| افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات |
إسرائيل اليوم 13/5/2026
استقرار الحكم في الأردن هو عنصر حرج في الامن القومي الإسرائيلي
بقلم: د. اوفير فينتر
تبين الأردن كحليف هام لإسرائيل في صد الهجمات الإيرانية في السنوات الأخيرة – ابتداء من “ليلة المُسيرات” في نيسان 2024، عبر حملة “الأسد الصاعد” في حزيران 2025 وحتى جولة القتال الأخيرة.
إن وقفة الأردن الشجاعة الى جانب إسرائيل والولايات المتحدة جعلته هدفا لاطلاق مئات الصواريخ والمُسيرات من جانب ايران ووكلائها في العراق. منظومات الدفاع الامريكية المنصوبة في المملكة دافعت سواء عنها ام عن إسرائيل.
بالتوازي، تصدى الأردن لنقد من الداخل من جانب محافل إسلامية أيدت حرب ايران ضد إسرائيل بل وأمل بعضها في تحويل بلادهم الى ساحة أخرى في طوق “المقاومة” الإيرانية حولها. ردا على ذلك شدد النظام على الاخوان المسلمين في المملكة الذين اخرجوا عن القانون قبل نحو سنة. وطلب النظام من ذراعهم السياسي في البرلمان الأردني فك ارتباطهم عن الحركة الام، الخطوة التي أدت هذا الشهر الى تغيير اسم حزب “جبهة العمل الإسلامي” الى “حزب الامة”.
لكن التعاون الأمني الهاديء بين إسرائيل والأردن يتجاوز الموضوع الإيراني، ويتضمن صراعا ضد جماعات إرهاب راديكالية ورقابة على الحدود بين الدولتين. العلاقات في المستوى الأمني تتواصل رغم العلاقات العكرة في المستوى السياسي. فقد شهد الملك عبدالله في مقابلة مع الـ “بي.بي.سي” في أكتوبر الماضي بانه فقد الثقة ببنيامين نتنياهو لكنه لا يزال يرى في محافل أخرى في إسرائيل شركاء في السلام.
لعلاقات السلام بين القدس وعمان مراسي أخرى، فيما أن الضلع الأمريكي هو الأهم بينها. الاقتصاد الأردني يعتمد على المساعدات الخارجية، حيث تضمن مذكرة التفاهم الامريكية الأردنية من العام 2022 للاردن 1.45 مليار دولار في السنة – دعم يشكل نحو 8 في المئة من الميزانية السنوية. الأردن هو من الدول القليلة التي تجنبها تقليص ميزانيات المساعدات الخارجية تحت إدارة ترامب، مما يدل على مكانتها الاستراتيجية الخاصة في واشنطن.
مراسي أخرى هي علاقات الطاقة والماء. فالاردن يستورد من إسرائيل نحو 85 في المئة من غازه الطبيعي، الذي يستخدم لانتاج معظم الكهرباء في المملكة. وقف ضخ الغاز في اثناء الحرب اجبر الأردن بان يستورد بدائل غالية والحق به خسائر بنحو 200 مليون دولار. إضافة الى ذلك تنقل إسرائيل الى الأردن في اطار اتفاق السلام نحو 50 مليون متر مكعب من المياه في السنة تشكل 5 في المئة من اقتصاد المياه الذي يضعف لديها. حتى أواخر 2025 باعت إسرائيل للاردن أيضا 50 مليون متر مكعب آخر.
الى جانب الاعتراف بأهمية السلام يعشعش في الأردن تخوف وجودي من مؤامرة تنسب لإسرائيل بتحويله الى “وطن بديل” للفلسطينيين. وجاءت الحرب في ايران لتعظم هذا التخوف: ففي نظر عمان، فان نجاحا إسرائيليا في الحرب من شأنه أن يشجع حكومة إسرائيل على الدفع قدما بضم الضفة الغربية وطرد سكانها الى الأردن، فيما ان عدم نجاحها من شأنه ان يشجع اسرائيل على البحث عن “صورة نصر” بديلة في الساحة الفلسطينية، تأتي على حساب الأردن. ويعد هذان السيناريوهان تهديدا على مستقبله.
بسبب شراكة المصالح التي عادت لتتبين في الحرب، خير تفعل إسرائيل اذا ما أبدت انصاتا لهموم الأردن وطورت العلاقات المتبادلة معه. فتعزيز السلام يحتاج الى تحسين الحوار السياسي وبناء رؤيا استراتيجية مشتركة للعلاقات بين الدولتين، انطلاقا من الاعتراف بان استقرار الجار من الشرق هو عنصر حرج في الامن القومي الإسرائيلي.
——————————————
مركز القدس للاستراتيجية والأمن JISS- 13/5/2026
المعركة في لبنان بين التكتيك والاستراتيجية
بقلم: العقيد (احتياط) البروفيسور غابي سيبوني والعميد (احتياط) إيريز فينر
مقدمة
كشفت حرب الإحياء والصراع الدائر في الجبهة الشمالية بوضوح تام عن ضعف دولة إسرائيل أمام حزب الله. فبينما تضررت قدرة الحزب الصاروخية على المدى البعيد بشكل كبير، إلا أن التهديد على المدى القريب لا يزال قائماً، على الرغم من تراجع خطر عملياته الهجومية البرية. فإلى جانب التهديدات المعروفة المتمثلة في إطلاق الصواريخ وقذائف الهاون والعبوات الناسفة والألغام الأرضية في المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني، هناك تهديد الطائرات المسيّرة بأنواعها المختلفة، بما في ذلك الطائرات المسيّرة الموجهة بالألياف الضوئية، والتي يواجه الجيش الإسرائيلي صعوبة في التعامل معها.
كما ذُكر، من بين جميع التهديدات قصيرة المدى، يبرز تهديد الطائرات المسيّرة الموجهة بالألياف الضوئية، وهو تهديد متطور يصعب تحييده، وقد أصبح حدثًا مقلقًا في ساحة المعركة في لبنان. تُوجّه هذه الطائرات باستخدام ألياف ضوئية رفيعة تمتد خلفها أثناء الطيران. وعلى عكس الطائرات المسيّرة التي تعتمد على وصلة لاسلكية، توفر الألياف الضوئية وصلة مادية مباشرة، محصنة ضد التشويش الإلكتروني، ومقاومة للتداخل والخداع. والنتيجة هي القدرة على توجيه الأسلحة إلى الهدف بدقة عالية وتحكم فوري بجودة فيديو فائقة، حتى على مسافات تصل إلى عدة كيلومترات، مع التوغل عميقًا في الأراضي التي تسيطر عليها قواتنا، وحتى عبر الحدود.
تتميز هذه الطائرات المسيّرة برخص ثمنها نسبيًا (لا تتجاوز تكلفتها بضعة عشرات الآلاف من الشواكل)، وسهولة تشغيلها من قبل المشغلين المحليين، وصعوبة رصدها واعتراضها. وهي تُمكّن من شنّ هجمات دقيقة على المواقع الأمامية والمباني والمركبات وناقلات الجنود المدرعة ونقاط المراقبة والقوات المكشوفة في المناطق المفتوحة، دون تعريض القوات المشغلة لها للخطر بشكل كبير. حوّل حزب الله، بدعم تكنولوجي إيراني، هذه الطائرات المسيّرة إلى أداة رئيسية لتهديد أي تحرك للجيش الإسرائيلي في منطقة سيطرته، كما يهدد المستوطنات الشمالية، وهو تهديد يتطلب استجابة شاملة لا تقتصر على الجانب التكنولوجي.
لقد أوقف الجيش الإسرائيلي تقدمه في جنوب لبنان أيضاً بفضل اتفاق وقف إطلاق النار مع لبنان، الذي فرضته عليه الولايات المتحدة، ويسيطر حالياً على شريط يصل عرضه إلى 10 كيلومترات من الحدود، وصولاً إلى ما يُعرف بالخط الأصفر، أو خط الدفاع المضاد للدبابات، وهو خط يهدف إلى منع توجيه صواريخ مضادة للدبابات نحو المستوطنات الإسرائيلية، ومنع أي هجوم بري عليها. إلا أن تهديد الطائرات المسيّرة عموماً، وخاصة تلك الموجهة بالألياف الضوئية، يُغيّر قواعد اللعبة. فهذا السلاح يُتيح لحزب الله ممارسة ضغط مستمر على قوات الجيش الإسرائيلي المنتشرة في الميدان، وكذلك على المستوطنات الواقعة على طول خط المواجهة. وعلى عكس الصواريخ بعيدة المدى، يُمكن إطلاق هذه الطائرات المسيّرة من شاحنة، أو من مبنى، أو حتى من مخبأ في الطبيعة، ويصعب جداً رصدها مسبقاً. إنهم يحولون المنطقة بأكملها شمال وجنوب نهر الليطاني إلى منطقة محتملة لخلق تهديد مباشر لحياة المدنيين وقدرة الجيش الإسرائيلي على العمل في المنطقة.
في هذه المقالة، نحلل التهديد وأساليب العمليات العسكرية الإسرائيلية. ونحن على يقين من وجود جهات تعمل على توفير حل تقني شامل لمسألة رصد التهديد والقضاء عليه، ولذلك سيبقى هذا الموضوع خارج نطاق هذه المقالة. سنركز، كما ذكرنا، على جوانب العمليات العسكرية وتحليل المساحة الأرضية المثلى التي تخدم غرض حماية المستوطنات الشمالية. ونرى أن إنشاء منطقة أمنية عميقة، تستند إلى مسار طبيعي وتدعمها خطة عمل محددة، ضروري لاستعادة الأمن لسكان الشمال، وتعطيل مفهوم “الحرب المستمرة” الذي يتبناه حزب الله، وإعادة زمام المبادرة إلى الجيش الإسرائيلي.
