باتت تضم اليوم نحو 15 حيًا استيطانيًا، مغروسة في خاصرة قرى كفر قدوم، جيت، إماتين، قوصين، وسواها، تلتهم التلال والسهول وأشجار الزيتون ومصادر المياه، وتحول الحياة الفلسطينية إلى جزر معزولة داخل بحر من الاستيطان.

واجهة جميلة.. خلفها مشروع نهب

عند بوابتها، يستقبل الزائر ساحة خيول وحديقة ورد وطرقات معبّدة، لكن خلف هذا المشهد “المدني”، تُخفي المستوطنة واحدة من أكثر ملفات النهب الاستيطاني تعقيدًا وخطورة في شمال الضفة.

يقول رئيس مجلس كفر قدوم موفّق عبيد ، إنّه “منذ العام 1975 ونحن نخسر أرضنا قطعة قطعة، واليوم لم يتبقَ لنا سوى الجهة الغربية، أما الشمال والجنوب والشرق فابتلعتها قدوميم بالكامل”.

ويتابع عبيد: “في تموز/ يوليو الماضي، بنوا بؤرة استيطانية جديدة سموها “نوفيه جدعون”، ثم جاءت المنطقة الصناعية “بارون أون كدوميم”، وتمتد على 1,200 دونم من أراضي كفر قدوم وقوصين، ومصادق عليها رسميًا”.

بحسبه، فإن سكان البلدة البالغ عددهم 5,000 نسمة، يعيشون يوميًا تحت وطأة انتهاكات المستوطنين الذين لا يتركون وسيلة ضغط إلا ويستخدمونها: قطع الأشجار، تخريب الطرق، ردم الآبار، تكسير أنابيب المياه، سرقة الممتلكات، والاعتداء على المزارعين.

من الميدان إلى المخطط..

ويُحمّل عبيد الاحتلال المسؤولية الكاملة عن هذا التمدد المنظم، الذي لم يكن ليحدث دون مخططات هندسية، وموافقات سياسية، وتغطيات أمنية.

وفي هذا السياق، يُوضح الخبير في شؤون الاستيطان محمد أبو الشيخ، أن ما يجري حول “قدوميم” يدخل ضمن مخطط استراتيجي طويل الأمد، هدفه تحويل المستوطنة إلى محور جغرافي – أمني – اقتصادي يحاصر بلدات شمال الضفة.

يقول أبو الشيخ للاعلام ، “قد تمّت المصادقة على مخطط المنطقة الصناعية رسميًا الخميس الماضي، في موقع حيوي واستراتيجي، يشرف على عدة قرى من ثلاث محافظات مختلفة”.

ويتابع: “أعمال التجريف وشق الطرق هدفها تهيئة البيئة المناسبة لتوسع مستوطنة قدوميم، وخنق قرى شرقي قلقيلية، وجنوب وغرب نابلس، وشمال طولكرم”.

لكن المفارقة الأخطر، أن “قدوميم” رفضت عام 2002 إقامة الجدار العازل حولها، ضمن ما يُعرف بـ”نظام الأصابع الاستيطانية”، لأن الجدار كان سيقيّد توسعها ويفصلها عن الأراضي التي تطمع في ابتلاعها، وفق أبو الشيخ.

ويضيف: “رفضت الجدار لأنها تطمح لأن تكون عاصمة الاستيطان في شمال الضفة، وتزاحم مستوطنة أريئيل على الزعامة في مشروع تهويد ‘السامرة'”.

ويختم أبو الشيخ بالإشارة إلى أن “قدوميم” تحوّلت إلى خزان مائي استيطاني، بعدما حفرت شركة “ميكوروت” بئرًا باسم “قدوميم 2” بقدرة إنتاج تصل إلى 750 كوبًا يوميًا، بينما تُحرم محافظة قلقيلية من حصتها المائية الكاملة البالغة 20 مليون م³، المنصوص عليها في اتفاق أوسلو.

من مستوطنة إلى معقل تطرف

ومن الميدان والمخططات، ينتقل الحديث إلى الطابع الأيديولوجي للمستوطنة، والذي يكشف عن عمق الخطر.

يقول الكاتب والإعلامي مخلص سمارة في تصريح صحفي : “قدوميم ليست مجرد مستوطنة سكنية، بل واحدة من معاقل التطرف الديني في الضفة، يعيش فيها وزير المالية المتطرف بتسلئيل سموتريتش، والقيادية الدينية دانييلا فايتس”.

ولفت لوجود “أكثر من 20 كنيسًا، ومدارس دينية، ومعاهد تروج للفكر الديني المتشدد، بالإضافة إلى معسكرات تدريب للجيش والشرطة العسكرية، ومناطق صناعية تنتج ملوثات سامة تؤثر على البيئة الفلسطينية”.

عمليات فدائية ومقاومة شعبية

ورغم تغوّل الاستيطان، لم يخلُ محيط “قدوميم” من محاولات الرد الفلسطيني، حيث  رصدت خلال السنوات الثلاث الأخيرة أربع عمليات فدائية، أبرزها في 6 يناير 2025 وقتل خلالها 3 مستوطنين، إضافة إلى عمليات أخرى في تواريخ: 18 أغسطس/ آب 2024، 6 يوليو/ تموز 2023، 29 يناير/ كانون ثاني 2023.

كما تنظم بلدة كفر قدوم مسيرات أسبوعية مستمرة منذ سنوات، رفضًا للتمدد الاستيطاني ولإغلاق مدخلها الرئيسي منذ عام 2003، رغم محاولات القمع الإسرائيلي المستمرة.

وبحسب مركز المعلومات الوطني الفلسطيني، تُعد “قدوميم” واحدة من خمس مستوطنات رئيسية في محافظة قلقيلية، وتشكل مع “ألفي منشه”، و”شعاري تكفا”، و”الشمرون”، و”عمانوئيل” ما يُعرف بـ”كتلة غرب السامرة”.

Share This Article