المسار : لا تقتصر المعركة داخل “إسرائيل” في ظل تصاعد المواجهة العسكرية مع إيران على الميدان فقط، بل تمتد إلى ساحة الإعلام، حيث تفرض الرقابة العسكرية سيطرة مشددة على تدفق المعلومات والصور.
وبين ما يُسمح بنشره وما يُحجب، تتشكل رواية رسمية محكمة، وسط تساؤلات متزايدة داخل المجتمع الإسرائيلي حول الفجوة بين الواقع الميداني وما يعكسه الإعلام.
ويشير مختصون في الشأن الإسرائيلي إلى تصاعد القيود التي يفرضها الرقيب العسكري على وسائل الإعلام، لتشمل أيضًا منصات التواصل الاجتماعي، ما جعلها في كثير من الأحيان ناقلًا لما يقرره الرقيب من صور ومعلومات يراها مناسبة للنشر والبث، حتى وإن كان الحدث موثقًا بشكل مباشر من قبل الصحفيين.
عقيدة أمنية وعسكرية..
المختص في الشأن الإسرائيلي، عادل شديد، يرى أن “إسرائيل” تتعامل مع المعلومة في الحرب الحالية بأسلوب مختلف وأكثر تشددًا مقارنة بالحروب السابقة، مشيرًا إلى وجود انطباع متزايد لدى شريحة واسعة من المجتمع الإسرائيلي تلاحظ هذا التغيير، خاصة في ظل الفجوة بين ما يُنشر في الإعلام العبري وما يجري على أرض الواقع، حيث يبدو أن الواقع أكبر بكثير مما يتم الإعلان عنه.
ورغم ذلك، يوضح شديد أن المجتمع الإسرائيلي يتقبل هذا النهج، انطلاقًا من قناعة بأن حجب المعلومات هو قرار حكومي وأمني يجب الالتزام به، إلى جانب الاعتقاد السائد بأن نشر الصور أو المعلومات قد يخدم إيران ويضر بأمن إسرائيل، ما يجعل تقييد النشر جزءًا من المعركة.
ويؤكد شديد، في حديثه لـه، أن هذا التوجه ينسجم مع العقيدة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية التي تعتبر المعلومة عنصرًا أساسيًا في الحرب، وقد تشكل خطرًا على الأمن القومي، ولذلك يتم التحكم بشكل صارم في ما يُنشر وما يُحظر نشره.
ويلتزم الصحفيون الإسرائيليون، بغض النظر عن المؤسسات التي يعملون فيها، بنشر ما يصدر فقط عن الناطق العسكري أو الجهات الرسمية، وحتى في حال مشاهدتهم أحداثًا ميدانية مباشرة، مثل سقوط صاروخ، يُمنعون من النشر دون موافقة الرقابة العسكرية، وقد وصل الأمر إلى ملاحقة صحفيين خالفوا هذه التعليمات، وفق ضيفنا.
ومن الأمثلة على ذلك، فرض استخدام مصطلحات محددة، مثل القول إن الصاروخ “سقط في منطقة مفتوحة”، وهي صيغة تحمل دلالات تقلل من حجم الحدث، حتى لو كان الواقع يشير إلى إصابة أهداف حساسة أو فشل في اعتراضه.
تضخيم الإنجازات..
في المقابل، يضيف شديد أن “إسرائيل” تركز في خطابها الإعلامي على تضخيم إنجازاتها العسكرية، سواء في لبنان أو إيران، من خلال الحديث عن تدمير قدرات أو القضاء على أهداف معينة، وإظهار تفوقها بشكل مستمر.
ورغم ذلك، بدأ هذا الخطاب يواجه انتقادات داخلية، حيث يتساءل البعض عن سبب تضخيم هذه الإنجازات إعلاميًا، في حين لا تنعكس بشكل واضح على أرض الواقع، فمع استمرار الحديث عن “تدمير” قدرات الخصم، لا تزال الصواريخ تُطلق بوتيرة وتأثير أكبر، ما يخلق حالة من التناقض بين الرواية الرسمية والواقع الميداني.
ويشير تحقيق أعدته مجلة (+972) إلى أن “إسرائيل” تفرض خلال الحرب الحالية قيودًا صارمة، تشمل منع نشر المواقع الدقيقة لسقوط الصواريخ، ومنع تصوير الأضرار بطريقة قد تكشف هذه المواقع.
ويأتي ذلك في ضوء تعليمات الرقيب العسكري “نتنائيل كولا”، الذي أوضح أن هذه السياسة تهدف إلى منع تقديم أي فائدة عملياتية للعدو.
كما أظهرت وثيقة صادرة عن الرقابة العسكرية بتاريخ 5 آذار 2026 أن وسائل الإعلام ملزمة بعرض طيف واسع من المواد على الرقابة قبل النشر، يشمل المعلومات العملياتية، والتقديرات الاستخباراتية، ومستوى الجاهزية الدفاعية، ومواقع الضربات، وأماكن سقوط الصواريخ.
إدارة المعركة إعلاميًا..
من جانبه، يرى الباحث في الشأن الإسرائيلي، ياسر مناع، أن الرقابة العسكرية موجودة منذ عقود، عبر اتفاق قائم مع المحررين في وسائل الإعلام، إلا أن “إسرائيل” استخلصت دروسًا من الجولات السابقة، خاصة فيما يتعلق بالإعلام وتأثيره على الجمهور.