الحاجة إلى شريط أمني وتوسيعه إلى الليطاني
إن الشريط الأمني في جنوب لبنان ليس قضية تاريخية طواها النسيان بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي عام 2000، بل هو حاجة عملياتية تتفاقم وتزداد إلحاحاً في ضوء الواقع الذي نشأ في الساحة الشمالية خلال حرب النهضة والمواجهة المستمرة مع حزب الله. منذ ذلك الانسحاب، حوّل حزب الله، بدعم إيراني ممنهج، المنطقة الواقعة بين الحدود الدولية ونهر الليطاني إلى منطقة متصلة بشبكة متكاملة من البنية التحتية العسكرية المتطورة.
تضم هذه المنطقة عشرات (وربما مئات) من أنفاق الهجوم، ومستودعات أسلحة متطورة، ومواقع إطلاق سرية، وبنى تحتية لوجستية عميقة، وأنظمة قيادة لا مركزية. كل هذا يجعل جنوب لبنان ساحةً يستطيع حزب الله من خلالها شنّ تهديدات قصيرة المدى بكفاءة عالية، مستغلًا الميزة الجغرافية المتمثلة في قربه المباشر من التجمعات السكانية الشمالية، التي لا تزال ضمن نطاق إطلاق النار حتى اليوم. وتشمل هذه التهديدات صواريخ مضادة للسفن قصيرة المدى، بالإضافة إلى طائرات مسيّرة وهجمات جوية دون سابق إنذار.
لقد أصبح خطر الطائرات المسيّرة الموجهة بالألياف الضوئية تهديدًا رئيسيًا في ساحة المعركة. فهذه الطائرات، المتصلة بألياف ضوئية دقيقة، محصنة تمامًا ضد الحرب الإلكترونية والتشويش اللاسلكي والخداع. وتتيح للمشغل التحكم في الهدف في الوقت الفعلي، بجودة فيديو عالية، حتى على مسافات تصل إلى عدة كيلومترات، مع قدرتها على التوغل عميقًا في التضاريس. كلما قصرت المسافة بين المشغل والهدف، ازداد الخطر، وذلك بفضل توفر الطائرات المسيّرة الموجهة بالألياف الضوئية وانخفاض تكلفتها، والتي يصل مداها إلى 10-15 كيلومترًا. ومع زيادة المدى، يتقلص نطاق الخطر؛ فعلى الرغم من وجود طائرات مسيّرة يصل مداها إلى 30-40 كيلومترًا (وربما أكثر)، إلا أن توفرها لا يزال محدودًا للغاية.
لقد حوّل حزب الله هذه التقنية إلى سلاح فتاك يُهدد أي تحرك لقوات الجيش الإسرائيلي، ومواقعها الأمامية، ومبانيها، ومركباتها المدرعة، ونقاط المراقبة. يمكن تشغيل هذه الطائرات المسيّرة من شاحنة متنقلة، أو مبنى سكني، أو حتى من موقع مؤقت بسيط، وهي تُحوّل أي موقع جنوب الليطاني إلى تهديد مباشر محتمل للمستوطنات الشمالية. عندما تبقى المنطقة بين الحدود الإسرائيلية والليطاني مفتوحة، تُصبح المنطقة بأكملها نقطة انطلاق محتملة. سيؤدي توسيع نطاق المنطقة الأمنية للجيش الإسرائيلي لتشمل نهر الليطاني إلى تعزيز العمق الأمني، ما سيدفع معظم مصادر عمليات الطائرات المسيّرة شمالًا، ويُطيل فترة الإنذار، ويُصعّب تنفيذ الضربات الدقيقة، ويُمكّن القوات الإسرائيلية من حماية المجتمعات الشمالية بشكل أفضل. فيما يلي بعض البيانات التي ستساعدكم على فهم نطاقات التغطية: تبلغ المسافة من راس الناقورة إلى مدينة صور حوالي 20 كيلومترًا في خط مستقيم، وإلى مصب نهر الليطاني 29.5 كيلومترًا؛ وتبلغ المسافة من زرعيت إلى نهر الليطاني في خط مستقيم حوالي 25 كيلومترًا، ومن دوباف إلى نهر الليطاني حوالي 29 كيلومترًا، ومن مالكيا إلى النهر حوالي 22 كيلومترًا. أما المسافة من مستوطنات إصبع الجليل فهي أقصر بكثير.
ركزت عملية الجيش الإسرائيلي حتى الآن على السيطرة على منطقة أمنية تمتد حتى خط يُعرف باسم “خط الدفاع المضاد للدبابات”، بهدف منع النيران المباشرة من المستوطنات الشمالية والحد من قدرة حزب الله على شن هجوم بري مفاجئ عليها. تُظهر الخريطة المرفقة أدناه المنطقة المذكورة.
تُنفّذ القوات المسلحة الإسرائيلية عملياتها في هذه المنطقة عبر عدة جهود: أولها تأمين المنطقة، بهدف منع قوات حزب الله من دخولها وإحباط قدرتها على العمل من داخلها، وذلك من خلال القصف المباشر على المستوطنات، بالإضافة إلى القصف قصير المدى والعميق، كقذائف الهاون والصواريخ. ويهدف هذا الجهد أيضاً إلى منع البنية التحتية اللازمة لشن غارة برية على المستوطنات الشمالية. أما الجهد الثاني، فيتمثل في تدمير البنية التحتية للإرهابيين في هذه المنطقة، من أنفاق ومخابئ ومستودعات أسلحة ومواقع إطلاق مدفونة في المنازل والساحات. ويتم ذلك بالتوازي مع هدم المباني التي شكلت البنية التحتية لعمليات حزب الله. أما الجهد الثالث، فهو عملية قصف ناري تتجاوز خط المواجهة لقواتنا (“الخط الأصفر”)، بهدف القضاء على التهديدات القادمة من جنوب وشمال نهر الليطاني. بحسب وزير الدفاع، وبعد تقييم الوضع: “في نهاية العملية، ستتمركز قوات الجيش الإسرائيلي في منطقة أمنية داخل لبنان – على خط دفاعي ضد الصواريخ المضادة للدبابات – وستسيطر أمنياً على المنطقة بأكملها حتى نهر الليطاني… وسيتم هدم جميع المنازل في القرى القريبة من الحدود في لبنان – على غرار نموذجي رفح وبيت حانون في غزة، بهدف إزالة التهديدات قرب الحدود من سكان الشمال نهائياً. كما يجري التصدي لإطلاق الصواريخ بعيدة المدى من مناطق أخرى في لبنان، وسيتم تكثيف هذا التصدي.”
وعلى الرغم من الرغبة في منع حزب الله من العمل جنوب نهر الليطاني، إلا أن هذا النشاط قائم، مما يسمح للتنظيم بإطلاق صواريخ مضادة للدبابات قصيرة المدى، فضلاً عن تشغيل طائرات مسيرة ضد قوات الجيش الإسرائيلي وحتى ضد المستوطنات الشمالية. وتتيح المنطقة الواقعة شمال منطقة الأمن الحالية للجيش الإسرائيلي استخدام طائرات مسيرة قصيرة المدى، مزودة بأجهزة اتصال بالألياف الضوئية واللاسلكية. لن يكون الاعتماد على النيران وحدها في هذه المنطقة فعالاً ومستداماً في مواجهة هذه التهديدات.
ولتحسين حماية المستوطنات الشمالية وتقليص نطاق التهديد، تبرز إمكانية السيطرة على المنطقة بأكملها حتى نهر الليطاني. يجب التذكير بأن السيطرة على المنطقة بأكملها حتى نهر الليطاني لن تقضي على التهديد القادم من جنوب لبنان تماماً، ولكنها ستُقلّص نطاقه بشكل كبير، لا سيما باتجاه مستوطنات الجليل الغربي. عموماً، هناك ميلٌ دائمٌ للنظر إلى الاستجابة كخيارٍ ثنائي، إما صفر أو واحد، أو الكل أو لا شيء، مع أن الاستجابة تتضمن دائماً إجراءاتٍ قادرة على تقليص التهديد في المنطقة الواقعة بين الكل أو لا شيء.
لتقييم أهمية اختيار خط الليطاني كخط نهاية للمناورة تقييماً صحيحاً، يجب مقارنة البديلين الرئيسيين: خط الدفاع المضاد للدبابات الحالي مقابل خط الليطاني. قد يُثير خط الليطاني معارضةً من الولايات المتحدة، ولكن يجب توضيح أهميته الأمنية للإدارة الأمريكية. البديل لخط الدفاع المضاد للدبابات الحالي هو خط وهمي لا يعتمد على تضاريس طبيعية. ميزته النسبية الوحيدة هي أنه يقلل جزئيًا من احتمالية القصف المباشر على المستوطنات، ويسمح بتطهير منطقة صغيرة نسبيًا في البداية. مع ذلك، فإن عيوبه العملياتية كبيرة وحاسمة. فالخط لا يستند إلى حاجز طبيعي، مما يسمح للعدو بالتعزيز السريع والمستمر من شماله، كما حدث في الأسابيع الأخيرة؛ وذلك على الرغم من تدمير الجيش الإسرائيلي لبعض الجسور فوق نهر الليطاني، وهو تدمير لا يزال يسمح لعناصر حزب الله بتعزيز قواتهم في المنطقة وتزويدها بالأسلحة.
