| افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات |
هآرتس 12/5/2026
هل الصيغة لانهاء الازمة ستكون تايوان مقابل ايران
بقلم: ايال بروبر
من المقرر ان يصل دونالد ترامب الى بجين غدا، وهي زيارة يتحدث ويغرد عنها بكثرة، مظهرا تفاؤل كبير باهميتها ونجاحها. اذا كانت لدى أي شخص شكوك حول إمكانية اجراء الزيارة، فقد اعطي الاذن في الأسبوع الماضي لهبوط اربع طائرات عملاقة في بجين، قامت بانزال سيارات ومعدات من اجل أمن الرئيس، وبعد ذلك تم الحصول على موافقة الصين. القمم بين القادة ليست امر روتيني، بل يتم التخطيط لها بدقة متناهية، حيث يسعى كل طرف الى اصدار بيانات والتوصل الى اتفاقات تساهم في تعزيز العلاقات والمصالح الوطنية. ما هي اذا اهداف الزيارة في هذه الفترة المضطربة؟.
قام ترامب بزيارة رئاسية واحدة في الصين في تشرين الثاني 2017، في بداية ولايته الأولى. وقد حظي هناك على كرم ضيافة خاص من شي جين بينغ، بما في ذلك مادبة عشاء رسمية في المدينة المحرمة، ليصبح اول رئيس امريكي يحظى بهذا الشرف. وفي تلك الزيارة أشاد ترامب بشي جين بينغ وقال، ضمن أمور أخرى، “لدينا توافق كبير، وأنا اعتقد اننا سنحقق معا إنجازات عظيمة للصين ولامريكا”. والمح ترامب الى ان الإدارات السابقة تصرفت بشكل غير لائق في مجال التجارة. وأضاف بانه لا يلوم الصين على استغلال هذا الوضع لتحقيق مكاسب على حساب الولايات المتحدة. وخلص الى القول: “الان سنعمل معا لجعل التجارة عادلة، وسيكون هذا في صالحنا جميعا”. ربما يكون الرئيس الصيني قد اعجب بإمكانية التعاون، على غرار ما فعلته الصين مع الرؤساء الأمريكيين السابقين.
ولكن بعد الزيارة ادرك الصينيون ان الاقوال شيء والواقع شيء آخر. عاد ترامب الى واشنطن وبدأ حرب تجارية وفرض عقوبات قاسية على الشركات الصينية. وبعد بضعة اشهر اعلن ترامب انسحاب احادي الجانب من الاتفاق النووي مع ايران، وهو الاتفاق الذي وقعت عليه الصين كدولة من الدول الستة، وساهم شي جين بينغ شخصيا في نقل الرسائل الامريكية الى القيادة الإيرانية في المراحل النهائية من المفاوضات.
بلغ التوتر بين بجين وواشنطن الذروة في كانون الأول 2018، في اعقاب اصدار مذكرة اعتقال أمريكية أدت الى اعتقال مينغ فان هوا في كندا، وهي ابنة مؤسس شركة هواوي، والنائبة المالية لمدير عام الشركة، بتهمة بيع غير قانوني لإيران. كان الرئيس ترامب يعرف أهمية مينغ في النخبة الصينية، ووصفها في احاديث خاصة بانها “ايفنكا ترامب الصينية”. اعتبرت الصين هذه الخطوة إهانة غير مباشرة. لقد أدت خطوات ترامب الى ازمة مستمرة ازدادت على مر السنين، ولم يتم التوصل الى اتفاق لاطلاق سراح مينغ الا في أيلول 2021 في فترة ولاية جو بايدن.
الان في ظل الحرب مع ايران، وبينما تواصل واشنطن فرض عقوبات على الشركات الصينية والتحرك بقوة ضد التواجد الصيني في نصف الكرة الغربي، مع التركيز على فنزويلا وبنما، سيعود ترامب كضيف الى بلاط الإمبراطورية.
في غضون ذلك تستمر المناوشات العلنية بين واشنطن وبجين، سواء في اعلان بجين عن وقف استحواذ شركة ميتا على شركة مانوس الصينية للذكاء الاصطناعي، أو في الإعلان الأمريكي عن فرض عقوبات على مصافي النفط الصينية بسبب تعاونها مع ايران.
الاستنتاج هو ان أي تصريح امريكي إيجابي بشان قضية تايوان قد يؤدي الى خطوات صينية تجاه ترامب، بما في ذلك في سياق انخراط بجين بشكل اكبر في جهود التوصل الى حل دبلوماسي لازمة الخليج. ولن ترضى الصين بأقل من ذلك. في كل الحالات، اظهار التعاون علنا بين زعماء القوى العظمى قد يساهم في تخفيف شدة التوتر العالمي، وربما استقرار النظام الدولي بدرجة معينة.
——————————————
هآرتس 12/5/2026
صراعات الخلافة في قيادة فتح ترتفع درجة وفي قلبها ابن عباس
بقلم: جاكي خوري
بعد ستة اشهر، عندما سيبلغ التسعين من عمره، ما زال الرئيس الفلسطيني محمود عباس يشغل ثلاثة مناصب. فبالاضافة الى رئاسة السلطة الفلسطينية، يترأس م.ت.ف وحركة فتح، وهي الحركة والحزب الأكبر في المنظمة. قبل حوالي ستة اشهر حاول عباس رسم ملامح المرحلة القادمة، عندما قرر تعيين حسين الشيخ كنائب له. ولكن في ظل غياب آلية واضحة لخلافته، وبدون اتفاق داخلي على هوية الرئيس القادم، أصبحت فتح ساحة صراع بين معسكرات متنافسة تسعى الى السيطرة على مراكز القرار.
هذا لم يكن الذي من المفروض ان يكون عليه مؤتمر فتح الثامن الذي سيفتتح في يوم الخميس في رام الله. فقد مر تقريبا عقد على المؤتمر السابق، وتغير الواقع الفلسطيني بشكل جذري. تواجه السلطة الفلسطينية، التي تعتبر حركة فتح الركيزة السياسية والتنظيمية لها، الازمة الاعمق من تاسيسها. في الواقع هي ازمة ضمن ازمة القيادة العامة للشعب الفلسطيني، المنقسم بين قطاع غزة والضفة الغربية، وهي الأكثر شدة منذ العام 1948.
لكن بدلا من نقاش استراتيجي حول مستقبل الحركة، مصحوب بمراجعة شاملة للانقسام الفلسطيني الداخلي والعلاقة مع إسرائيل والانهيار التام للعملية السياسية، أو حول ما حدث بعد 7 أكتوبر والحرب في غزة، يركز المؤتمر بشكل رئيسي على سؤال واحد وهو رسم خارطة القوة في قيادة فتح لليوم التالي على رحيل عباس. بكلمات أخرى: تقسيم الميراث.
ناشط في حركة فتح، لم يحسم امره حول المشاركة في المؤتمر، قال لـ “هآرتس”: “هناك عدد قليل يعتقدون ان هذا المؤتمر سيحمل معه انباء سياسية جديدة. ولكن المؤكد هو ان نتائجه ستؤثر على ميزان القوة الذي سيحدد مسار الحركة ومسار السلطة الفلسطينية في السنوات القادمة”. وحسب قوله، مع اقتراب نهاية عهد عباس، الذي سيحتفل بعيد ميلاده الواحد والتسعين في نهاية هذه السنة، فان انتخابات اللجنة المركزية تتجاوز كونها مجرد انتخابات داخلية عادية. لان الحركة تعتبرها اختبار لقوة المعسكرات المتنافسة على القيادة، بما في ذلك ممثلو الأجهزة الأمنية والجيل القديم والجيل الجديد.
يسعى حسين الشيخ، نائب عباس والمرشح لخلافته مؤقتا، الى ترسيخ قبضته على الأرض، لكنه يحرص على التأكيد بان الرئيس الفلسطيني القادم يجب انتخابه مباشرة من قبل الشعب.
وسيشارك حوالي 2500 عضو في هذا المؤتمر، معظمهم من الضفة الغربية، والآخرون عبر تقنية الفيديو من قاعات في غزة ومصر ومخيمات اللاجئين في لبنان. وسينتخب المشاركون 18 عضو للجنة المركزية، الهيئة الأقوى في حركة فتح، وعشرات الأعضاء الاضافيين للمجلس الثوري، الذي هو بمثابة الهيئة التشريعية للحركة.
في مركز هذه الدراما يقف نجل رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس (أبو مازن)، ياسر، الذي يترشح لعضوية اللجنة المركزية. عباس الابن هو رجل اعمال عمره 64 سنة، لم يكن يعتبر حتى الان شخصية بارزة في حركة فتح، لكنه بدأ يظهر بشكل متزايد الى جانب والده في اللقاءات السياسية والفعاليات الرسمية في السنتين الأخيرتين. ويشارك في هذه الفعاليات بصفته مساعد أو مستشار أو ممثل شخصي لوالده، في محاولة كما يبدو لادخاله بالتدريج الى الساحة السياسية ووضعه في مكان نفوذ.
ناشط قديم في حركة فتح قال ان تحركات ياسر عباس ووالده ومحيطه المقرب، تثير التساؤلات. وبحسبه فقد انضم عباس الابن في الفترة الأخيرة الى لقاءات موثقة بالفيديو مع رؤساء الأجهزة الأمنية الفلسطينية وإدارة شؤون الاسرى، المراكز الرئيسية لقوة السلطة في الحركة ومؤسساتها. يضاف الى ذلك انضمام عشرات رجال الامن مؤخرا، معظمهم من حرس الرئيس عباس، للمؤتمر كاعضاء مصوتين. إضافة الى ذلك فان سعي ياسر عباس الابن للترشح لمنصب ممثل عن فرع حركة فتح في لبنان، رغم ان معظم حياته يقضيها مع والده في رام الله، يثير تساؤلات كثيرة.
مؤيدو ياسر عباس يقولون أن نسبه العائلي لا يجب ان يمنعه من الترشح لمنصب في مؤسسات الحركة. وقد قال احد المقربين من عباس لـ “هآرتس”: “واضح للجميع ان زعامة الشعب الفلسطيني ليست منصب وراثي. في نهاية المطاف سيتم حسم الامر في صناديق الاقتراع. لذلك، أنا لا أرى أي مشكلة في ذلك”.