ويشير إلى أن المعلومات المنشورة قد تضعف معنويات الجمهور الإسرائيلي من جهة، وقد ترفع معنويات الطرف الآخر من جهة أخرى، لذلك هناك محاولة واضحة لضبط إيقاع الرواية الإسرائيلية، وجعل الرواية الرسمية هي السائدة والمهيمنة.
ويلفت مناع، في حديثه لـه، إلى صدور تعميم حديث من الرقيب العسكري لوسائل الإعلام، المحلية والدولية، يقضي بمنع نشر أي معلومات دون موافقته المسبقة، بما في ذلك وسائل الإعلام الدولية، حيث فُرضت قيود على طبيعة التغطية.
فعلى سبيل المثال، مُنع بث مشاهد إطلاق منظومات الدفاع الجوي، كما مُنع نشر مواقع سقوط الصواريخ إلا بعد موافقة مسبقة، وهو ما يندرج، وفق مناع، ضمن محاولة إدارة المعركة إعلاميًا، باعتبار أن المعلومة أصبحت جزءًا من سيرها.
ورغم أن هذه السياسة ليست جديدة من حيث المبدأ، فإنها شهدت في هذه المرحلة مستوى أعلى من التشدد وتحديثًا في أدوات الرقابة داخل إسرائيل.
ويشير مناع إلى اتساع النقاش داخل الإعلام الإسرائيلي، ليتجاوز متابعة تفاصيل العمليات العسكرية ومآلاتها، نحو مستوى أعمق يتعلق بطبيعة المعلومات وحدود ما يُتاح منها للجمهور.
ويركز هذا النقاش على كيفية إدارة المعطيات وضبطها ضمن إطار منظم يوجّه إدراك الجمهور، ويعيد تشكيل فهمه لمسار الحرب، ما يعكس تحولًا من إعلام يكتفي بوصف الحدث إلى إعلام يحدد شروط المعرفة به ويؤثر في طريقة تلقيه، تبعًا لحديث ضيفنا.
كما يلاحظ تراجعًا ملحوظًا في حجم المعلومات المتاحة بشأن عدد الصواريخ ومواقع سقوطها وحجم الأضرار، مقارنة بأنماط التغطية في الحروب السابقة على غزة أو في جولات المواجهة مع لبنان وإيران.
ويوضح مناع أن هذا التقييد يشمل وسائل الإعلام التقليدية، ويمتد أيضًا إلى القنوات غير الرسمية، خاصة على منصات التواصل الاجتماعي مثل “تلغرام”، حيث انخفضت كمية المعلومات المتداولة مقارنة بالفترات السابقة.
ويرى “ضيف سند“، أن هذا التراجع يُفسَّر ضمن رؤية مركزية تقوم على “منع تقديم أي مساعدة للعدو في زمن الحرب”، وهو خطاب أصبح إطارًا ناظمًا للسلوك الإعلامي في المجالين الرسمي وغير الرسمي داخل “إسرائيل”.
تساؤلات إسرائيلية..
بدوره، أثار الصحفي والمحلل السياسي رفيف دروكر، عبر القناة 13 الإسرائيلية، تساؤلات حول غياب نشر مواقع سقوط الصواريخ الإيرانية، وعدم عرض مشاهد اعتراضها كما كان يحدث في جولات سابقة، إضافة إلى غياب الأرقام الدقيقة المرتبطة بعدد الصواريخ في كل رشقة.
وأشار إلى تطور واضح في سياسات النشر، بدءًا من مرحلة “النشر الدقيق” كما في حرب لبنان الثانية عام 2006، حيث كانت مواقع السقوط تُعرض بشكل واضح، ثم الانتقال إلى مرحلة التحديدات التقريبية، قبل الوصول إلى المرحلة الحالية في الحرب على إيران، التي تتسم بالامتناع شبه الكامل عن نشر المواقع أو المعطيات الدقيقة.
من جهته، تناول الصحفي جدعون ليفي، في مقال نشره في صحيفة “هآرتس” بتاريخ 12 آذار 2026، تحوّل الإعلام الإسرائيلي من الالتزام التقليدي بالرقابة إلى مرحلة متقدمة من الرقابة الذاتية.
ويشير ليفي إلى أن المراسلين باتوا يعرضون تفاصيل هامشية، مثل أضرار طفيفة، مع التأكيد في الوقت ذاته أن ما يُنشر تم بموافقة الرقابة، رغم أن القانون لا يفرض ذلك، ما يعكس تحول الامتثال من التزام مفروض إلى ممارسة طوعية معلنة.
ويخلص تحليل ليفي، وفق ما ينقله الباحث مناع، إلى أن الإعلام الإسرائيلي يشهد انكشافًا أوسع في طبيعة عمله، خاصة بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، حيث لم يعد الحجب مقتصرًا على التدخل الرسمي المباشر، بل تطور إلى نموذج أكثر تعقيدًا قائم على الرقابة الذاتية داخل المؤسسات الإعلامية، التي باتت تمارس الامتناع المسبق عن نشر المعلومات الدقيقة، مع إظهار التزام علني بقيود الرقابة.
وتتواصل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران لليوم الـ 27 على التوالي، وسط تصعيد عسكري متبادل وهجمات تستهدف مواقع داخل إيران وأخرى باتجاه “إسرائيل”، بالتزامن مع تطورات إقليمية وحديث مستمر عن محادثات أمريكية إيرانية حول شروط وقف الحرب