يتطلب خط الدفاع المضاد للدبابات الحالي معدات دعم لوجستي أكبر نظرًا لأنه أطول بنحو 40 في المئة من خط الليطاني (انظر الخريطة أعلاه في هذا السياق). ويتطلب هذا الخط وجودًا دائمًا للقوات في تضاريس مكشوفة، مما يزيد من خطر التعرض للعبوات الناسفة والكمائن وهجمات الطائرات المسيرة. وتميل العمليات على طوله إلى أن تكون مباشرة، لعدم اعتماده على حدود طبيعية. إن مساهمة هذا النهج في الحد من إطلاق الصواريخ وقذائف الهاون والطائرات المسيّرة قصيرة المدى ضئيلة، إذ تبقى معظم هذه التهديدات على مسافة قريبة من خطوط جبهة قواتنا، وتستمر في تهديد المستوطنات والقوات على الأرض.
في المقابل، يوفر خط الليطاني ميزة عملياتية واضحة. فهو يعتمد على مسار طبيعي وعر – نهر عميق ذو وديان شديدة الانحدار – يصعب عبوره، لا سيما بدون بنية تحتية للجسور. يتميز هذا الخط بسهولة صيانته، وعمقه، وإمكانية توفير وقت إنذار أطول بكثير ضد التسلل والنيران قصيرة المدى. كما أنه يدفع معظم التهديدات قصيرة المدى شمالًا، بما في ذلك الصواريخ المضادة للطائرات والطائرات المسيّرة الصغيرة الموجهة بالألياف الضوئية، ويقلل بشكل كبير من عمليات الإطلاق قصيرة المدى، ويؤثر بشكل مباشر على منطقة صور الكبرى – وهي منطقة حيوية ومركزية لحزب الله. إضافة إلى ذلك، يسمح خط الليطاني بتقسيم المنطقة بشكل طبيعي إلى مناطق فرعية بناءً على الجداول التي تصب فيه، مما يسهل إدارة الصيانة ويسمح ببناء أنظمة دفاعية مرنة.
تنبع الحاجة إلى توسيع الشريط الدفاعي حتى نهر الليطاني من ضرورة الحدّ بشكلٍ جذريّ من قدرة حزب الله على إطلاق صواريخ مضادة للدبابات قصيرة المدى. فعندما يبقى خطّ الإنهاء لقوات الجيش الإسرائيلي عند خطّ الدفاع المضاد للدبابات الحالي، تبقى المنطقة جنوب الليطاني مكشوفةً إلى حدّ كبير لسيطرة العدو الجزئية، ما يسمح له بمواصلة إطلاق النار دون انقطاع تقريبًا. ويؤدي توسيع الخطّ إلى الليطاني إلى دفع معظم مواقع الدفاع المضاد للدبابات شمالًا، وزيادة المسافة الجغرافية من المستوطنات الإسرائيلية، وتمديد فترة الإنذار، وتمكين أنظمة الدفاع النشطة من العمل بكفاءة أكبر.
تجدر الإشارة هنا إلى ضرورة الحفاظ على وجود عسكري في بعض المناطق خارج الليطاني أيضًا، مع التركيز على منطقة “ركبة الليطاني”. حيث تُصبح تلة النبطية، الواقعة قرب المطلة ومستوطنات إصبع الجليل، منطقةً حيويةً للصيانة، إذ تُتيح السيطرة على طرق المواصلات الرئيسية ومستوطناتنا في المنطقة، وتُشكّل ركيزةً أساسيةً للصيانة الدفاعية لمستوطنات إصبع الجليل الشمالي.
على الرغم من أن خط الليطاني يتطلب تحركات في منطقة أوسع لتطهير المنطقة مبدئيًا واستمرار الحراسة، إلا أن مزاياه في الحد من نيران المضادات الجوية، والحماية من الحوامات المزودة بألياف بصرية، ودفع العدو شمالًا، وممارسة ضغط على الدولة اللبنانية، تفوق بكثير عيوبه. إن اختيار هذا الخط ليس مجرد خطوة تكتيكية، بل هو تحول جذري في الاستراتيجية. فهو يخلق واقعًا يتم فيه صد التهديدات قصيرة المدى، وإطالة فترة الإنذار، وتحسين القدرة على الحفاظ على السيطرة. ومن خلال خط نهائي طبيعي وعميق وبري، يمكن تحقيق هذه الأهداف، وخلق رادع طويل الأمد يعيد الأمن لسكان الشمال.
كما أن التمسك بخط الليطاني له ميزة سياسية. فهو يضغط على حزب الله والحكومة اللبنانية، ويرسل رسالة مفادها أن “إسرائيل لن تعود إلى الحدود القديمة”، على الأقل حتى يتم تفكيك حزب الله بالكامل، ويصبح لبنان دولة سلام حقيقي مع إسرائيل. بافتراض تقدم المفاوضات مع الحكومة اللبنانية، واضطرارنا لمناقشة تقليص وجودنا الميداني في لبنان، فسيكون هذا الشريط الأمني بمثابة خط دفاعي يمكن التراجع إليه عند الضرورة، مع توفير الحماية للمستوطنات على الحدود الشمالية. وللأسباب المذكورة آنفًا، يُمكن القول إن توسيع الشريط الأمني إلى الليطاني ضرورة حيوية تجمع بين الضرورة العملياتية والسياسية، مما يسمح للجيش الإسرائيلي بالانتقال من حالة الدفاع السلبي إلى حالة السيطرة الفعالة على المنطقة.
يؤثر هذا الشريط الأمني العميق بشكل مباشر على لبنان بأكمله، ولا سيما منطقة صور الكبرى، لاحتوائه على مناطق ذات كثافة سكانية شيعية عالية. وبهذا، يُسهم أيضًا في زيادة الضغط على الحكومة اللبنانية وجيشها. لو بدأنا المناورة بهذه الطريقة، لكنا حققنا إنجازًا عملياتيًا أكبر، مما يُقلل من قدرة حزب الله على تعزيز قواته وضرب المؤخرة الإسرائيلية، ويُمكّن الجيش الإسرائيلي، بعد ترسيخ وجوده على خطوط النهاية، من العمل بتركيز لتطهير المنطقة وفقًا لتحليلات العدو وأولوياته. كان استخدام موارد ووقت قوات الأمن الخاصة أكثر فعالية بكثير من الطريقة التي تم بها تنفيذ المناورة فعلياً.
توصيات للقيادتين العسكرية والسياسية
في سياق عملية الجيش الإسرائيلي في لبنان، يجب التذكير بأن الهدف النهائي لوجوده في جنوب لبنان هو توفير الأمن للمناطق الشمالية، وأنه في حال غيابه، ستمتلئ المنطقة فورًا بعناصر حزب الله، وسيعود السكان الشيعة إليها.
على الصعيد العسكري، يجب على القيادة السياسية تحديد إنجاز واضح وقابل للقياس وملزم للجيش الإسرائيلي مسبقًا، وهو: إنشاء منطقة أمنية تحت السيطرة الإسرائيلية تمتد حتى نهر الليطاني، وتطهير المنطقة بالكامل من التنظيمات الإرهابية، وإنشاء آلية صيانة مستمرة على طول خط طبيعي قصير. بالتوازي مع المفاوضات مع الحكومة اللبنانية، من الضروري السعي لإزالة أي قيود على استخدام القوات الجوية والمدفعية والبرية ضد بنية حزب الله التحتية، حتى في عمق لبنان.
ينبغي السماح باتخاذ إجراءات وقائية ضد بنية الطائرات المسيّرة، ومستودعات أسلحة ومقرات حزب الله. ينبغي على الحكومة أن تأمر بإعداد خطة لإنشاء قوة لبنانية محلية (مسيحية-درزية) لحماية مجتمعاتهم، كقوة إضافية لقوات الجيش الإسرائيلي، حتى وإن أظهرت التجارب التاريخية مع جيش لبنان الجنوبي صعوبات، فالمخاطر الحالية تفوق بكثير المكاسب. إضافةً إلى ذلك، يجب تهيئة الرأي العام الإسرائيلي والدولي لواقع وجود عسكري إسرائيلي طويل الأمد في الأراضي اللبنانية، مع التأكيد على أن هذه مهمة وطنية حيوية للدفاع عن المجتمعات الشمالية.
يؤثر الأداء العملياتي للمقاتلين في المنطقة تأثيراً كبيراً على النتائج. فالانضباط العملياتي يقلل من تعرض قواتنا للتهديدات ويقلل من احتمالية استهدافها من قبل العدو. ويشير تحليل معظم حالات القصف بطائرات مسيرة عالية الارتفاع ومتفجرة إلى استهداف تجمعات القوات والمعدات، واستهداف معدات معطلة ظلت قائمة لفترة طويلة في منطقة مفتوحة، وبقاء القوات في مبانٍ بارزة لفترات طويلة (خاصةً عندما دمر الجيش الإسرائيلي معظم المباني المحيطة بها)، وغير ذلك.