ولكن في هذا النقاش لم تكن لامسالة شخصية فقط. فبالنسبة لكثيرين تجسد محاولة دعم نجل الرئيس، في الوقت الذي يشهد فيه الشعب الفلسطيني تراجع في ثقته بالسلطة الفلسطينية، في ظل غياب الانتخابات منذ عشرين سنة، مستوى عمق الفجوة بين القيادة الفلسطينية والشعب.
يعتقد من يعارضون ياسر عباس أنه تم دفعه لهذا المنصب من اجل عرقلة نائب والده، حسين الشيخ، الذي كان يعتبر حتى فترة قصيرة من المقربين جدا منه. يتولى الشيخ، المسؤول المخضرم الذي ينظر اليه في إسرائيل بانه شخص براغماتي، منصب الرئيس المؤقت للسلطة الفلسطينية في الأشهر الأخيرة، حيث يقوم بعقد محادثات سياسية في المنطقة ويلتقي مع المحافظين ورؤساء الأجهزة الأمنية. وفي هذا السياق ينظر اليه بانه يسلك مسار مختلف، ساعيا الى ترسيخ قبضته على الأرض تمهيدا لما بعد عباس. وفي نفس الوقت يحرص على التأكيد على ان الرئيس القادم سينتخب في صناديق الاقتراع.
وقد دخل منافس آخر الى هذا التشابك في المصالح، وهو أيضا جزء من الحرس القديم نفسه، وهو رئيس المخابرات الفلسطينية ماجد فرج، الذي يعتبر من الأشخاص الأقوياء في الهيكل التنظيمي للسلطة الفلسطينية، والمقرب من الرئيس عباس. ويحظى فرج، الذي نشأ في مخيم الدهيشة للاجئين في جنوب بيت لحم، بدعم واسع في أوساط سكان مخيمات اللاجئين في الضفة الغربية. وقد قال احد أعضاء حركة فتح، الذي خدم في الأجهزة الأمنية: “اذا تمكن فرج وياسر عباس من الانضمام للجنة، فان هذا سيكون عقبة امام الشيخ وطموحاته، لا سيما فيما يتعلق بقدرته على حشد الأجهزة الأمنية الى جانبه”.
في نفس الوقت يخوض بعض قادة فتح المخضرمين الذين انتقدوا عباس على مر السنين، معركة حقيقية على البقاء. ومن بينهم عباس زكي وتوفيق الطيراوي مثلا. وما زال المرشحين المخضرمين الآخرين في اللجنة، رئيس الوزراء السابق محمد اشتية وجبريل الرجوب، الذي يشغل حاليا منصب رئيس الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم، يتمتعان بنفوذ سياسي كبير، ولكن قد يتم تهميشهما أيضا في ظل ازدياد الانتقادات الموجهة لمن يمثلون النظام السابق.
يسعى شباب فتح الى ضخ دماء جديدة في الحركة لاسترجاع الثقة بها وجذب جيل شاب يتوق الى تبني مبادئها، يعرف ان تحقيق ذلك يحتاج الى تغيير جذري، يشمل في المقام الأول، صياغة رؤية وسياسة واضحة حول كل القضايا المطروحة مثل توسع الاحتلال، عنف المستوطنين، الكارثة في قطاع غزة، الازمة الاقتصادية في الضفة الغربية.
في هذا السياق يعتبر حسام زملط، سفير فلسطين في لندن، الذي هو من مواليد غزة وترعرع فيها، من ابرز الأسماء في المؤتمر. يمثل زملط بالنسبة للكثيرين جيل جديد، أكثر نضجا من القيادة الفلسطينية: جيل يتقن لغة عالمية ويتمتع بشبكة علاقات واسعة.
عضو سابق في اللجنة المركزية قال لـ “هآرتس”: “قد ينظر الى المؤتمر من الخارج على أنه صراع على بقايا السلطة الفلسطينية المتعثرة، لكن له أهمية كبيرة. عاجلا أو آجلا سيتنحى عباس عن منصبه، وقد تكون اللجنة المركزية في فتح هي الجهة التي ستقرر من الذي سيقود الفلسطينيين في المرحلة القادمة”.
مشكلة هذا المؤتمر لا تكمن في الصراع على الخلافة فقط، بل في الشعور بان حركة فتح لم تعد تعمل كحركة تحرير وطني لها رؤية سياسية واضحة، بل كنظام حكم يخوض صراعات داخلية على السلطة والمال والنفوذ.
تهيمن شخصية مروان البرغوثي على هذه الصراعات. فهو يتمتع بشعبية كبيرة في قطاع غزة وفي الضفة الغربية، رغم انه في السجن الإسرائيلي منذ 25 سنة تقريبا. ربما بسبب ذلك بالتحديد. يعتبر البرغوثي رسميا عضو في اللجنة المركزية لحركة فتح. ويعتقد كثيرون انه الوحيد الذي يمكنه استعادة بعض الشرعية التي فقدتها الحركة. ولا تستبعد حركة فتح إمكانية اعلان البرغوثي كرئيس جديد لها في لحظة الحقيقة، من اجل اطلاق حملة عربية ودولية للافراج عن الشخص الذي يلقب على الاغلب بـ “مانديلا الفلسطيني”. ولكن المقربين من البرغوثي والمؤيدين له يقلقون جدا حول وضعه. ففي شهر آب الماضي تمت مشاهدته نحيل ومرهق عندما زار وزير الامن الوطني ايتمار بن غفير زنزانته.
التحديات الخارجية
يتم عقد المؤتمر في ظل الرغبة في المصالحة الداخلية. ومن المفروض أن يضم ممثلين عن مختلف المعسكرات، لكن عمليا، يتوقع ان يعمق الخلافات، ويتوقع أن يقاطعه اثنان من المعارضين البارزين للرئيس عباس، الأول هو ناصر القدوة الممثل السابق لـ م.ت.ف في الأمم المتحدة وابن شقيقة ياسر عرفات. وقد تمت اعادته مؤخرا الى حركة فتح بعد ان طرد منها، ولكنه اعلن بانه لن يشارك في المؤتمر بادعاء أن المؤتمر اصبح ساحة للصراعات الشخصية على السلطة بدلا من ان يكون اطار لنقاش سياسي حقيقي.
من المرجح أيضا ان لا يشارك محمد دحلان والحركة الإصلاحية التي يقودها. دحلان، الرئيس السابق للامن الوقائي في قطاع غزة، تم طرده من حركة فتح قبل اكثر من عشر سنوات. وقد باءت محاولات استرضاءه التي بذلت مؤخرا بمبادرة جهات في مصر، بالفشل. ويوضح ناشط في التيار الإصلاحي في حديث مع “هآرتس” ويقول: “لا تكمن مشكلة هذا المؤتمر في الصراع على الخلافة فقط، بل في الشعور بأن حركة فتح لم تعد تعمل كحركة تحرير وطني مع رؤية سياسية واضحة، بل كنظام حكم يخوض صراعات داخلية على السلطة والمال والنفوذ”.
هذا الناشط يضيف بان الاهتمام الشعبي بالمؤتمر، وبالخطوات الداخلية للحركة بشكل عام، في أدنى مستوى، نتيجة سنوات طويلة من غياب الانتخابات، واتهامات الفساد، وتدهور الاقتصاد، والشعور بالجمود السياسي العميق. قد ينشغل عباس وحاشيته في مسالة من سينضم للجنة المركزية ومن سيتم اقصاءه. ولكن السؤال الرئيسي بالنسبة لمعظم الشعب الفلسطيني هو اذا كانت حركة فتح تستطيع أصلا إعادة تعريف دورها بما يمهد الطريق لمستقبل وطني فلسطيني.
——————————————
القناة 12 العبرية 12/5/2026
الخطاب الخطير لـ “إسرائيل الكبرى”
بقلم: د. يوئيل غوزانسكي
ظهر مؤخراً خطاب جديد في الخطاب العام في العالم العربي، وهو خطاب إشكالي للغاية من وجهة نظر إسرائيل: المقارنة بين “إيران الكبرى” و”إسرائيل الكبرى”. ظاهرياً، هو نقاش فكري حول الطموحات الإقليمية، لكن في الواقع، مجرد إرساء هذه المقارنة يُشير إلى تحول سلبي في النظر الى دور إسرائيل في الشرق الأوسط.
لقد وجد هذا تعبيّره مؤخراً في مقال نُشر على شبكة “العربية” بقلم رئيس التحرير السابق، عبد الرحمن الراشد، المقرب من القيادة السعودية والذي يبدو أنه يعكس رأيها. يُصوّر المقال التاريخ الإقليمي كصراع بين مشروعين: أحدهما إيراني والآخر إسرائيلي. وكما سعت إيران إلى بناء نفوذ إقليمي يمتد من طهران إلى البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر، تُصوّر إسرائيل أيضاً على أنها تروج لرؤيا “إسرائيل الكبرى”.
هذه المقارنة ليست فقط غير مُبرّرة تاريخياً، بل هي أيضاً خطيرة استراتيجياً. فعلى مدى أربعة عقود، استخدم المشروع الإيراني شبكة إقليمية من الوكلاء – في لبنان وسوريا وغزة واليمن – لبناء نفوذ عابر للحدود. هذا نموذج للتوسع الإقليمي قائم على تقويض سيادة الدولة. أما إسرائيل، فلم تتصرف بهذه الطريقة قط. لكن المشكلة لا تكمن فقط في الرواية العربية، بل في السلوك الإسرائيلي نفسه. فمنذ السابع من أكتوبر، اكتسب خطاب سياسي زخماً في إسرائيل يُضفي الشرعية على أفكار الضم، والسيطرة الدائمة على الأراضي، وتغيير الحدود بالقوة.
الخطاب الذي كان مُخصّصاً لإيران يُناقش الآن أيضاً في سياق إسرائيل
عندما يتحدث الوزراء علنًا عن ضم الضفة الغربية، وعندما تُطرح أفكار إعادة الاستيطان في غزة داخل الحكومة، وعندما يبتعد الخطاب العام في إسرائيل أكثر فأكثر عن فكرة التسوية السياسية، فلا عجب أن يُفسَّر هذا في المنطقة كجزء من مشروع أوسع. بعبارة أخرى: حتى لو كانت “إسرائيل الكبرى” مجرد أسطورة سياسية، فإن الحكومة الإسرائيلية الحالية تبذل جهودًا كبيرة لجعلها تبدو ذات مصداقية في نظر جيرانها.
