بقلم: د. يوئيل غوزانسكي
ظهر مؤخراً خطاب جديد في الخطاب العام في العالم العربي، وهو خطاب إشكالي للغاية من وجهة نظر إسرائيل: المقارنة بين “إيران الكبرى” و”إسرائيل الكبرى”. ظاهرياً، هو نقاش فكري حول الطموحات الإقليمية، لكن في الواقع، مجرد إرساء هذه المقارنة يُشير إلى تحول سلبي في النظر الى دور إسرائيل في الشرق الأوسط.
لقد وجد هذا تعبيّره مؤخراً في مقال نُشر على شبكة “العربية” بقلم رئيس التحرير السابق، عبد الرحمن الراشد، المقرب من القيادة السعودية والذي يبدو أنه يعكس رأيها. يُصوّر المقال التاريخ الإقليمي كصراع بين مشروعين: أحدهما إيراني والآخر إسرائيلي. وكما سعت إيران إلى بناء نفوذ إقليمي يمتد من طهران إلى البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر، تُصوّر إسرائيل أيضاً على أنها تروج لرؤيا “إسرائيل الكبرى”.
هذه المقارنة ليست فقط غير مُبرّرة تاريخياً، بل هي أيضاً خطيرة استراتيجياً. فعلى مدى أربعة عقود، استخدم المشروع الإيراني شبكة إقليمية من الوكلاء – في لبنان وسوريا وغزة واليمن – لبناء نفوذ عابر للحدود. هذا نموذج للتوسع الإقليمي قائم على تقويض سيادة الدولة. أما إسرائيل، فلم تتصرف بهذه الطريقة قط. لكن المشكلة لا تكمن فقط في الرواية العربية، بل في السلوك الإسرائيلي نفسه. فمنذ السابع من أكتوبر، اكتسب خطاب سياسي زخماً في إسرائيل يُضفي الشرعية على أفكار الضم، والسيطرة الدائمة على الأراضي، وتغيير الحدود بالقوة.
الخطاب الذي كان مُخصّصاً لإيران يُناقش الآن أيضاً في سياق إسرائيل
عندما يتحدث الوزراء علنًا عن ضم الضفة الغربية، وعندما تُطرح أفكار إعادة الاستيطان في غزة داخل الحكومة، وعندما يبتعد الخطاب العام في إسرائيل أكثر فأكثر عن فكرة التسوية السياسية، فلا عجب أن يُفسَّر هذا في المنطقة كجزء من مشروع أوسع. بعبارة أخرى: حتى لو كانت “إسرائيل الكبرى” مجرد أسطورة سياسية، فإن الحكومة الإسرائيلية الحالية تبذل جهودًا كبيرة لجعلها تبدو ذات مصداقية في نظر جيرانها.
إن توقيت اكتساب هذه الرواية زخمًا ليس من قبيل الصدفة. فقد أدى ضعف المحور الإيراني في أعقاب الصراعات الإقليمية إلى فراغ استراتيجي. وفي ظل هذا الفراغ، بدأ سؤال جديد يبرز في العالم العربي: إذا انسحبت إيران، فهل ستحاول إسرائيل ملء فراغها؟
بالنسبة لدول الخليج، هذا ليس مجرد سؤال نظري. فقد تواصل بعضها مع إسرائيل انطلاقًا من إدراكها لمصالح مشتركة تجاه إيران. لكن لا يمكن إقامة شراكة إقليمية على المدى الطويل إذا نُظر إلى أحد الأطراف على أنه يسعى إلى فرض هيمنته الإقليمية. هنا يكمن الخطر الحقيقي. لقد نجحت إسرائيل في كسر بعض عزلتها الإقليمية خلال العقد الماضي. فقد كانت هذه الدول تُنظر إليها كقوة تكنولوجية واستخباراتية وعسكرية، وأيضًا كشريك محتمل للاستقرار الإقليمي. لكن الخطاب الجديد يهدد بقلب هذه الصورة رأسًا على عقب: فبدلًا من أن تُنظر إليها كقوة استقرار، قد تُنظر إليها كقوة إقليمية ذات طموحات توسعية.
في الشرق الأوسط، لا تقل التصورات السياسية أهمية عن الحقائق، بل قد تفوقها قوةً في بعض الأحيان. فبمجرد ترسيخ سردية معينة في الوعي الإقليمي، يصعب اقتلاعها. إذا استمرت إسرائيل في السماح لخطاب الضم والتوسع بتوجيه سياستها، فقد تكتشف أن أسطورة إسرائيل الكبرى لم تعد مجرد دعاية عدائية، بل تصورً راسخً حتى بين من كان يُفترض أن يكونوا شركاءها الإقليميين.