على الرغم من شيوع عادة حشد القوات والبقاء في مبانٍ مريحة، وما يترتب على ذلك من سهولة لوجستية، إلا أنه يجب تجنب ذلك، وهذه مسؤولية القادة. يجب الانتباه لأي توقف قسري لتفريق القوات، أو الخروج من مركبات معطلة، أو استخدام وسائل تكتيكية تُضعف فعالية الطائرات المسيّرة، مثل مدّ الكابلات والشباك. هذه ملاحظة جوهرية، وسيؤدي تطبيقها الصحيح حتمًا إلى تقليل الخسائر في صفوف قواتنا، حتى قبل حدوث أي هزائم تكنولوجية.
أما فيما يتعلق بحلول الأسلحة، فهناك بالفعل أفكار وبدائل، ومن واقع خبرتنا، “سيحصل لنا القادة اليهود على براءات اختراع عاجلاً أم آجلاً”. في الوقت نفسه، لا داعي لانتظار الحل الكامل، ومن الصواب تجهيز القوات فورًا ببنادق صيد وذخيرة تُشتت الرذاذ ضد الطائرات المسيّرة. هذا بالإضافة إلى النظر في إعادة استخدام رشاشات فولكان على نطاق واسع، إذ يُشكل ربطها بنظام كشف قوة مضاعفة ضد الطائرات المسيّرة والطائرات بدون طيار من أي نوع.
إلى جانب تحسين الانضباط العملياتي وحلول الأسلحة، ثمة حاجة ملحة للتحرك بحزم ضد مصادر التهديد. فالطائرات المسيّرة المتفجرة والصواريخ المضادة للطائرات قصيرة المدى لا تأتي من فراغ. يمتلك الجيش الإسرائيلي بنية استخباراتية دقيقة حول مواقع الإنتاج والتخزين، وفي كثير من الحالات، يُمكن تحديد مواقع الإطلاق. وضد هذه البنية، يجب علينا التحرك بقوة، مع التوسع في إجلاء السكان من تلك المناطق وشن هجمات آلية عليها، بعد إخطار مسبق باستخدام هذه الأداة.
ومع ذلك، حتى لو حسّنا الانضباط العملياتي وهاجمنا مصادر الإطلاق، فإن حزب الله منتشر في جميع أنحاء لبنان، وتقع بنيته التحتية الإنتاجية واللوجستية خارج المنطقة المعنية. وبالتالي، ثمة حاجة للتحرك في عمق لبنان، مع إقناع الولايات المتحدة بذلك. والمنطق هو أن مهاجمة حزب الله في معاقله سيُضعفه، ويُساعد الحكومة اللبنانية، ويُعزز فرص التوصل إلى اتفاق معه.
وفي السياق الإقليمي الأوسع، يجب على المستوى السياسي التحرك لمنع القوات السورية من دخول لبنان. أي وجود سوري في المنطقة، حتى لو كان موجهاً ضد قوات حزب الله والشيعة في لبنان، سيشكل تهديداً طويل الأمد قد يكون أشد خطورة من حزب الله نفسه. فسوريا، الخاضعة للنفوذ التركي، لن تجلب معها إلى لبنان جيشها الرسمي فحسب، والذي يضم عناصر من الجهاد السني العالمي، بل سيخلق هذا الدخول وضعاً قد يعرض الحدود الشمالية لإسرائيل لوجودٍ مُشكِل. والنتيجة ستكون تفاقم التهديد، فحتى لو ضعف حزب الله، سيملأ الجهاد السني والنفوذ التركي الفراغ ويخلقان تهديداً جديداً. يجب على إسرائيل أن توضح، عبر الرسائل الدبلوماسية والتحضيرات العملياتية، أن أي محاولة سورية لدخول لبنان ستُقابل بعمل إسرائيلي لإحباطها.
وفي السياق الإيراني، وضرورة قطع العلاقات مع الجناح اللبناني لإيران، فإن حزب الله ليس منظمة لبنانية مستقلة، بل هو ذراعٌ طويلة للحرس الثوري الإيراني. لذا، يجب أن تتضمن أي خطة سياسية أمنية وأي اتفاق مع الحكومة اللبنانية برعاية الولايات المتحدة قطعًا منهجيًا للجناح الإيراني في لبنان، لا يقتصر على إلحاق أضرار عسكرية بالبنية التحتية فحسب، بل يشمل أيضًا ضغوطًا اقتصادية ودبلوماسية واستخباراتية على طهران. يجب على إسرائيل العمل مع الولايات المتحدة والدول الغربية لإزالة أي قيود على تحركاتها في لبنان، مع توضيح أن “محادثات السلام” مع الحكومة اللبنانية لا صلة لها بإزالة خطر حزب الله. فالحكومة اللبنانية حكومة ضعيفة متأثرة بالشيعة ومشلولة بفعل حزب الله، وهي عاجزة عن فرض سيادتها على جنوب لبنان أو نزع سلاح حزب الله. يجب على إسرائيل التحرك بشكل مستقل، مع خلق واقع على الأرض يُجبر لبنان على مواجهة عواقب وجود إسرائيلي عميق. يجب على إسرائيل أن توضح أنه من أجل المضي قدمًا في اتفاق مع الحكومة اللبنانية، من الضروري أولًا مواصلة إضعاف حزب الله إلى حد كبير.
الخلاصة
ينحصر نطاق التهديدات التي يشكلها حزب الله على إسرائيل حاليًا في التهديدات قصيرة المدى، إما لرغبة حزب الله في حرمان إسرائيل من أي ذريعة للهجوم في عمق لبنان، أو للصعوبات العملياتية الناجمة عن تضرر هذه القدرات. وتتمثل تهديدات حزب الله قصيرة المدى في إطلاق صواريخ مضادة للطائرات قصيرة المدى وهجمات الطائرات المسيّرة، لا سيما الطائرات المسيّرة المزودة بألياف بصرية. هذه التهديدات، القائمة على تكنولوجيا رخيصة، يصعب تعطيلها، وسهلة التشغيل، تتطلب من الجيش الإسرائيلي الرد على قواته على الأرض وعلى سكان الشمال.
يُعدّ توسيع المنطقة الأمنية إلى ما وراء خط الدفاع المضاد للدبابات وصولًا إلى نهر الليطاني ردًا فعالًا وفوريًا. ويُشير تحليل البدائل لمناطق سيطرة الجيش الإسرائيلي – خط الدفاع المضاد للدبابات الحالي المقابل لخط الليطاني – إلى تفوق خط الليطاني بشكل واضح. فهو يعتمد على حاجز طبيعي، ويُقصر خط السيطرة، ويُعزز العمق، ويدفع معظم التهديدات قصيرة المدى شمالًا. يُسهم ذلك في الحد من قدرات إطلاق الصواريخ المضادة للدبابات على مؤخرة إسرائيل، وتقليل خطر الطائرات المسيّرة. إضافةً إلى ذلك، يُحقق الاستيلاء على خط الليطاني مكاسب سياسية في المفاوضات المستقبلية مع الحكومة اللبنانية بعد إتمام المهمة ضد حزب الله.
ينبغي أن تُحدد التوجيهات السياسية للجيش الإسرائيلي خطةً واضحةً للوصول إلى خط النهاية، تشمل احتلال مرتفعات البوفور وهضبة النبطية، والشروع في عمليات التطهير من الشمال إلى الجنوب. في الوقت نفسه، يجب الاستثمار في استجابة عملياتية ضد خطر الطائرات المسيّرة، بما في ذلك تحركات القوات البرية والعمليات الهجومية لفرض ثمن باهظ وتدمير هذه التهديدات وسلسلة إمدادها بالكامل في المنطقة، بما في ذلك شمال الليطاني. إلى جانب ذلك، ينبغي دراسة إنشاء قوة لبنانية محلية (مسيحية-درزية) ومشاركة الميليشيات المسيحية، على الرغم من تاريخ إسرائيل المثير للجدل في هذا المجال.
إن الحكومة اللبنانية، كقصبة مكسورة، ليست شريكاً ذا جدوى في هذه المرحلة، وهي عاجزة عن فرض سيادتها في لبنان، ولذا يتعين على إسرائيل التحرك لقطع النفوذ الإيراني في لبنان، مع منع دخول القوات السورية إلى لبنان منعاً باتاً. فمثل هذا الدخول سيجلب عناصر جهادية وعناصر تركية ستكتسب نفوذاً إضافياً ضد إسرائيل.
في نهاية المطاف، فإن شريطا أمنا حتى نهر الليطاني يتجاوز كونه مجرد تحرك عسكري؛ إنه تغيير يعيد زمام المبادرة إلى الجيش الإسرائيلي، ويحمي سكان الشمال بشكل أفضل، ويرجح أن يُسهم في بناء واقع أمني وسياسي أفضل. إن الجمع بين العمل التكتيكي الجيد والمنطق العملياتي الذي يخدم هدفاً استراتيجياً، قد يُحقق في نهاية المطاف الإنجاز المنشود، ومن الأفضل القيام بذلك باقصى سرعة ممكنة.
——————————————
يديعوت احرونوت 13/5/2026
الصين لن تنقذ ترامب مصالح الصين في إيران لا تتوافق مع مصالح ترامب
بقلم: رون بن يشاي
يولي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أهمية بالغة لاجتماعه مع الرئيس الصيني شي جين بينغ مساء الأربعاء. وكذلك الرئيس الذي سيستضيفه في بكين. سيناقش الزعيمان طيفًا واسعًا من القضايا التي تتطلب الحفاظ على العلاقات بين القوتين العالميتين الرائدتين. ستكون القضايا الاقتصادية محور جدول الأعمال، لكن معظم الخبراء والمعلقين في الولايات المتحدة والصين يؤكدون، وفقًا لتقارير تلقوها من مكاتب الزعيمين بأن إيران والشرق الأوسط ستكون موضوعًا رئيسيًا قي المباحثات بينهما.