إن توقيت اكتساب هذه الرواية زخمًا ليس من قبيل الصدفة. فقد أدى ضعف المحور الإيراني في أعقاب الصراعات الإقليمية إلى فراغ استراتيجي. وفي ظل هذا الفراغ، بدأ سؤال جديد يبرز في العالم العربي: إذا انسحبت إيران، فهل ستحاول إسرائيل ملء فراغها؟
بالنسبة لدول الخليج، هذا ليس مجرد سؤال نظري. فقد تواصل بعضها مع إسرائيل انطلاقًا من إدراكها لمصالح مشتركة تجاه إيران. لكن لا يمكن إقامة شراكة إقليمية على المدى الطويل إذا نُظر إلى أحد الأطراف على أنه يسعى إلى فرض هيمنته الإقليمية. هنا يكمن الخطر الحقيقي. لقد نجحت إسرائيل في كسر بعض عزلتها الإقليمية خلال العقد الماضي. فقد كانت هذه الدول تُنظر إليها كقوة تكنولوجية واستخباراتية وعسكرية، وأيضًا كشريك محتمل للاستقرار الإقليمي. لكن الخطاب الجديد يهدد بقلب هذه الصورة رأسًا على عقب: فبدلًا من أن تُنظر إليها كقوة استقرار، قد تُنظر إليها كقوة إقليمية ذات طموحات توسعية.
في الشرق الأوسط، لا تقل التصورات السياسية أهمية عن الحقائق، بل قد تفوقها قوةً في بعض الأحيان. فبمجرد ترسيخ سردية معينة في الوعي الإقليمي، يصعب اقتلاعها. إذا استمرت إسرائيل في السماح لخطاب الضم والتوسع بتوجيه سياستها، فقد تكتشف أن أسطورة إسرائيل الكبرى لم تعد مجرد دعاية عدائية، بل تصورً راسخً حتى بين من كان يُفترض أن يكونوا شركاءها الإقليميين.
——————————————
هآرتس 12/5/2026
ترامب في مأزق ويحتاج للصين كي ينتزع تنازلات من ايران
بقلم: تسفي برئيل
بعد ان وصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المقترح الإيراني بانه “غير مقبول على الاطلاق”، يجدر التنويه الى انه لم يرفق تصريحه بالتهديد المعتاد، ان النتيجة ستكون “فتح باب جهنم”. بشكل عام، نقترح التعامل مع تصريحات ترامب على انها “حقيقة مؤقتة”.
لان ترامب اثبت بالفعل ان تصريحاته الحازمة لها عمر محدود، يتراوح بين بضع ساعات وبضعة أيام قليلة، وما هو “غير مقبول” اليوم يتوقع ان يخضع لعملية دبلوماسية وبلاغية تؤدي الى مقترحات جديدة ومزيد من النقاش.
في الواقع، رغم رد ترامب واعلانه بان “وقف اطلاق النار في مراحله الأخيرة”، الا ان القناة الدبلوماسية لم تنقطع بعد. اجرى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي امس اتصال هاتفي مع نظيره السعودي فيصل بن فرحان، ووزير خارجية الباكستان اسحق دار، وقد تقدم ايران نسخة “معدلة” من المقترح قبل اللقاء التاريخي الذي سيعقده الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع الرئيس الصيني شي جين بينغ في الغد.
تتسم المفاوضات بين ايران والولايات المتحدة بالجمود في ثلاثة اطر تسعى لايجاد مخرج. ففي الاطار الاجرائي تطالب ايران بانهاء الحرب في جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان، ورفع الحصار المفروض على الخليج، والالتزام بعدم استئناف الحرب، والافراج عن الأموال المجمدة في البنوك في ارجاء العالم، واجراء مفاوضات لمدة ثلاثين يوم بشان مذكرة تفاهم مبدئية، التي عند التوقيع عليها يتم رفع العقوبات عنها.
يتالف اطار الخطة من قسمين. الأول هو الملف النووي، حيث تصمم ايران على مواصلة تخصيب اليورانيوم على أراضيها، لكنها مستعدة لتخفيف تركيز اليورانيوم المخصب حاليا بمستوى 60 في المئة أو تصديره الى دولة ثالثة.
يتعلق القسم الثاني بطلب الاعتراف بسيادتها على مضيق هرمز، وبالتالي، حقها في جباية رسوم عبور من أي سفينة تعبر فيه. حتى الان ربطت ايران مناقشة الملف النووي بالاعتراف بسيادتها على مضيق هرمز، وأنه لن تناقش هذه القضية الا بعد ذلك وبشكل منفصل.
وحسب مقترحها الأخير، حتى لو تصرح بذلك صراحة، فان ايران مستعدة بالفعل لمناقشة الموضوعين معا، اذ من المفروض ان تشمل مذكرة التفاهم نفسها، التي ستؤدي الى الافراج عن الأموال، اتفاقات حول الملف النووي. ولا ترفض الولايات المتحدة طلبات ايران بشكل قاطع.
لكن في الوقت الذي تقدم فيه ايران امتثالها لهذه الطلبات كشرط مسبق لمناقشة أي بنود تهم الولايات المتحدة، تسعى إدارة ترامب الى التفاوض حول كل القضايا كوحدة واحدة، وتعتبرها جزء لا يتجزأ من أي اتفاق ستوقع عليه مع ايران.
يكمن الخوف المبرر في ان الموافقة المبكرة على طلبات ايران ستضعف موقف أمريكا في التفاوض. في حين ستتمكن ايران من العودة الى جني الأرباح من صادرات النفط بدون الخشية من التهديد العسكري. في الواقع يفترض ان يضمن “الاجراء” وترتيب النقاشات استمرار المفاوضات حول القضايا الجوهرية، القضية النووية والاعتراف بسيادة ايران على مضيق هرمز.
في هذا الصدد قد تلعب الصين دور حيوي اذا وافقت على ضمان وفاء ايران والولايات المتحدة بالالتزامات المتعلقة بالاتفاقيات التمهيدية، في حالة التوصل اليها. وهكذا، قد تتمكن من المساعدة في دفع اجندة المفاوضات قدما حتى لو كانت القضايا الجوهرية ما زالت بحاجة الى اتفاق بين الطرفين.
تكمن مشكلة ترامب في انه سياتي الى لقاء الصين بسلاح غير كاف، بعد ان أظهرت ايران القدرة على الصمود امام الهجمات العسكرية الامريكية والإسرائيلية الكثيفة، فضلا عن الحصار والازمة الاقتصادية العميقة التي تعاني منها.
أيضا قلبت هذه الخطوة الافتراضات التي بنيت عليها الحرب، بما في ذلك توقع اسقاط النظام واخضاعه اقتصاديا، الى جانب المفاجأة التي قامت بها ايران عندما هاجمت دول الخليج الجارة وسيطرت على مضيق هرمز.
هكذا، اذا ترامب كان يعتقد حتى فترة قريبة بانه سيتمكن من الوصول الى الصين منتصرا دبلوماسيا بعد التوقيع على اتفاق مع ايران، فانه يجد نفسه الان عند فجر اليوم على اعتاب شي جين بينغ ليلعب الأخير دور الوسيط النزيه وينتزع تنازلات من ايران تسمح له بعرض صورة النصر. ولكن الصين غير معروفة بتقديم الهدايا بالمجان. رغم ان الخيار العسكري ما زال قائما، ولكن يبدو أنه تم تاجيله بشكل مؤقت. لم يعد ترامب نفسه يتحدث عن حرب شاملة، واعلن امس بانه يفحص إعادة تفعيل “مشروع الحرية” – العملية التي صممت لمرافقة مغادرة حوالي 2000 سفينة عالقة في موانيء دول الخليج وفي الخليج نفسه تحت حراسة عسكرية.
ولكن هذه العملية توقفت بعد حوالي 36 ساعة من انطلاقها، وذلك في اعقاب قرار السعودية حظر استخدام مجالها الجوي وقواعد القوات الجوية الامريكية في أراضيها في عمليات ضد ايران، حتى لو كانت تهدف الى انقاذ السفن.
لم تغير السعودية، العضوة الرئيسية في مجموعة الدول التي تتوسط الى جانب باكستان وتركيا وقطر ومصر، موقفها منذ ذلك الحين. وحسب مصادر عسكرية امريكية رفيعة المستوى نقلت عنهم شبكة “ان.بي.سي”، فانه بدون تعاون السعودية لا سبيل لتفعيل “المشروع”.
بين الخيار العسكري والخيار الدبلوماسي يبرز خيار “كسب الوقت”، الامر الذي يعني عدم الذهاب الى الحرب أو التوصل الى اتفاق واستمرار الوضع الراهن الذي تعيش فيه ايران ودول الخليج تحت الحصار، في انتظار انهيار اقتصاد ايران. ولكن هذا السيناريو يحتاج أيضا الى دراسة واقعية.
تمتلك ايران بالفعل نظام محكم لادارة عملية آبار النفط فيها، يسمح لها بخفض الإنتاج بشكل مؤقت واغلاق الابار التي تقترب من نهاية عمر انتاجها، بدون الاضرار بالابار العاملة التي قد يسبب اغلاقها اضرار مستمرة أو دائمة. وتواصل ايران تصدير بضائع غير النفط، الى الدول المجاورة عن طريق البر، أيضا حجم احتياطي الأموال المتاح للنظام غير معروف.
تشير تقديرات المخابرات الامريكية الى انه امام ايران 90 – 120 يوم قبل انهيارها الاقتصادي. ولكن يبقى من غير المعروف ما الذي سيترتب على هذا الانهيار. يجدر الذكر أيضا بان ايران قد نجت من أزمات حادة مثل التي ضربتها في 2012، عندما ظهرت على وشك الانهيار الكامل. والاهم من ذلك هو ان عامل الوقت ليس حكر على ايران، فقد اضطرت دول الخليج أيضا الى خفض انتاج نفطها بشكل كبير وتقليص برامج التنمية والاستثمار، فضلا عن خسارة المداخيل من مصادر غير مصادر النفط، مثل السياحة.
ان “كسب الوقت” ليس مجرد موقف سلبي تقف فيه الولايات المتحدة ودول الخليج و”العالم” على الهامش، بانتظار استسلام ايران الاقتصادي. فغياب الحل العسكري أو التحركات الدبلوماسية قد يدفع الدول الى عقد اتفاقيات “خاصة” مع ايران، ودفع رسوم العبور التي تطلبها، وبالتالي، إعادة فتح الممر البحري في الخليج.
قبل ان تفرض الولايات المتحدة الحصار على الخليج، توصلت عدة دول الى اتفاقات مشابهة مع ايران، لكن الامر اقتصر حتى ذلك الحين على عدد قليل من السفن ولم يشمل حركة بحرية واسعة. صحيح ان ترامب هدد في الشهر الماضي بان أي سفينة تدفع “رسوم عبور” لإيران لن تتمكن من ضمان المرور الامن، وانه امر البحرية الامريكية بتحديد أماكن السفن التي دفعت هذه الرسوم ووقفها، لكن اذا ما تحول ذلك الى ظاهرة شاملة فمشكوك فيه ان يتمكن ترامب من اتخاذ أي إجراءات ضدها. وعندها قد ينهار “مشروع الحرية” بالكامل.
——————————————
معاريف 12/5/2026
نتنياهو يرفض الحديث عن الجدول الزمني، ويواصل حزب الله حشر الشمال
بقلم: افي اشكنازي
في برنامج العلم لشبكة CBS “60 دقيقة” قال رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عن مسألة اليورانيوم المخصب: “انت تدخل وتخرجه من هناك”.
عندما ضغط الوزير وسأل هل المقصود هو القوات الخاصة الإسرائيلية أم الامريكية، اختار نتنياهو ان يبقي الأوراق قريبة من الصدر، لكنه وفر اقتباسا دراماتيكيا: “ما قاله للرئيس ترامب هو “اريد أن ادخل الى هناك””. “اذا كان لك اتفاق، انت تدخل الى هناك وتخرج هذا”، واصل يقول. “لماذا لا؟ هذا هو الطريق الأفضل”.
ومع ذلك، عندما سُئل ماذا سيحصل اذا لم يتحقق اتفاق وهل ستؤخذ المادة بالقوة، رفض رئيس الوزراء التفصيل.
الحقيقة هي أنه لا يحتاج الى ذلك. في 8 أيلول 2024 انطلق مقاتلو وحدة شلداغ للقيام بعملية خاصة في قلب أراضي العدو، حظيت باسم “كثيرة هي الطرق”. في اطار العملية وصل المقاتلون الى معاهد حرجة لعملية انتاج الصواريخ الدقيقة. مع الانفجار القوي الذي دمر الموقع وشعر به الناس وكأنه هزة أرضية، خرج المقاتلون في مسار الخروج باتجاه الطيارات التي انتظرتهم مع اسناد من 609 ومزيد من قوات الجو.
ما قيل واكثر من ذلك نشره الجيش الإسرائيلي بشكل رسمي. لا توجد هنا اسرار. كل شيء على الطاولة. ما فعله مقاتلو شلداغ و 669 يمكنهم أن يفعلوه في ايران أيضا وفي كل مكان آخر. الموضوع هو فقط قرار من المستوى السياسي في إسرائيل وفي الولايات المتحدة.
امس، عندما سُئل مسؤول كبير في جهاز الامن الى اين المسير بعد اقوال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن الازمة في المحادثات مع ايران، أجاب بنصف ابتسامة: “توجه الى الناطقة بلسان البيت الأبيض. هي بالتأكيد تعرف كيف تجيب”.
بالفعل، في الجيش الإسرائيلي ينتظرون واشنطن. ليس فقط في موضوع ايران بل وأيضا في موضوع لبنان. كان محقا نتنياهو في موقفه في أنه في اللحظة التي يدخلون فيها ويأخذون اليورانيوم تنتهي قصة النظام الإيراني. بوليصة التأمين والحصانة لديهم ستختفيان. في الجيش الإسرائيلي يفهمون بانه في مثل هذه الحالة سينهي حزب الله نصيبه في المعركة.
في هذه الاثناء سيكون الجيش الإسرائيلي وسكان الشمال مطالبين بان يواجهوا مشكلة الحوامات المتفجرة. اول امس قتل جندي الجيش الإسرائيلي الرقيب احتياط الكسندر غلوبنيوف، بعد أن اصابته حوامة متفجرة في استحكام في الجليل. بعد بضع ساعات من ذلك أصيب ثلاثة من مقاتلي غولاني بحوامة في لبنان.
رفض رئيس الوزراء الحديث عن الجدول الزمني، لكن بقدر ما يواصل حزب الله حشر الشمال فان العملية لاخذ اليورانيوم من ايران ستقترب. وكما اسلفنا “كثيرة هي الطرق لعمل ذلك”.
——————————————
هآرتس 12/5/2026
ردع ترامب يتآكل
بقلم: عاموس هرئيلِ
ردت ايران مثلما كان متوقع بالسلب أول أمس على آخر مقترح امريكي لانهاء الحرب في الخليج. فرغم الخسائر الكبيرة التي تكبدتها، ورغم الفرق الكبير في القوة العسكرية بين الطرفين، الا ان النظام في طهران لا يميل الى الاستسلام. ان تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المتكررة، التي لم تنفذ بعد، وتصميمه على العودة الى طاولة المفاوضات مرارا وتكرارا باقتراحات تسوية جديدة، تقنع القيادة في ايران بانها في الواقع تملك زمام المبادرة.
لقد فقد ترامب القدرة على الردع ضد طهران، وقد يشعر أخيرا بانه ملزم بمحاولة استرجاعها، من خلال عملية عسكرية حاسمة. وقد صرح مساء أمس بان وقف اطلاق النار ينهار. ولكن الجدول الزمني هنا يعمل ضده. في نهاية الأسبوع من المقرر ان يعقد قمة مهمة مع نظيره الصيني شي جين بينغ، وبعد شهر ستستضيف الولايات المتحدة بطولة كاس العالم لكرة القدم التي يعطيها ترامب أهمية كبيرة.
هذه هي الخلفية التي تفسر ردود الفعل الامريكية المتحفظة على الاحداث الأخيرة مع ايران حول مضيق هرمز. فقد أصبحت مسالة إعادة فتح المضيق القضية الأكثر الحاحا وحساسية في المفاوضات، وتفضل طهران التركيز أولا على انهاء القتال والتوصل الى تفاهمات بشان حركة الملاحة في الخليج، قبل البدء في مناقشة كبح برنامجها النووي.
يسعى الإيرانيون أيضا الى ربط هذه الخطوات برفع العقوبات الاقتصادية المفروضة عليهم من قبل المجتمع الدولي، والتزام من الولايات المتحدة وإسرائيل بعدم مهاجمتهم مجددا. وحسب تقارير إعلامية أمريكية فان مرونة الإيرانيين بشان القضية النووية اقل بكثير مما وصف في الأسبوع الماضي.
لقد وافقت طهران عن الافراج عن جزء فقط من مخزون اليورانيوم المخصب الذي يبلغ 440 كغم، ورفضت تفكيك بنيتها التحتية النووية، واظهرت الاستعداد لوقف التخصيب على أراضيها لفترة محدودة فقط. اذا قرر ترامب الانسحاب من المفاوضات فسيعود المازق الذي اقلقه خلال شهر ونصف: هل سيختار تصعيد عسكري قصير الاجل بقصف كثيف لمواقع البنى التحتية المدنية في ايران أو انه سيبقي على الحصار في جنوب مضيق هرمز، على امل ان تؤدي الاضرار الاقتصادية الى انهيار النظام؟. حاول رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو تعزيز رواية ترامب أمس. ففي مقابلة مع برنامج “60 دقيقة” على قناة سي.بي.اس، قال ان قرار ايران اغلاق مضيق هرمز كان مفاجئا، وهذا بعيد جدا عن الدقة. فقد تم التدرب على هذا السيناريو في مناورات عسكرية أمريكية وإسرائيلية لعقود.
وتواجه الحرب العالقة في الخليج انتقادات متزايدة في داخل الولايات المتحدة. في الأيام الأخيرة جاءت تقارير تفيد باستنزاف مخزون السلاح الأمريكي نتيجة الحرب، الامر الذي سيزيد صعوبة انخراطها في مواجهة عسكرية محتملة مع الصين في المستقبل. وفي مقال وجد رواج واسع كتب المؤرخ المحافظ الجديد روبرت كاغان في مجلة “ذي اتلانتيك” في يوم الثلاثاء بان الولايات المتحدة منيت بـ “هزيمة مباراة شطرنج” امام ايران. وبحسبه “سجلت خسارة استراتيجية، وسيكون من الصعب تجنبها أو تجاهلها”.
كاغان يشدد أيضا على مسالة السيطرة على مضيق هرمز. وكتب بان المضيق لن يبقى مفتوح مثلما كان. وبسيطرتها عليه تصبح ايران لاعبة رئيسية في المنطقة وفي العالم، الامر الذي يعزز موقف حلفاءها، الصين وروسيا. في المقابل يضعف موقف الولايات المتحدة. “من الضروري اظهار القوة الامريكية، فقد كشف الصراع عن الولايات المتحدة التي لا يمكن الوثوق بها والتي لا تستطيع اكمال ما بدأت به”.
وحسب قوله فان 37 يوم من القصف الجوي الأمريكي والإسرائيلي الكثيف في ايران لم تؤد الى انهيار النظام أو الى ادنى تنازل من جهته. ويؤكد كاغان ان الضغط الاقتصادي لن يخضع النظام. فالقيادة التي قامت بذبح مواطنيها في كانون الثاني الماضي عندما احتجوا عليها، لن تتردد في فرض عقوبات اقتصادية على الشعب الإيراني من اجل البقاء. وكتب بان نقطة التحول في الحرب كانت في 18 آذار، عندما هاجمت إسرائيل حقل غاز في ايران. وردت طهران بقصف منشأة ضخمة للغاز الطبيعي في قطر، والحقت اضرار ستستغرق سنوات لاصلاحها. واعلن ترامب عن تجميد الهجمات ضد البنى التحتية، وبعد ذلك اعلن عن وقف لاطلاق النار بدون مقابل من ايران.
مكشوفون في البرج
تعكس السياسة الامريكية في الخليج أيضا ضبط النفس الذي تفرضه على إسرائيل في لبنان. فالقوات البرية الإسرائيلية في جنوب لبنان تتخذ موقف دفاعي في المقام الأول ضد حزب الله، وما زالت تواجه هجمات يومية بطائرات مسيرة مفخخة. وقبل يومين قتل جندي في الاحتياط بانفجار طائرة مسيرة، وأصيب ثلاثة جنود بإصابة طفيفة أمس.
ترد إسرائيل بشن هجمات جوية كثيفة، لكنها تركز – على ما يبدو بانه توجيهات أمريكية – على خط التماس وشماله قليلا. سيستغرق إيجاد حل تقني للطائرات المسيرة التي تعمل بالالياف الضوئية وقت، وفي غضون ذلك يامل الجيش تقليص عدد الخسائر من خلال فرض انضباط عملياتي اكثر صرامة على المقاتلين.