ولعله لهذا السبب أيضًا لا يزال ترامب يؤجل قراره بشأن كيفية الرد على الرسائل الصارخة في رد إيران على خطة النقاط الأربع عشرة التي اقترحتها الولايات المتحدة، والتي لم تُسلّم إلا يوم الأحد وبعد تأجيلات عديدة. من المرجح أن يحاول ترامب استمالة الصين والزعيم شي جين بينغ لتخقيف حدة مواقف الجناح المتشدد في القيادة الإيرانية، الذي يملي حاليًا الخط التصادمي والعدائي ضد الولايات المتحدة في المفاوضات الجارية عبر الوسطاء.
استمرار تجميد الجمارك
سيكون الموضوع الرئيسي للنقاش في بكين هو تمديد الهدنة الاقتصادية في الحرب التجارية التي بدأها ترامب ثم انسحب منها. يسود حاليًا نوع من الجمود بين الولايات المتحدة والصين، حيث يمتنع كلا البلدين عن فرض رسوم جمركية مفرطة على الآخر، ولكل منهما مصلحة في استمرار هذا الوضع الراهن. سيطالب ترامب الصين بشراء المزيد من المنتجات الزراعية الأمريكية، وخاصة فول الصويا ولحم البقر، وشراء طائرات بوينغ للركاب، وزيادة صادرات المعادن النادرة التي تحتاجها الصناعات الأمريكية، ولا سيما صناعة الرقائق الإلكترونية.
ولا شك أن مستقبل تايوان، التي تهدد الصين بضمها، سيكون مطروحًا على الطاولة. وتشعر الولايات المتحدة ودول شرق آسيا بقلق بالغ إزاء احتمال اندلاع حرب عالمية إذا نفذت الصين تهديداتها.
وعلى عكس تايوان، حيث تمثل قضية تايوان بالنسبة للصين مسألة شرف وطني ومطالب تاريخية وارتباطات عاطفية، فإن موقف الصين تجاه إيران ينبع أساسًا من دوافع اقتصادية. فالصين هي المستورد الرئيسي للنفط الخام المهرب من إيران، على الرغم من العقوبات الأمريكية المفروضة على طهران، ولديها اتفاقية طويلة الأمد مع إيران بقيمة 400 مليار دولار على مدى 25 عامًا، للتجارة والاستثمار في البنية التحتية.
والأهم من ذلك، أنه بعد انتهاء الحرب، وسواء تم توقيع اتفاقية مع الولايات المتحدة ترضي الرئيس ترامب أم لا، فمن المرجح أن تكون الصين المصدر الرئيسي لقطع الغيار والمواد الخام والخبرات التي ستمكن إيران من إعادة بناء اقتصادها المنهار، فضلًا عن صناعتها العسكرية.
لقد نُشرت مؤخرًا معلومات تُشير إلى أن الصين أرسلت لإيران، خلال الحرب مع إسرائيل، مواد كيميائية لصناعة المتفجرات ووقود للصواريخ الباليستية الإيرانية، بل وزودتها أيضًا بالعديد من قطع غيار صناعة الطائرات المسيّرة الإيرانية الواسعة النطاق.
ومن المعروف أيضًا أن الصين استمرت – حتى فرض الحصار الأمريكي – في استيراد النفط المهرب من إيران، الأمر الذي دفع الولايات المتحدة إلى فرض عقوبات على مصافي التكرير الصينية التي كانت تشتري النفط الإيراني بأسعار زهيدة للغاية وتدفع للإيرانيين باليوان الصيني، مما يُلزم الإيرانيين بشراء البضائع من الصين فقط. لا يكتفي ترامب بمطالبة الصين بالضغط على النظام في طهران، بل يسعى أيضًا إلى مساعدة الولايات المتحدة في فتح مضيق هرمز، الذي يُلحق حصاره الأمريكي ضررًا بصادرات النفط الإيرانية إلى الصين. ويُذكر أن 13 في المئة من النفط الذي يستهلكه الاقتصاد الصيني الضخم يأتي من إيران.
يبدو أن كل هذا يُشير إلى اهتمام الرئيس الصيني شي جين بينغ بالاستجابة لطلب ترامب وممارسة ضغط هائل على طهران لإبداء مرونة في المفاوضات مع الولايات المتحدة. لكن من المرجح تمامًا ألا يسارع الصينيون إلى الاستجابة لطلب الرئيس الأمريكي، وإذا ما مارسوا نفوذهم في طهران، فسيفعلون ذلك بأسلوب لين ودون ممارسة ضغوط كبيرة. والسبب في ذلك هو أن للصين مصالح عالمية واقتصادية متضاربة، لا سيما فيما يتعلق بمنطقة الخليج العربي.
لقد أبدت الصين حتى الآن دعمًا مترددًا للإيرانيين خلال الحرب، حيث اشترت منهم النفط وقدمت لهم على ما يبدو معلومات عبر الأقمار الصناعية، ويعود ذلك جزئيًا إلى مصلحتها في عدم وجود نظام موالٍ للغرب في طهران يتمتع بعلاقات جيدة مع الولايات المتحدة. مع ذلك، لم يتجاوز دعمها ذلك. وقد اكتسب برنامج “الحزام والطريق” الصيني موطئ قدم هامًا في إيران نتيجة للمواجهة المستمرة مع الأمريكيين منذ انسحاب ترامب من الاتفاق النووي عام 2018. وفي المقابل، حصلت الصين على ميناء في جنوب إيران، على ساحل المحيط الهندي.
وأجرت الصين، إلى جانب روسيا، حليفة طهران الأخرى، مناورات بحرية مشتركة مع البحرية الإيرانية إلى أن دمرت الولايات المتحدة معظم هذا الأسطول. في الواقع، تُعد طهران جزءًا واضحًا من المعسكر المناهض لأمريكا والغرب، إلى جانب الصين وروسيا. لذا، لا تُبدي الصين حاليًا اهتمامًا بالاتفاق الذي يسعى إليه ترامب، والذي من شأنه إنهاء الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، ما سيؤدي إلى خسارة الصين لموقعها الاستراتيجي في منطقة الخليج العربي، حيث تتركز معظم احتياطيات النفط المؤكدة في العالم.
لدى الصين مصلحة في استمرار تدفق النفط الإيراني المهرب الرخيص إليها. فإذا تم توقيع اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران ينهي حالة العداء، ستتمكن إيران من تصدير هذا النفط دون قيود، وستُجبر الصين على دفع ثمن جزء كبير من وارداتها النفطية بأسعار السوق، بدلًا من استلامها بأسعار زهيدة ودفع ثمنها بالعملة الصينية بدلًا من الدولار.
يرى البعض أن للصين مصلحة مهمة في فتح مضيق هرمز لتحرير السفن المحملة بالنفط الإيراني، والتي لا تستطيع حاليًا الخروج من المضيق والإبحار إلى الموانئ الصينية. لذلك، يرى بعض الخبراء أن للصين مصلحة في مساعدة ترامب على فتح مضيق هرمز. ولكن وفقًا لتقارير من شركات معلومات دولية، فإن احتياطيات النفط الصينية هائلة، وستكفي لدعم الاقتصاد الصيني لمدة ستة أشهر على الأقل. لذا، فإن الصين ليست متحمسة إطلاقاً لمساعدة الأمريكيين على فتح مضيق هرمز، ولا سيما للتوصل إلى اتفاق يُحقق المصالحة بين إيران والولايات المتحدة والغرب عموماً، ويُنهي سيطرة الصين على الاقتصاد الإيراني.
المصالح في الخليج
لكن هذه ليست الصورة الكاملة. فللصين أيضاً مصالح هامة في الخليج العربي تُبعدها عن إيران، وقد تدفع الرئيس شي جين بينغ إلى مساعدة ترامب في إنهاء الحرب. وتتمثل المصلحة الرئيسية في القيمة الإجمالية للتجارة الصينية السنوية، صادراتها ووارداتها، مع دول الخليج. تُقدّر معاهد البحوث الدولية قيمة التجارة مع الإمارات العربية المتحدة، التي تُعتبر الآن عدواً لدوداً لإيران، بما يتراوح بين 95 و100 مليار دولار سنوياً. أما قيمة التجارة الصينية مع السعودية، بما فيها النفط، فتبلغ 97 مليار دولار.
في المقابل، تراوحت قيمة التجارة الصينية مع إيران في عام 2023 ما بين 30 و40 مليار دولار، وهذا يشمل قيمة النفط المُهرّب من إيران إلى الصين عبر الأسطول السري. لا تتجاوز القيمة الرسمية للتجارة بين إيران والصين، رغم الاتفاق الضخم بين البلدين، 15 مليار دولار أمريكي سنويًا، بينما تتراوح قيمة النفط المهرب بين 20 و25 مليار دولار، وتدفع الصين ثمنه باليوان.
بعبارة أخرى، فإن مصلحة الصين في الحفاظ على علاقات جيدة مع الإمارات والسعودية، من منظور اقتصادي، تفوق بكثير مصلحتها الاقتصادية في إيران، التي تعجز عن تمويل الاستثمارات الصينية على أراضيها. ولا تخفي الصين جهودها لتعزيز علاقاتها مع السعودية والإمارات، ولذا ستحرص على عدم اتخاذ موقف حاسم إلى جانب طهران. ومن المرجح، نظرًا لتضارب مصالح الصين في إيران، أنه بعد الحرب – حين تسعى طهران لإعادة بناء قدراتها العسكرية – لن ترسل بكين أسلحة كالصواريخ، بل ستكتفي، كما فعلت حتى الآن، بتوريد قطع الغيار والمواد الخام كالصلب.