أعاد عضو الكنيست افيغدور ليبرمان (إسرائيل بيتنا) امس استخدام تعبير قديم من أيام المنطقة الأمنية في لبنان. فقد قال ان الجنود في لبنان مكشوفون “مثل الاوز في ميدان الرماية”، وهذا تعريف صاغه الوزير افيغدور كهلاني لأول مرة في منتصف التسعينيات. وهذا بالتأكيد هو الشعور السائد لدى الرأي العام.
قبل يومين كان رئيس الأركان ايال زمير ضيف على لجنة الشؤون الخارجية والدفاع، حيث شرح لاعضائها حجم المهمات التي ستسند للجيش المقاتل في هذه السنة. الجيش الإسرائيلي ينظر الى الـ 100 يوم احتياط للمقاتلين في هذه السنة كتقدير معقول. وعلق عدد من أعضاء الكنيست المعارضين بان نطاق المهمات لا يتناسب على الاطلاق مع حجم القوة العسكرية التي يمتلكها الجيش الإسرائيلي في الوقت الحالي.
ما الذي يقلق نتنياهو؟ لا شيء كما يبدو. رئيس الحكومة ينشغل بمعركة الذاكرة. في مقابلة مع “سي.بي.اس” سئل عن مسؤوليته في التقصير الذي تسبب بالمذبحة في 7 أكتوبر، فأجاب بتملص كعادته: الجميع يتحملون المسؤولية، لكن ماذا عن المسؤولية بعد 7 أكتوبر؟”. بكلمات أخرى، في حين يرفض الاعتراف بدوره قبل حدوث المذبحة، ينسب لنفسه الفضل في إنجازات “مبالغ فيها” تحققت بعدها. هذا سؤال اصبح محور أساسي في الحملة الانتخابية، ويبدو ان نتنياهو سيبذل قصارى جهده لتشويه ذاكرة الناخبين.
——————————————
إسرائيل اليوم 12/5/2026
من قتال موضعي الى حرب متواصلة
بقلم: العميد تسفيكا حايموفيتش
واقعنا الأمني في هذه اللحظة هو توتر في الشمال، فيه نار لا تتوقف أقرب الى الواقع منه الى وقف نار؛ تهديد إيراني يبدو كلما مر الوقت انه سينتهي باتفاق كهذا او غيره – ولا يبدو ان تهديد الصواريخ ووكلاء ايران في المنطق سيختفي؛ حماس في غزة التي لا تبدي علائم استيفاء للاتفاق الذي قررته الولايات المتحدة واساسا غير مستعدة وغير جاهزة للتنازل عن حكمها على ما تبقى من قطاع غزة. وحتى لو اختارت إسرائيل العودة الى القتال، فان هذا لا يضمن نتيجة مختلفة اكثر بكثير اذا ما اخذنا بالحسبان الزمن والثمن. كما أن الميدان في يهودا والسامرة يعتمل، في المجتمع الإسرائيلي يوجد تآكل داخلي، والساحة الدولية تتغير صباح مساء. كل هذا يرسم مستقبلا غير مستقر يضع امام إسرائيل اختبار حصانة قومية وليس فقط اختبار قوة عسكرية.
ان اغلاق ساحات القتال لا يبدو كبديل ذي صلة بالمستقبل المنظور للعيان. يبدو ان إسرائيل تدخل الى وقع من حرب متواصلة، لا تشبه فترات الامن الجاري على طول الحدود، مثلما كان قبل سنوات. بداية، التواجد الإسرائيلي في ثلاثة مناطق عازلة خلف حدود الدولة – لبنان، سوريا وغزة – هو واقع سيبقي احتكاكا عاليا مع العدو، يلزم باستثمار حجم قوات كبير من الجيش النظامي والاحتياط ويعظم الانهاك وعبء الخدمة.
إسرائيل ملزمة بان تبلور مفهوم أمن ملائم لمفهوم “حرب متواصلة”، مفهوم ينبغي له ان يتناول حصانة الجبهة الداخلية، تعزيز الاستيطان على طول الحدود واستمرارية أداء البنى التحتية والخدمة الوطنية الحرجة. بالطبع، ينبغي تكييف الجيش الإسرائيلي وأجهزة الامن مع التواجد في ثلاثة مناطق عاجلة، مع حاجة الى جولات مواجهة قوية بين الحين والاخر. روتين من هذا القبيل يستوجب اعداد الجبهة الداخلية، اعداد المجتمع واعداد المنظومة برمتها. هذا ليس واقعا يشبه الواقع الذي عشناه في العقود الأخيرة.
تحدي الاستقرار
في واقع “حرب متواصلة” دون واقع تسوية دائمة ومستقرة، فان التحدي هو في تثبيت وحفظ استقرار يسمح بروتين الحياة على الرغم من المحيط المعقد. ويستوجب هذا انتقالات سريعة “بين صفر وواحد”، بين روتين حياة وروتين طوارئ. بين نمط حيات عالي ومكوث في المجالات المحمية. انتقالات سريعة بين الاستيلاء على ارض وعزل مناطق الحدود وبين حملات قوية لمنع وتحييد تهديدات من خلف خطوط العزل التي خلقناها في كل واحدة من الحدود الثلاثة.
تحدٍ إضافي هو حاجة الجيش الإسرائيلي الى استقرار المنظومة في واقع من التواجد في الحدود الثلاثة خلف خطوط الحدود، في ظل توظيف حجوم كبيرة من القوات. ينبغي ايجاد التوازن بين احتياجات حيازة الأرض لأغراض التأهيل، وأغراض حفظ الاهلية ومعالجة الفرد؛ كيف نجد التوازن بين العبء على الجنود ووحدات الاحتياط. التوازن بين استخدام القوة وبناء القوة – وان نعرف كل الوقت كي نستخلص الدروس، نستشرف المستقبل ونقدر نوايا واتجاهات العدو المقابل.
خير تفعل المنظومة كلها فتستعد لواقع وتحديات “الحرب المتواصلة”.
——————————————
يديعوت احرونوت 12/5/2026
تهديد طائرات حزب الله المسيّرة يكبد جيش الاحتلال خسائر فادحة
بقلم: يوسي يهوشع
هناك ثلاث طرق للتعامل مع أي تهديد. الأولى – المواجهة المباشرة: إذا أراد أحد ما توجيه لكمة إليّ، أصدّه فلا تصيبني. الثانية – معالجة السبب الجذري: ندخل قصبة نابلس كل ليلة، مما يصعّب إنشاء مختبرات متفجرات هناك. الثالثة – إضعاف رغبة العدو في القتال: إذا هاجمني أحد ما على الحدود، أقضي على نصر الله في بيروت.
في مواجهة تهديد حزب الله، نفتقر حاليًا إلى أي من هذه الطرق. من يدفع الثمن؟ على المدى القريب، كريات شمونة ولواء جفعاتي، وعلى المدى المتوسط والبعيد، جميعنا، بمن فيهم ترامب. لم يجد الجيش الإسرائيلي بعد حلًا تقنيًا أو عملياتيًا فعالًا لتهديد الطائرات المسيّرة المتفجرة التي يُشغّلها حزب الله عبر الألياف الضوئية، وهو تهديد يتسع نطاقه ويُكبّد القوات في الميدان خسائر فادحة. حتى الآن، قُتل أربعة جنود وأُصيب العشرات في هجمات بطائرات مسيّرة، والتي تُشكّل تحديًا متكررًا لأنظمة الكشف والإنذار والاعتراض التابعة للجيش الإسرائيلي. يُدرك حزب الله جيدًا هذه الثغرة، ويُوسّع نطاق استخدام الطائرات المسيّرة ليس فقط ضد قوات الجيش الإسرائيلي العاملة في جنوب لبنان، بل أيضًا ضد أهداف داخل الأراضي الإسرائيلية. وكان آخر الشهداء الرقيب (احتياط) ألكسندر غولوبنيوف، سائق في الكتيبة 6924 للنقل في مركز النقل. اخترقت عدة طائرات مسيّرة مفخخة الأراضي الإسرائيلية وانفجرت في المنطقة الحدودية. ووفقًا للتحقيقات الأولية، سقطت إحدى الطائرات المسيّرة بالقرب من المكان الذي كان يقيم فيه غولوبنيوف، الذي أصيب مباشرة جراء الانفجار.
يُقرّ الجيش الإسرائيلي بأن الطائرات المسيّرة المزودة بألياف بصرية تُعدّ من أبسط التهديدات وأكثرها تعقيدًا في الوقت نفسه. فعلى عكس الطائرات المسيّرة التقليدية، لا تعتمد هذه الطائرات على اتصالات متطورة، وبالتالي فهي لا تتأثر تقريبًا بالتشويش الإلكتروني. ويؤكد الجيش أنه لا يوجد حاليًا حلٌّ كامل ومُجرّب في العالم يُوفّر استجابة فعّالة لهذا التهديد.
يُطلق حزب الله طائراته المسيّرة بشكل رئيسي من جنوب نهر الليطاني، وأحيانًا من المنطقة التي يتواجد فيها الجيش الإسرائيلي داخل الخط الأصفر في جنوب لبنان. وتشير التقديرات إلى أن الحزب تمكن خلال فترة وقف إطلاق النار من إعادة بناء وجوده في هذه المنطقة، حيث بلغ عدد عناصره المئات. واليوم، يكاد ينعدم الاشتباك البري أو المواجهات القريبة. ويتم تنفيذ الجزء الأكبر من العمليات عبر الاغتيالات والغارات الجوية، وهو مجال تتمتع فيه إسرائيل بتفوق واضح. ومنذ وقف إطلاق النار، قُتل 340 إرهابيًا في غارات الجيش الإسرائيلي في لبنان. وتُعتبر إسرائيل قوة عظمى في مجال الغارات الجوية، لكن حزب الله، بوصفه منظمة إرهابية، تكيّف أيضًا مع الواقع الجديد.
ومن أبرز التعديلات التي أجراها الحزب هو لامركزية القدرات. فبينما كانت معظم عمليات الطائرات المسيّرة في السابق مُركّزة في الوحدة 127، يعمل مشغّلو الطائرات المسيّرة اليوم في خلايا صغيرة مُنتشرة في عشرات المواقع في جنوب لبنان. يبحثون عن أهداف تابعة للجيش الإسرائيلي، وينطلقون من المناطق المبنية، وأحيانًا يطلقون طائراتهم المسيّرة من مناطق تتواجد فيها قوات الجيش الإسرائيلي أيضًا، مما يجعل التصدي لهم سريعًا أمرًا بالغ الصعوبة.
وفي ليلة الأحد، وقع حادث غير مألوف آخر يُظهر مدى تأثير تهديد الطائرات المسيّرة على طبيعة عمليات الجيش الإسرائيلي في الميدان. فقد علقت مروحية بلاك هوك تابعة لسلاح الجو، كانت تقل مقاتلين من الوحدة 669 في طريقهم لإنقاذ جنود جرحى، على الأرض في جنوب لبنان بعد أن علقت بطانية طبية فضية اللون في محركها وتسببت في تعطيله. ونظرًا للمخاوف من غارات الطائرات المسيّرة، غُطيت المروحية بشبكة تمويه، وقامت قوات المشاة بتأمينها لساعات. وخلال الليل، أرسل الجيش الإسرائيلي قوة إنقاذ وإصلاح خاصة للتعامل مع المروحية التي أقلعت عائدة من لبنان.
في الواقع، يُعد أحد الحلول الرئيسية التي تستخدمها القوات في الميدان حاليًا لمواجهة تهديد الطائرات المسيّرة بسيطًا نسبيًا: شبكات التمويه وإجراءات الحماية المادية. ففي مواجهة تهديد الألياف الضوئية، غالبًا ما توفر الحلول الأساسية استجابة أكثر فعالية من الأنظمة التكنولوجية المتقدمة.
في خضم كل هذا، يبرز الجدل السياسي الدائر حول السياسة الأمريكية تجاه حزب الله وإيران. يزعم البعض في إسرائيل أنه لو كان ترامب أكثر فهمًا لجوهر المنطقة في الشرق الأوسط، لمنح إسرائيل حرية أكبر في التحرك ضد حزب الله.
من المفهوم لماذا سعت واشنطن، في بداية وقف إطلاق النار، إلى الحفاظ على الاستقرار وتجنب التصعيد الذي قد يضر بالاتصالات مع طهران. لكن بعد أشهر من المناوشات والانتهاكات والنشاط المتواصل من جانب حزب الله، يرى البعض في إسرائيل أنه كان من الصواب السماح لها، بوصفها الوكيل الرئيسي للولايات المتحدة في المنطقة، بتوجيه ضربات أقوى بكثير إلى الجناح الإيراني في لبنان. في رأيي، لن يضر هذا التحرك بالمفاوضات مع إيران، بل سيعزز النفوذ الأمريكي ويوضح لطهران أن هناك حدودًا واضحة وأن للمناوشات والتأخير ثمنًا باهظًا.
——————————————
هآرتس 12/5/2026
الغضب يزداد في الوسط العربي.. والشرطة تحتفل بميلاد بن غفير: نخب الجريمة
بقلم: أسرة التحرير
هاكم صورة وضع جهاز إنفاذ القانون في دولة إسرائيل: يواجه مأمور السجون كوبي يعقوبي، لائحة اتهام على تشويش إجراءات تحقيق وخيانة الأمانة. قائد “لاهف 433″، ميني بنيامين، مشبوه بخيانة الأمانة وإساءة استخدام قوة المنصب، وأعيد إلى منصبه وكأن شيئاً لم يحصل. أما العقيد شرطة أفيشاي معلم، فتجرى معه مقابلة صحفية بينما يلبس البزة ويدعي بأن “الشاباك” والنيابة العامة تآمرا على حياكة ملف جنائي له – مفتش عام الشرطة يصمت ويسمح بأن يبقى كضابط بين الضباط.
بالتوازي، الوضع في شوارع الدولة يواصل كونه رهيباً: أمس، قتلت إحدى سكان الرملة على أيدي زوجها. وأطلق الزوج النار على أمها أيضاً، وبعد ذلك انطلق إلى حملة إطلاق نار في شوارع المدينة. بعد ساعات قليلة من ذلك، أصيب فتى ابن 16 عقب اللعب بسلاح غير قانوني بأيدي مواطنين بلا موانع. قبل بضعة أيام، وقعت جريمة قتل مزدوجة في قلنسوة. عدد القتلى في إسرائيل يحطم رقماً قياسياً سلبياً.
يضاف إلى هذا كله عنف مستمر من جانب أفراد الشرطة وأساساً تجاه الجمهور العربي. هذا الأسبوع اعتقل وليد سيف، شاب من سكان يافا، على أيدي أفراد شرطة دون أي ذنب، ضربوه وفي النهاية أفرج عنه بلا شيء. “القوة المعقولة” التي ادعت الشرطة أنها استخدمتها ضده تسببت له بكسر جحر العين. صالح نعمة، محام في مكتب الادعاء العام في بئر السبع، يعاني حتى اليوم من رضوض شديدة عقب اعتداء أفراد الشرطة عليه.
وبينما تقع أحداث كهذه، تقضي ألوية الشرطة وقتها في حفلات يوم ميلاد ومناسبات خاصة لوزير الأمن الداخلي، بن غفير ومقربيه، ويحضرون هذه المناسبات بلا خجل وكأن الأمر عادي.
الوزير المسؤول بن غفير يجسد خطته لتحويل شرطة إسرائيل إلى ذراعه السياسي. لكن الوزير ما كان ليفعل ذلك دون داني ليفي، المفتش العام الأكثر فشلاً في تاريخ الدولة، الذي يبيح دم مواطني إسرائيل وأمنهم الشخصي.
تحت وردية ليفي، انهارت شرطة إسرائيل بشكل رسمي – لا تؤدي مهامها. منظمات الجريمة تحتفل. السلاح في الشوارع بوفرة، وعدد المقتولين يرتفع. الألوية وقادة المحافظات والضابطية العليا مشغولون بالتزلف للوزير وبالخصومات الداخلية، بينما الشوارع تنزف.
ليفي، كما يذكر، كان قائد لواء وصل عدد المقتولين في منطقته إلى أرقام قياسية جديدة. اختاره بن غفير دوناً من كل الألوية. حتى اليوم، يخاف ليفي من الوقوف في وجه الوزير المجرم، وهو يسمح له بأن تفعل بالشرطة كما يشاء. القائد الحقيقي لشرطة إسرائيل يجلس في “كريات أربع”. والمنفذ يجلس على كرسي المفتش العام.
——————————————
ثلاثة سيناريوهات لعالم ما بعد ترامب (2/1)
ما الذي ينتظرنا
يقدّم المقال التالي قراءة متشائمة -ومتماسكة إلى حد كبير- للتحولات الجارية الآن في النظام الدولي. وتنطلق أطروحته من فرضية أساسية هي أنّ ما يُعرف بـ”السلام الأميركي” Pax Americana الذي حكم العالم منذ الحرب العالمية الثانية أصبح يقترب من نهايته التاريخية. ويرى الكاتب أن صعود دونالد ترامب لم يكن انحرافًا في مسار السياسة الأميركية، وإنما كان تعبيراً عن أزمة أعمق تضرب الأسس التي قام عليها النظام الليبرالي الدولي نفسه.
ويذهب المقال أبعد من وصف تراجع الهيمنة الأميركية إلى محاولة رسم خرائط محتملة لما بعد هذا التراجع. ويتصور ثلاثة سيناريوهات كاحتمالات مستقبلية تعكس الاتجاهات الراهنة في السياسة الأميركية والعلاقات الدولية. وأول هذه السيناريوهات هو عالَم من كتلتين، يشكل بطريقة ما عودة إلى حرب باردة جديدة بين معسكر تقوده الولايات المتحدة وآخر تقوده الصين. وثمة مفارقة في هذا السيناريو، كما يشير براندز: إن وضعا كان يبدو قبل سنوات كابوسياً أصبح اليوم أقل السيناريوهات المستقبلية سوءاً باعتبار أنه يحتفظ بحد أدنى من التوازن الدولي ومن التضامن الديمقراطي القادر على كبح ما يسميه التوسع الصيني والروسي.
لكن براندز يشير أيضًا إلى تناقض أساسي في الترامبية نفسها. بينما يدفع ترامب حلفاء واشنطن إلى زيادة الإنفاق العسكري ومواجهة الصين، في ما قد يعزز تماسك الكتلة الغربية، تهدد نزعاته القومية والابتزازية وعداؤه للتحالفات التقليدية بتفكيك هذا المعسكر من الداخل. ويشير الكاتب إلى معضلة مركزية في هذا النهج، تتعلق بما إذا كان بوسع الولايات المتحدة قيادة “العالم الحر” بينما تتصرف في الوقت نفسه كقوة تسعى إلى إخضاع وابتزاز حلفائها أنفسهم.
يتصور السيناريو الثاني عالمًا من “مناطق النفوذ”، يُستبدل فيه نظام القطبين بعالم مقسم بين إمبراطوريات إقليمية متعددة: أميركا في نصف الكرة الغربي؛ والصين في شرق آسيا؛ وروسيا في فضائها السوفياتي السابق، وتركيا والهند والسعودية وإسرائيل في أقاليم أخرى. ويعكس هذا السيناريو في جوهره عودة منطق القرن التاسع عشر القائم على تقاسُم العالم بين القوى الكبرى. لكنّ الكاتب يلفت إلى أنّ هذا النموذج لا يعني الاستقرار بالضرورة، وربما يفتح الباب أمام حروب دموية وصراعات مستمرة، حيث مناطق النفوذ لا تبنى سلمياً وإنما تتأسس على الإكراه والعنف.
يتصور السيناريو الثالث مشهدًا هو الأكثر سوداوية على الإطلاق: عالمًا من الفوضوية الشاملة، تتحول فيه الولايات المتحدة نفسها إلى قوة “مارقة” تستخدم نفوذها العالمي بطريقة افتراسية، بالتوازي مع صعود قوى تعديلية أخرى مثل الصين وروسيا. وفي هذا العالم، ينهار القانون الدولي، وتعود سباقات التسلح، وتتآكل سيادة الدول الصغيرة، ويصبح “الاعتماد على الذات” هو القاعدة الوحيدة. ويذكر هذا السيناريو بأن النظام الدولي الحالي، على الرغم مما يخالطه من نفاق وتناقضات، كان يفرض قدرا من الضبط على الفوضى العالمية. ويحاجج الكاتب بأنّ كثيراً من الناس ينسون مدى دموية العالم قبل الهيمنة الأميركية.