النتيجة النهائية هي أن ترامب على الأرجح لن يحصل على ما يريده من الرئيس الصيني، باستثناء وعود من شي جين بينغ باستخدام نفوذه من وراء الكواليس لإنهاء الجمود في النزاع حول فتح مضيق هرمز أمام الملاحة. لذا، من المرجح أن يكون ترامب حراً في اتخاذ قرار بشأن الخطوات اللاحقة ضد إيران في نهاية الزيارة.
يبدو أن المسار المفضل لترامب هو تجديد عملية “مشروع الحرية” لفتح مضيق هرمز أمام السفن غير التابعة لإيران، والتي توفر لها البحرية الأمريكية الحماية أثناء إبحارها عبر الطريق الجنوبي للخروج من المضيق، بالقرب من سواحل عُمان، بينما تقوم السفن والقوات الجوية الأمريكية، بما في ذلك غواصة نووية مزودة بصواريخ توماهوك، بتغطيتها من قريب وبعيد. إذا تحرك الإيرانيون ضد السفن، فمن المرجح أن يمتد النزاع إلى مناطق أخرى في إيران، ومن المحتمل جداً أن تتدخل إسرائيل أيضاً. على أي حال، لن يصدر أي خبر من بكين غداً.
——————————————
هآرتس 13/5/2026
نتنياهو هيأ الظروف لانهيار النظام الذي بناه بيديه
بقلم: تسفي برئيل
ظهور واحد لبنيامين نتنياهو في برنامج “ستون دقيقة”، بث املا مفاجئا في نفوس من سئموا من نظام الشر والدمار، الذي يقود إسرائيل بذراع تميل الى الهاوية. لقد ظهر شخص كبير السن، متعب وتغطي وجهه طبقات متشققة من الماكياج، على الشاشة. أقواله كانت غير مترابطة، وامراضه الحقيقية ربما سيتم الكشف عنها في القريب.
زميلي يوعنا غونين لخص أمس في “هآرتس” جوهر الامل في جملة مباشرة وحادة، استنادا الى تشخيص نتنياهو لكيفية سقوط الأنظمة. “هذا يحدث بالتدريج، ثم يسقط فجأة”، قال. “ينطبق القانون الفيزيائي نفسه على نظامه الابدي: يتفكك بالتدريج حتى ينهار في يوم، بمرة واحدة”. وقد أمل غونين ذلك. لكن الطغاة لا يسقطون بهذه السرعة.
انت لست بحاجة الى الغوص في تاريخ الامبراطوريات القديمة مثل روما أو اليونان أو اسبرطة أو مصر من اجل إيجاد الدليل. قبل ثلاثة اشهر فقط سمعنا تاكيدات راسخة ومدروسة ومبنية على أسس متينة حول قرب موت المرشد الأعلى في ايران علي خامنئي، الذي كان مريض وهو اكبر من نتنياهو بعشر سنوات. هذه التاكيدات تنبأت بيقين تام ان رحيله سيؤدي الى انهيار النظام في ايران. قبل 15 سنة قدرت الاستخبارات الإسرائيلية بان أيام زعيم آخر، حسني مبارك، أصبحت معدودة، لانه كان يعاني من سرطان البنكرياس. كان مبارك عمره 82 سنة في حينه. ولكن هذه المعجزة الطبية، التي حكمت مصر اكثر من 30 سنة، استمرت في الحياة رغم هذا التشخيص القاتل – الخاطيء – عقد آخر.
اغتيال خامنئي لم يسقط النظام في ايران، وتمت الإطاحة بمبارك في الانتفاضة الشعبية العارمة، لكن مع عدم وجود بديل، رحل الطاغية في مصر وبقيت الديكتاتورية. تعتبر إسرائيل مثال استثنائي. ففيها أدى اغتيال زعيم الى تغيير النظام، وحولها من ديمقراطية سليمة الى ديكتاتورية ترتدي عباءة الديمقراطية.
يعرف نتنياهو، المتهم المتعب، ان حربه ضد الأعداء الحقيقيين لم تعد تحت سيطرته، وانه يخوض الان حرب أخرى تهدف الى استمرار الديكتاتورية التي خطط لها وبدأ فيها ونظمها وبناها. ومثلما هي الحال في ايران ومصر فان “النظام” في إسرائيل لا يكتفي بسحق المؤسسات الديمقراطية بوحشية، وسحق النظام القضائي، والسيطرة على مناهج التعليم، واسكات وسائل الاعلام، وترسيخ ثيوقراطية قومية فاشية، بل هو يسعى الى تحقيق هدف اخطر بكثير: نحو الذاكرة الجماعية التي تعظم الهوية الديمقراطية لإسرائيل، التي تحتوي على العناصر المطلوبة لاعادة بنائها. ان جيل الشباب من الناخبين في إسرائيل لا يعرف أي نظام آخر. فمفاهيم المواطنة الأساسية غريبة عليهم، وهم يجهلون الحدود الشرعية للدولة. أيضا يجد الجيل الأكبر سنا صعوبة في تذكر شكل الديمقراطية الحقيقية.
بهذه الطريقة يبني نتنياهو أمة جديدة، وحتى لو تغير قادتها فانها ستحافظ على ذاكرتها السياسية. وهو قد ينجح في ذلك. ففي إسرائيل تعلمت الديمقراطية ان تنحني وتلجأ الى الحماية، في حين ان الديمقراطية هي التي تناضل على بقائها – بكفاءة وسرعة وعنف.
لا يمكن ان يكمن الامل في الصورة البائسة للشخص الذي يخاطب شعبه باللغة الإنجليزية، أو في تشخيصه الطبي أو نتائج محاكمته. وقد عبر نتنياهو عن ذلك بوضوح في أقواله لمواطني ايران في 12 آذار الماضي عندما قال: “نحن نعمل على تهيئة الظروف للشعب الإيراني كي يتمكن من اسقاط نظام الطغيان الوحشي… أنا أقول للشعب الإيراني بان اللحظة التي يمكنكم فيها البدء في طريق جديد للحرية تقترب… ولكن في نهاية المطاف الامر يعتمد عليكم، هو في يدكم”. لم يهيء نتنياهو أي شيء للايرانيين، لكنه هيأ الظروف ووفر كل الذرائع لاسقاط النظام في إسرائيل. وأي شيء آخر – إعادة اكتشاف الديمقراطية وتحويلها الى ديمقراطية فاعلة، يعتمد علينا.
——————————————
هآرتس 13/5/2026
يتوسع نطاق مسيرة الاعلام العنيفة في القدس
بقلم: ميخال بريار
يتوقع أن تتصاعد مسيرة الاعلام التي تقرر اقامتها يوم غد، وهي نفس استعراض القوة والعنف والكراهية والعنصرية الذي يقام كل سنة ضمن احتفالات “يوم الاحتلال”، في هذه السنة. فبدلا من مجرد المرور عبر باب الخليل (للنساء) وباب العامود (للرجال) مباشرة الى قلب الحي الإسلامي، يسعى المنظمون الى إضافة مسيرات أخرى عبر باب الساهرة وباب الاسباط. تحاول الشرطة وبلدية القدس التغطية على هذا الانتشار للعنف بشعار “توزيع تحمل العبء”. ولكن ذلك ليس الا عرض آخر، وربما ليس الأسوأ، لتوسع نظام القمع والهيمنة المتجذر بين البحر والنهر.
ما يحدث في القدس يملي وينبيء بما سيحدث في كل المنطقة. ولهذا السبب بالتحديد يجب النظر مباشرة الى واقع القدس، وليس الى رفع الاعلام ومسيرة الكراهية، بل الى روتين الحياة: تتم إدارة القدس كمدينة فصل عنصري – مدينة يعيش فيها مجموعتان سكانيتان معا، كل واحدة منهما لها مجموعة واحدة من الحقوق – ليس فقط بحكم الواقع، بل أيضا بحكم القانون. ويبدو أنه من الضروري الإشارة الى ان 40 في المئة من سكان عاصمة إسرائيل هم من العرب الذين لديهم إقامة دائمة، وهم ليسوا مواطنين في أي دولة أخرى في العالم. من اجل الحفاظ على هذا الوضع الهش يجبرون على الاثبات للسلطات الإسرائيلية صبح مساء بان هذه المدينة هي محور حياتهم، في دوامة بيروقراطية لانهائية تنغص حياتهم، وهدفها هو اجبارهم على الرحيل. بالنسبة للفلسطينيين المقدسيين فان مسالة البقاء في القدس أو البحث عن بدائل لا تتعلق بالتفضيل الشخصي أو كلفة العيش أو حب المدينة، بل تنطوي على خطر فقدان وضعهم المدني الفريد، وهو وضع جزئي ومعيب.