على الرغم من براعته التحليلية، تنطلق مقولات المقال من رؤية أيديولوجية أميركية محافظة ترى أنّ استمرار القيادة الأميركية -ولو بصورة معدّلة- يظل أقل خطراً من انهيارها الكامل. وكما هو واضح، لا يستنطق المقال ما إذا كان النظام الأميركي عادلا أم عدوانيًا، ويركز فقط على ما إذا غيابه سيقود إلى ما هو أسوأ. ولذلك يتعمد الكاتب عرض الصين وروسيا باعتبارهما تهديداً وجودياً، بينما يُقدَّم ما يسمه “العالم الحر” على أنه آخر حاجز يقف أمام الانحدار إلى الفوضى أو الإمبراطوريات المتصارعة.
ربما يمكن اعتبار هذا المقال تحذيرًا أكثر من كونه نبوءة. لا شك في أن العالم يختبر اليوم مرحلة انتقالية مزدحمة بالمخاطر. ولا تعرف الولايات المتحدة نفسها التي بنت النظام ما إذا كانت تريد إصلاحه أم تقويضه وهدمه. وبين هذين الخيارين، ربما يتحدد شكل القرن الحادي والعشرين بأكمله.
—————————————————-
هال براندز – (فورين بوليسي) عدد ربيع 2026
في العام 1930، كتب الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي: “العالم القديم يحتضر، والعالم الجديد يكافح كي يولد”. وبصرف النظر عن قناعاته الماركسية، كان غرامشي سيجد سيشعر وكأنه في البيت في أجواء الحقبة الترامبية. العالم القديم المقصود، في هذه الحالة، هو النظام الدولي الذي أنشأته الولايات المتحدة في الغرب بعد الحرب العالمية الثانية، ثم سعت بعد ذلك إلى عولمته بعد انتصارها في الحرب الباردة. وقد أطلق ذلك المشروع حقبة من السلام والازدهار والحرية التي غيرت العالم. لكنّ ذلك النظام القديم يبدو اليوم وكأنه استنفد مساره.
على مدى سنوات، عملت دول ساعية إلى تغيير النظام القائم، وخاصة الصين وروسيا، على تقويض هذا النظام تدريجيًا. وتبدو الولايات المتحدة أحيانًا وكأنها في حالة حرب معه أيضًا. وبعد عشر سنوات من الآن، سيكون العالم مختلفًا جذريًا. لكنّ ما لا نعرفه بعد هو ما الذي ينتظرنا في الجانب الآخر البعيد من هذه المرحلة الانتقالية –ما الشكل الذي سيبدو عليه ذلك العالم الجديد.
أحد الاحتمالات هو سيناريو “عالمَين” يذكر بحقبة الحرب الباردة، والذي ينقسم فيه العالم إلى قُطبين متنافسين تقودهما واشنطن وبكين. والاحتمال الثاني هو عصر لا يقوم على كتلتين، وإنما على عدة إمبراطوريات، ويستولي فيه حكام أقوياء على مناطق نفوذ إقليمية. وثمة احتمال ثالث هو نجوم عالم قائم على مبدأ الاعتماد على الذات، تصبح فيه سلوكيات الولايات المتحدة ذات طابع افتراسي، ويُغرق النظام الدولي في فوضى عميقة.
* * *
تبدو اللحظة الراهنة شديدة الهشاشة لأن كل واحد من هذه السيناريوهات الثلاثة معقول وممكن –ويجد كل واحد منها ما يدعمه في السياسة الخارجية لقوة عظمى تعيش حالة من التناقض الداخلي. ويظل الكثير رهين الظروف، كما تعتمد النتائج إلى حد كبير على قرارات الولايات المتحدة ودوراتها الانتخابية المقبلة. لكنّ استكشاف ما ينتظرنا في الأمام في هذه المرحلة الانتقالية هو الخطوة الأولى للاستعداد لعالم سيكون -حتى في سيناريو أفضل الحالات- أكثر تفتتا وشراسة من العالم الذي نكون قد تركناه خلفنا.
يتميز العالم المعاصر بأنه صناعة أميركية إلى حد كبير. بعد الحرب العالمية الثانية، أنشأت الولايات المتحدة تحالفات ممتدة حول أطراف أوراسيا. ورممت دولًا مدمرة، وأعادت بناء التجارة العالمية. كما دافعت عن حرية الملاحة في البحار البعيدة، ووفرت خدمات عامة دولية أساسية. وكانت الولايات المتحدة، وليس الأمم المتحدة، أقرب ما يكون إلى حكومة عالمية. وقد شكّلت هذه السياسات الأساس لنظام غربي مزدهر، تحول لاحقًا بعد نهاية الحرب الباردة إلى نظام ليبرالي متوسع.
مثل كل الإنجازات البطولية، لهذا الإنجاز أساطيره، وإغفالاته ومبالغاته. في بعض الأحيان، أمّنت واشنطن نظامًا ليبراليًا بوسائل غير ليبرالية، مثل التدخلات العسكرية الوحشية والمؤامرات السرية. كما أن الخطابات التي تمجّد التضامن بين الحلفاء تتجاهل النزاعات الحادة التي هزّت العالم الديمقراطي، من أزمة السويس في العام 1956 إلى غزو العراق الذي قادته الولايات المتحدة في العام 2003. كما لم تتردد الولايات المتحدة في خرق أو تغيير قواعدها الخاصة عندما تصبح غير ملائمة، كما حدث حين تخلّت عن نظام “بريتون وودز” المالي الدولي في العام 1971. في النهاية، ليس ثمة نظام عالمي من دون نفاق وإكراه.
لكنّ ما يُعرف بـ”السلام الأميركي” Pax Americana استخدم في الجزء الأكبر قوةً هائلة لدعم فهم واسع بشكل لا يُصدق للمصلحة الذاتية، يقوم على فكرة أنه حتى قوةً عملاقة معزولة جغرافيًا لا يمكن أن تزدهر إلا من خلال المساهمة في جعل الدول الأضعف أكثر ازدهارًا وأمنًا. وقد أنتج هذا المزيج مكاسب تاريخية غيّرت مجرى العالم. وبعد حربين عالميتين خلال جيل واحد، أسفر النظام الذي بنته الولايات المتحدة عن عقود من السلام بين القوى الكبرى. وأنتج الاقتصاد الذي قادته الولايات المتحدة مستويات معيشة متصاعدة بشكل كبير. وأسهم النفوذ الأميركي في جعل الديمقراطية الشكل السياسي المهيمن، وفي جعل “موت الدول” -أي الإزالة العنيفة للدول المستقلة- أمرًا نادرًا ومروّعًا. كما استفادت واشنطن نفسها بشكل هائل-ليس من العيش في حقبة مستقرة ومزدهرة نسبيًا فحسب، وإنما لأن التحالفات وشبكات التعاون أيضًا ضاعفت قوتها التي لا تُضاهى وعزّزت وصولها العالمي.
لكنّ شيئًا لا يدوم. والنظام الأميركي – وخاصة نسخته ذات التوجه الأكثر عولمة التي نشأت بعد الحرب الباردة- يقترب من نهايته. والآن، يتعرض هذا النظام للحصار والهجوم من الخارج؛ حيث ترى فيه بكين وموسكو وشركاؤهما عائقًا أمام طموحاتهم وتهديدًا لأنظمتهم الأوتقراطية. وهم يعملون على تقويض ميزان القوى ومجموعة من القواعد الأساسية، مثل حرية البحار وحظر الغزو العنيف عبر الأوراسي الشاسع. كما أن هذه الدول، وخاصة الصين، ساهمت في تدمير النظام من الداخل: استخدمت بكين اندماجها في الاقتصاد العالمي لبناء ثقلها الصناعي والعسكري الذي توظفه اليوم في تحدي الولايات المتحدة. وفي المقابل، أصبحت واشنطن نفسها مرهقة – وربما محبطة وفاقدة للأوهام إلى حد خطير – من مشروعها الذي صنعته هي نفسها.
ينبع هذا التناقض من مشكلات حقيقية: الاختلالات المقيمة في الموازين والركوب المجاني في التحالفات الأميركية، وانعدام الأمن الاقتصادي والجسدي الذي رافق العولمة، والارتدادات التي نتجت عن الحروب الأميركية في الشرق الأوسط الكبير، والطريقة التي ساهم بها النظام الليبرالي في صعود الصين. ويتجلى كل ذلك اليوم في إدارة تسعى، في الحد الأدنى، إلى إعادة التفاوض بحدة على شروط الانخراط الأميركي، والتي غالبًا ما تجادل بأن استعادة القوة الأميركية تتطلب تفكيك النظام نفسه.
من هنا ينجم شعور القلق الذي يميز لحظتنا الراهنة. ما تزال قوة واشنطن ليس لها نظير. وما تزال الهياكل الأساسية للنظام القائم، مثل التحالفات الأميركية ومجموعة السبع، قائمة كما هي. لكن آفاق هذا النظام تبدو قاتمة، وربما وصل إلى خواتيمه. فما الذي يحدث عندما تنتهي سكرات الاحتضار هذه؟
* * *
للجزء الأكبر من العقد الماضي، بدا أن العالم الذي تقوده الولايات المتحدة سوف يعقبُه عالمان -أن الحلم بنظام عالمي متكامل سوف يخلي مكانه لصراع بين تكتلات متنافسة. وفي هذا السيناريو، سيضم تكتل تقوده الصين الأوتوقراطيات ذات النزعات العدوانية في أوراسيا، إلى جانب مجموعة من الدول رفيقة الدرب من كوبا إلى باكستان، وأجزاء واسعة من الجنوب العالمي. وفي المقابل، سيضم تكتل تقوده الولايات المتحدة حلفاء ديمقراطيين على أطراف أوراسيا. وسوف تنضم مجموعة من الدول المتأرجحة -من الهند إلى السعودية، ومن البرازيل إلى إندونيسيا- بطريقة انتقائية إلى هاتين الكتلتين، بينما تناور بطريقة انتهازية بينهما. وسوف تقود السياسات الدولية المستقبلية عودةً إلى ماضي الحرب الباردة.