مع ذلك، الحياة اليومية لها تاثيرها الخاص. فكل من يعيش في القدس يعرف بانها مدينة مختلطة، يعيش فيها اليهود – علمانيون، متدينون وحريديون – والفلسطينيون الذين اصبحوا جزء لا يتجزأ من اقتصاد المدينة في العقود الأخيرة. فهم سائقو وسائل النقل العام في المدينة، والباعة في التجمعات التجارية، والأطباء والممرضون الذين يعالجون المرضى في المستشفيات والعيادات، ويشغلون معظم الوظائف الأساسية الأخرى. النتيجة التي يحصلون عليها هي نقص مزمن في السكن، الذي يتفاقم بسبب هدم البيوت، ويعيشون في احياء تعاني بنيتها التحتية من حالة يرثى لها، وتكاد تخلو من المباني العامة والمساحات المفتوحة والملاجيء والخدمات الأساسية، أولادهم مكتظون في مدارس تنقصها الصفوف والمعلمين، أو يتم استبعادهم تماما من جهاز التعليم، ومؤسساتهم الثقافة تتعرض لهجمات متكررة، ومؤخرا يتم طردهم بشكل جماعي من بيوتهم لافساح المجال للمستوطنين. كل ذلك بدون ان يتمتعوا بحقهم الأساسي في المشاركة في الحكم أو تقرير كيفية إدارة شؤون حياتهم.
يشير تحليل العوامل التي أدت في نهاية المطاف الى سقوط نظام الفصل العنصري في جنوب افريقيا الى ان الديناميكية الحضرية، والتي توجد في القدس، لعبت دور مهم في احداث شرخ فيه. المدينة ليست فضاء معزول، حيث يمكن للمرء ان يتظاهر بان الآخر غير موجود، بل هي فضاء للاختلاط والتقارب وأيضا الاحتكاك. لذلك، بدلا من النظر الى الفلسطينيين كعدو يتم تجاهله في افضل الحالات، ويتم استئصاله في أسوأ الحالات، يجب على الرأي العام الذي يعتبر نفسه ليبرالي ان يتبنى الواقع الثنائي القومي للمدينة، ليس بدافع الضرورة فقط، بل كشرط أساسي لتطورها وازدهارها. ومن اجل تحقيق ذلك يجب علينا التوقف عن ترسيخ نظام القمع والسيطرة، والتفكير بدلا من ذلك في كيفية بناء حياة مشتركة تقوم على الشراكة والمساواة في القدس وفي كل مكان.
——————————————
هآرتس 13/5/2026
الصين وهي ترى “أفول القوة الأمريكية وانحدارها التاريخي”: شكراً لترامب
بقلم: لي يوان – نيويورك تايمز
عندما زار ترامب الصين في نهاية العام 2017، استقبله شي جين بينغ باستعراض للتاريخ والثقافة الصينية: جولة خاصة استغرقت أربع ساعات في المدينة المحرمة، توجت بعرض لأوبرا بكين.
بعد ثماني سنوات، ووباء عالمي، وحربين تجاريتين، يعود ترامب إلى بكين. هذه المرة، لم تتصدر عناوين الأخبار في الصين وفي العالم أمجاد الماضي، بل تتحدث عن الهيمنة المستقبلية مع مقالات عن روبوتات راقصة، وأسراب من الطائرات المسيرة، وطنين السيارات الكهربائية الهادئ.
تقدم الصين نفسها بشكل متزايد، ليس كحضارة تتلاشى وتسعى إلى اللحاق بالغرب، بل كقوة عظمى على وشك التفوق عليه. القوميون في الصين والمحللون المقربون من السلطات يقولون إنهم مدينون لترامب بذلك. ويقولون إن الولايات المتحدة في عهده تؤكد رؤية شي جين بينغ للعالم، التي تركز على “صعود الشرق وانحدار الغرب”.
لعقود طويلة، نظر كثير من الصينيين للولايات المتحدة بمزيج من الإعجاب والحسد والاستياء. فقد كانت أمريكا تمثل الثروة والتقدم التكنولوجي والأمن المؤسسي. وحتى من ينتقدون واشنطن، ويكرهون النظام الأمريكي، كانوا يفترضون في أحيان كثيرة أنه ناجح.
لكن صعود ترامب وفترة ولايته الثانية المضطربة في البيت الأبيض حطمت هذه الصورة.
أصدر معهد أبحاث قومي مقره في بكين، تابع لجامعة رينمين، تقريراً في كانون الثاني، لخص السنة الأولى لترامب في منصبه. وأشار التقرير إلى أن تعريفاته الجمركية وهجماته على حلفاء الولايات المتحدة وسياسته المناهضة للهجرة وهجماته على المؤسسة السياسية الأمريكية، كل ذلك عزز الصين بدون قصد، في حين أضعف الولايات المتحدة. وقد كان عنوان التقرير “شكراً لك يا ترامب”.
والتقرير وصف ترامب بأنه “مسرع التدهور السياسي لأمريكا”، وجادل بأن الولايات المتحدة تتدهور نحو الاستقطاب والشلل المؤسسي، بل وحتى “عدم الاستقرار بما يشبه أمريكا اللاتينية”. وقال كاتبو التقرير بأن عداء ترامب للصين كان بمثابة “عامل مسرع معاكس”، وحد البلاد وساعدها على تحقيق استقلالها الاستراتيجي.
وأشار كاتبو التقرير إلى أنه “في هذه اللحظة التاريخية الحاسمة” كان كل ما يسمع بمثابة جرس إنذار ينذر بانحدار إمبراطورية؛ أي إشارة إلى أن الولايات المتحدة تمر في مرحلة انحدار تاريخي.
هذا الخطاب الذي كان محصوراً في زوايا قومية في الإنترنت الصيني، أصبح يتغلغل بشكل متزايد في الخطاب السياسي السائد. ودلائل هذا التحول قابلة للقياس. فقد تضاعف استخدام المصطلحات المتعلقة بـ “انحدار أمريكا” في المصادر الصينية الرسمية تقريباً في بداية 2025، حسب دراسة أجراها باحثان في معهد بروكينغز في واشنطن العاصمة.
لم تبدأ رواية انحدار أمريكا مع ترامب؛ فقد دأبت وسائل الإعلام الصينية الرسمية والمحللون القوميون هناك طوال سنوات، على تصوير أحداث إطلاق النار الجماعي والاشتباكات في الشوارع والاستقطاب السياسي والتفاوت الاقتصادي في الولايات المتحدة كدليل على فشل الديمقراطية الغربية. كما تبنت وسائل الإعلام الرسمية مؤخراً عبارة “خط القتل” السائدة، والمستعارة من عالم ألعاب الفيديو، من أجل وصف ما صورته بأنه انحدار لا رجعة عنه للطبقة العاملة في الولايات المتحدة. هذه حيلة مألوفة للحزب الشيوعي من أجل حرف انتباه الرأي العام في الصين عن مشكلات البلاد الداخلية.
لكن عودة ترامب إلى البيت الأبيض لولاية ثانية، وقرارات إدارته الفوضوية حول السياسة الداخلية والخارجية، وفرت لآلة الدعاية الصينية مادة دسمة جديدة. تنتشر صور مداهمات الهجرة، وحادثة إطلاق النار في مينيابوليس، والمعارك السياسية الحادة، على نطاق واسع في الشبكات الاجتماعية في الصين، مرفقة بتعليقات تدعي الانتصار على اختلالات أمريكا. ما كان يبدو في السابق دعاية مبالغاً فيها لكثير من المثقفين الصينيين، بدا للبعض وصفاً للواقع.
الصين وحدها قادرة على إنقاذ ترامب
قال مستشار تعليمي عمره 31 سنة من شمال الصين، يقدم الاستشارة للعائلات بشأن التعلم في الخارج، لصحيفة “نيويورك تايمز”، بأن الآباء الذين كانوا يطمحون إلى دراسة أولادهم في جامعات النخبة في أمريكا، أصبحوا ينظرون إلى أمريكا بأنها “فوضوية جداً”. وقال هذا المستشار الذي اكتفى باسم عائلته، وانغ، إنه قبل عشر سنوات، كان أكثر من 80 في المئة من طلابه يفكرون في التعلم في الولايات المتحدة. ولكنه يقدر الآن بأن هذه النسبة هبطت إلى 45 في المئة.
وقد وصف وانغ كيف شاهد لقطات لأنصار ترامب وهم يقتحمون مبنى الكابيتول في 6 كانون الثاني 2021، ووجد نفسه يفكر في “الحرس الأحمر” الذي أرسله ماو تسي تونغ لتفكيك مؤسسات الصين خلال الثورة الثقافية. وقد تعزز هذا الشعور بسبب اقتحامات مسؤولي الهجرة في المدن الأمريكية، وتركيز الإدارة على خصوم الرئيس ترامب خلال ولايته الثانية.
وقال وانغ: “أمريكا التي كانت تمثل الثروة والحرية والأمن المؤسسي، تبدو الآن وكأنها تنتمي لعصر آخر”.
وقد تحول النقاش بين محللي السياسة الخارجية في الصين إلى ما يمكن أن تجنيه بكين من العلاقات الثنائية، التي أصبحت أكثر جدية في عهد ترامب مقارنة مع عهد الرئيس الديمقراطي جو بايدن.
هوانغ جينغ، المحاضر في جامعة شنغهاي للدراسات الدولية، قال في فعالية إعلامية مباشرة في نهاية العام 2025: “الصين وحدها هي القادرة على إنقاذ ترامب”. وأضاف بأنه قبل انتخابات نصف الولاية في تشرين الثاني القادم، يحتاج ترامب إلى إنجازات ملموسة، مثل شراء الصين فول الصويا والذرة والغاز الطبيعي من الولايات المتحدة. وأوضح بأن هذه الخطوات قد تساعد الولايات المتأرجحة. وقال هوانغ في الفعالية نفسها: “منذ وصول ترامب إلى السلطة، أصبحت الولايات المتحدة أكثر ميلاً إلى تقديم التنازلات”.
وقدم وو شين بو، الباحث في الشؤون الأمريكية في جامعة فودان، تقييماًمشابهاً، وقال في الفعالية نفسها بأنه إذا خسر الجمهوريون السيطرة على مجلس النواب في الخريف القادم، فمن المرجح أن يركز ترامب على إنجازاته في السياسة الخارجية، ما يفسح المجال لاتفاق أوسع مع الصين. “على الصين استغلال هذه الفرصة على أكمل وجه”، قال.
الحرب مع إيران تعزز اعتقاداً بأن الصين تتمتع بميزة على ترامب. ففي مؤتمر عقد في نهاية نيسان الماضي، قال وو شين بو بأن الحرب قلصت قوة واشنطن التفاوضية مع الصين، في حين زادت قوة بكين، لأنها تجذب الانتباه العسكري والدبلوماسي الأمريكي للشرق الأوسط.
هذا المنطق يفسر سبب أن الخطاب الصيني الرسمي تجاه ترامب أقل عدائية في أحيان كثيرة مقارنة مع بايدن. وحسب مشروع نشرته صحيفة “تراكينغ بيبولز ديلي”، الذي استخدم الذكاء الصناعي لتحليل 7 آلاف بيان صيني رسمي تقريباً منذ العام 2021، فقد تم تصوير بايدن بأنه تهديد أكثرشمولية، إلى درجة أن بينغ اتهم واشنطن بـ “التطويق والقمع”، وهو مصطلح عدائي غير مألوف لزعيم صيني.
في المقابل، أشارت الدراسة إلى أن “نهج ترامب في إدارة العلاقات وكأنها أعمال تجارية، أمر تتفهمه بكين ويمكنها العمل معه”.
مع ذلك، الاعتقاد بتراجع الولايات المتحدة كإمبراطورية لم يُترجم بعد إلى سياسة خارجية عدوانية من جهة الصين، على الأقل ليس من نوع المقامرة الجيوسياسية الصريحة التي قامت بها روسيا قبل غزو أوكرانيا.
لقد أصبحت الصين بالفعل أكثر حزماً، حيث استخدمت الضغوط على حلفاء الولايات المتحدة، ووسعت نشاطها العسكري حول تايوان وقيدت صادرات المعادن الأرضية النادرة رداً على تعريفات ترامب الجمركية. ولكن حتى مع ترويجها لفكرة تراجع النفوذ الأمريكي، تبدو الصين حذرة من المواجهة المباشرة مع ما يزال كثير من المحللين الصينيين يصفونه بالقوة العظمى الخطيرة.
يكمن عاملان وراء هذا الحذر: الأول، اعتقاد الكثير من الاستراتيجيين الصينيين بأن بكين قد تحقق مكاسب أكثر إذا التزمت الحيادية، في حين تتعثر إدارة ترامب. والآخر أن أمريكا غير المستقرة والمشتتة قد تكون أكثر تقلباً. ويحتاج الاقتصاد الصيني، الذي يعتمد على التصدير، إلى نظام دولي مستقر كي يعمل. وتقول ديزوينغ غيوان لين، الخبيرة الاقتصادية في مجلس العلاقات الخارجية، إن أمريكا المتقلبة تهدد هذا الاستقرار بطرق لم تكن أمريكا الآمنة والمستقرة لتفعلها أبداً. “إن شي جين بينغ يحصل على أمريكا التي طالما أرادها. وفي الوقت نفسه، يحصل على أمريكا التي كان يخشى منها كثيراً”، قالت.
——————————————
هآرتس 13/5/2026
تعيين “ضابط” لإقامة “مزارع استيطانية” بالضفة الغربية.. منسق إدارة أم “منظم الإرهاب اليهودي”؟
بقلم: يهوشع براينر
ستعين الشرطة ضابطاً برتبة عقيد شرطة سيكون مسؤولاً عن التواصل مع مزارع المستوطنين في الضفة الغربية بسبب تزايد عدد هذه المزارع، رغم أنها بؤر استيطانية غير شرعية حتى الآن. وقد أعلنت إدارة الموارد البشرية في الشرطة مؤخراً عن استحداث وظيفة “رئيس إدارة المزارع”، الذي من المفروض أن ينظم إقامة المزارع ويرسم خرائطها وينسق إقامتها مع المستوطنين والجيش الإسرائيلي والإدارة المدنية و”الشاباك”. ومن المفروض أن يتعامل مع “المشاغبين” ونشطاء اليمين الذين يترددون على المزارع ويستخدمون العنف ضد الفلسطينيين. هذا التعيين دليل إضافي على روح الدعم التي تحصل عليها المزارع من المؤسسة الأمنية في السنوات الأخيرة.
وقال مصدر أمني رفيع المستوى إن هذا الضابط سيطلب منه صياغة إجراءات عمل مع مؤسسي المزارع، ولكنه أكد أن هذا لا يعتبر في نظر الشرطة رخصة لإقامة بؤر استيطانية. “القانون أولاً، ولن نتسامح مع البؤر الاستيطانية غير القانونية”، قال المصدر. “تقام المزارع بالتعاون مع المؤسسة الأمنية والجيش الإسرائيلي، ومن المفروض أن يتولى الضابط مسؤولية حفظ النظام وإنفاذ القانون. الهدف هو إبعاد الشباب عن دائرة العنف، وربما تكون هذه المزارع جزءاً من الحل. سنتخذ موقفاً حاسماً ضد الذين يستخدمون العنف”. في الوقت نفسه، قال مصدر أمني رفيع المستوى بأن هناك أيضاً ضابطاً كبيراً في الجيش الإسرائيلي مسؤولاً عن التواصل مع مستوطني المزارع. ولم تتبين بعد طبيعة توزيع المهمات بينه وبين ضابط الشرطة المعين.
اللواء آفي بلوط، قائد قيادة المنطقة الوسطى، يفرق بين المزارع التي قال إنها أقيمت بالتنسيق مع الجيش ووزارة الدفاع وبين “البؤر الاستيطانية التي تقام دون تنسيق وتطلق على نفسها اسم مزارع”. وصرح بلوط مؤخراًبأنه في السنوات الثلاث الأخيرة، أقيمت 150 مزرعة في الضفة الغربية، وإنها تساهم في منع “انتشار البناء الفلسطيني غير القانوني” في المناطق “ج”، وفي مكافحة الإرهاب. وفي منتدى مغلق، قال بلوط إن “90 في المئة من العنف ضد الفلسطينيين ينطلق من البؤر الاستيطانية”، وليس من المزارع. في المقابل، يعتقد رئيس جهاز “الشاباك” السابق، رونين بار، أن المزارع كانت من الأسباب الرئيسية لازدياد أعمال العنف والإرهاب ضد الفلسطينيين.
في الوقت نفسه، تقود الشرطة تغييراً جوهرياً آخر في التعامل مع عنف المستوطنين. فقد علمت “هآرتس” أن قسم مكافحة الجريمة القومية، المسؤول عن مكافحة الإرهاب اليهودي في الضفة الغربية، لن يكون تابعاً للوحدة المركزية في “يهودا والسامرة”، بل سيخضع مباشرة لنائب قائد المنطقة. ولا يوجد الآن قائد للقسم، بعد نقل قائده أفيشاي معلم من منصبه للاشتباه بتجاهله معلومات لـ “الشاباك” حول عناصر إرهابية يهودية. وكان هدف ذلك هو الحصول على ترقية من وزير الأمن الوطني بن غفير. ومنذ ذلك الحين، تم تعيين قادة بالوكالة لقيادة الوحدة التي تتألف من قسمين: واحد مسؤول عن الجرائم الخطيرة، والآخر مسؤول عن الجرائم القومية ويعمل بالتنسيق مع “الشاباك”.
حسب مصادر أمنية رفيعة المستوى، جاء إخراج قسم الجريمة القومية من صلاحية الوحدة المركزية لـ “يهودا والسامرة” بناء على توجيهات نتنياهو قبل أسابيع، التي تقضي بإقامة “مقر عمليات” للشرطة وحرس الحدود وقوات أمن أخرى، لمكافحة الإرهاب اليهودي. ورغم أن إخضاع هذا القسم للقيادة الرئيسية قد يكون مؤقتاً، لكن نتنياهو أمر باستمرار عمل المقر إلى إشعار آخر. وتناقش الشرطة والمؤسسة الأمنية حالياً أسلوب العمل والتنسيق بين الجيش و”الشاباك” وقوات القيادة الرئيسية.
وقد أبلغت المؤسسة الأمنية صحيفة “هآرتس” بأن هذه الخطوة قد تضعف قسم الجرائم القومية، لأنه لن يتمكن من الوصول إلى الأدوات التكنولوجية المتقدمة الموجودة لدى القيادة الرئيسية، بما في ذلك أدوات التنصت والرقابة. من جهة أخرى، قال ضابط كبير في الشرطة بأن هذا التغيير قد يعزز القسم ويزيد قوته. ويخشى ضباط الشرطة الذين يعملون في الضفة الغربية حالياً من الوصول إلى المقر الرئيسي، لأنهم يحصلون على مزايا وزيادة في الراتب عند خدمتهم في وحدات أخرى في المنطقة، وهي مزايا ستسحب منهم عند الانتقال إلى مقر قيادة المنطقة.
—————-انتهت النشرة—————–