ولن تكون هذه عودة مثالية: ستكون لدى صين متصلة عالميًا من أدوات الجذب والإكراه الاقتصادي خيارات أفضل بكثير مما امتلكه الاتحاد السوفياتي في أي وقت. ومع ذلك، سيشهد هذا السيناريو تفككًا تدريجيًا للاقتصاد الدولي، مع تسليح العقوبات وسلاسل الإمداد وتحويلها إلى أدوات للصراع. وسيصبح فصل الروابط الاقتصادية مسألة متى وليس مسألة إذا، ووفق شروط مَن. وكما في الحرب الباردة، سيطغى صراع ثنائي القطب على كل إقليم. وسوف تكون أخطر الأماكن -أوكرانيا، وتايوان، وبحر الصين الجنوبي- على طول خطوط القسمة الجيوسياسية.
سواء أعجبنا ذلك أم لا، فإنّ ثمة قوى بنيوية قوية تدفع نحو هذا المستقبل. وقد يرتفع منسوب التوترات بين الولايات المتحدة والصين أو ينخفض تبعاً لهذه القمة أو تلك الأزمة. وقد يشير الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الرئيس الصيني شي جينبينغ بإجلال وإعجاب. لكنّ الصدام الأساسي يزداد احتداماً فحسب، حيث تصطدم اندفاعة الصين نحو الهيمنة -في التقنيات الأساسية، وفي التجارة العالمية، وفي غرب المحيط الهادئ- بالقوة الأميركية وامتيازاتها. وتميل صراعات القوى الكبرى إلى استقطاب السياسة العالمية؛ ويصبح الاعتماد المتبادل مصدراً للهشاشة وسط نزاعات شرسة. ومن نواحٍ كثيرة، يبدو أن الزخم الدافع نحو هذا المستقبل يتسارع. وقد أدّت حرب روسيا في أوكرانيا إلى تسريع التوافق الاقتصادي والتكنولوجي والعسكري بين الأنظمة الاستبدادية الأوراسية بشكل هائل. ويدرك شي جينبينغ والرئيس الروسي فلاديمير بوتين أنّهما لن يتمكنا من الانتصار إلا بالقتال كتفاً إلى كتف في مواجهة المجتمع الديمقراطي. والسؤال الحقيقي الآن هو ما إذا كانت واشنطن ما تزال قادرة على حشد العالم الحرّ.
يُحسب لترامب أنّ إدارته تعمل على بناء مجتمع ديمقراطي مسلّح من خلال المطالبة بزيادة الإنفاق العسكري لمواجهة التهديدات المتشابكة. وقد تؤدي الاتفاقات التجارية التي تجلب استثمارات الحلفاء إلى قاعدة الابتكار الأميركية إلى تحفيز تجميع الموارد والإنتاج اللازمين لمضاهاة الحجم الاقتصادي الصيني. كما توفّر شراكات المعادن الحيوية مساراً -وإن كان طويلاً- إلى التحرر من قبضة الصين الخانقة. ولا يقل أهمية عن ذلك تسديد ترامب ضربات موجعة إلى المحور الاستبدادي من خلال سحق أعضائه الأضعف -إيران وفنزويلا. وربما تكون كوبا هي التالية. وإذا كان التاريخ يصلح دليلًا، فإنّ سعيه إلى إعادة ترسيخ الهيمنة على نصف الكرة الغربي -“مبدأ دونرو” الترامبي- يشكل شرطاً مسبقاً لممارسة القوة الأميركية في العالم الأوسع.
ربما تهيئ الجوانب الأكثر رشداً في سياسة ترامب واشنطن وحلفاءها للنجاح في حرب باردة جديدة. لكنّ الشياطين الكامنة تحكي قصة مختلفة.
لو تأملنا أخلاقيات ترامب السياسية التي ترى أنّ الدول الكبرى هي التي تملي الأوامر بينما تقبل الدول الصغيرة بنصيبها، فسنجده أقرب إلى الانسجام مع شي جينبينغ وفلاديمير بوتين منه إلى معظم حلفاء الولايات المتحدة. كما أنّ نهجه القسري وغير المتكافئ في عقد الصفقات يترك انطباعاً بأنّه أقل اهتماماً بتقوية المجتمع الديمقراطي من اهتمامه بانتزاع أكبر قدر ممكن من التنازلات منه. وتهدد مطالباته الخاصة بغرينلاند وكندا بجعل واشنطن أقرب إلى القوى التعديلية المتعطشة للأراضي، وبتمزيق القلب عبر- الأطلسي للعالم الحر. ويخشى الحلفاء الأوروبيون على نحو متزايد أن يجدوا أنفسهم عالقين بين ثلاث قوى جشعة: الصين؛ وروسيا؛ والولايات المتحدة. وإذا كان الأمر كذلك، فلن تكون هناك حرب باردة جديدة لأنّها لن تكون هناك كتلة ديمقراطية قادرة على الوقوف في وجه الكتلة الاستبدادية.
مع ذلك، لا ينبغي التقليل من احتمال سيناريو “العالمين”. سوف تُخلِّف حقبة ترامب الدمار، لكنها ستترك أيضاً متسعًا لعمليات بناء وإعادة تشكيل. وكلما اشتدت التهديدات الاستبدادية، ازدادت الحوافز أمام أشكال التعاون البراغماتي والتبادلي بين الديمقراطيات. وإذا استطاع خلفاء ترامب صياغة سردية تقوم على الهدف المشترك وليس على الإثراء الذاتي المجرد، فقد يتمكنون من إعادة ترميم ميثاق العالم الحر بمستويات جديدة من الجهد الجماعي ومقاربات جديدة لتقاسم الأعباء. سيظل هذا المستقبل حافلاً بالأزمات والصراعات؛ ولن يكون ثمة عوز في الأخطار. لكنه سيبقى، مع ذلك، أفضل السيناريوهات بالنسبة لجميع الديمقراطيات. سوف يظل عالمان منفصلان أفضل من نظام تديره الصين -أو واحد يواصل التفتت إلى ما هو أبعد من ذلك.
* * *
السيناريو الثاني هو أن يتشظى العالم ما بعد الأميركي – ليس إلى كتلتين عُظميين، وإنما إلى عدة مجالات نفوذ إقليمية أصغر. وفي هذا التصور، تسعى الولايات المتحدة إلى تحقيق عزلتها الإستراتيجية من خلال إعادة التركيز على إمبراطورية نصف كروية تمتد من هونولولو إلى نوك، ومن القطب الشمالي إلى الأرجنتين. وبينما تودّع واشنطن أعباء ما وراء البحار، تندفع الصين إلى الهيمنة على القوس الشاسع الممتد من جنوب شرق آسيا إلى شمال شرقها. وتعمل روسيا على ترسيخ هيمنتها -ربما بوسائل دموية- على فضاء الاتحاد السوفياتي السابق وأجزاء من أوروبا الشرقية.
لكنّ هذا التقسيم القائم على مناطق النفوذ لن يكون مجرد لعبة بين القوى الكبرى. في عالم يتجه إلى التفتت، ستسعى الهند إلى الهيمنة في جنوب آسيا والمحيط الهندي. وستعمل تركيا على ترسيم مجال نفوذ ما بعد عثماني عند تقاطع أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا. وسوف تتزاحم إسرائيل والسعودية وقوى أخرى طامحة على الهيمنة داخل مركّب البحر الأحمر الذي يربط الخليج العربي بالقرن الأفريقي. وهكذا، بعد “السلام الأميركي” يأتي عصر جديد من الإمبراطوريات.
ولا يشترط أن تكون تلك الإمبراطوريات مغلقة بإحكام أو قائمة على الاحتلال العسكري المباشر كما كان حال أوروبا الخاضعة للحكم النازي. إن الهيمنة يمكن أن تتخذ أشكالاً متعددة. لكن النظام العالمي، في هذا المستقبل، سيتحطم على صخور سياسات القوة.
سوف يتفكك القانون الدولي مع قيام الطغاة الإقليميين بفرض معاييرهم الخاصة للسلوك المقبول، بينما يمارسون الضغوط على التابعين المتمرّدين أو يطيحون بهم. كما يعيد السادة الإقليميون تشكيل تدفقات التجارة والاستثمار والموارد، ويفرضون في الوقت نفسه قيوداً صارمة على علاقات جيرانهم الأضعف مع القوى الأخرى. وفي عصر الإمبراطوريات الجديد، لن تكون هناك قواعد عسكرية أوروبية أو آسيوية في أميركا اللاتينية؛ كما ستكون تحالفات واشنطن الخارجية قد ماتت أو أصبحت في حالة انهيار. ويمكن النظر إلى هذا المشهد باعتباره مجموعة متعددة من “مبادئ مونرو” لمناطق مختلفة من العالم.
تاريخياً، نشأت بعض مناطق النفوذ نتيجة صفقات عقدها رجال عصابات، وكانت الحالة الكلاسيكية لذلك هي تقسيم أوروبا الشرقية بين أدولف هتلر وجوزيف ستالين. ويتخيّل بعض المحللين المعاصرين اليوم أن شي جينبينغ ودونالد ترامب وفلاديمير بوتين ربما يحيكون اتفاقهم الخاص لتقطيع العالم وتقاسمه. لكنّ ثمة مناطق النفوذ يمكن أن تنشأ أيضاً بصورة غير رسمية أو تدريجية.
وإذا قامت الولايات المتحدة بتفكيك حلف شمال الأطلسي من خلال الاستيلاء على أراض تابعة لأعضائه، فإنّ صعود مجال نفوذ أميركي في نصف الكرة الغربي قد يسهّل قيام مجال نفوذ روسي في أوروبا الشرقية. وإذا جعل التعاظم العسكري الصيني المتواصل “سلسلة الجزر الأولى” -الممتدة من اليابان إلى تايوان وصولاً إلى الفلبين- غير قابلة للدفاع عنها، فإنّ غرب المحيط الهادئ سيقع تحت ظل بكين حتى لو لم يعترف البنتاغون بذلك صراحة. وبذلك، إذا مضت واشنطن بكل ثقلها نحو الهيمنة على نصف الكرة الغربي بينما تتبنى الفكرة التي عبّر عنها ترامب نفسه، التي ترى أنّ ما يجري وراء المحيطات هو مشكلة تخص الآخرين، فقد تكون النتيجة قدوم عالم متعدد مدارات النفوذ.
*هال براندز Hal Brands: مؤرخ وباحث أميركي متخصص في الإستراتيجية والسياسة الخارجية، يشغل منصب أستاذ هنري كيسنجر للشؤون العالمية في كلية جون هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة. وهو زميل بارز في معهد المؤسسة الأميركية، ومدير إداري في شركة الاستشارات الاستراتيجية “شركاء ماركو الاستشاريون”. يُعرف بكتاباته وتحليلاته حول الاستراتيجية الأميركية، والتنافس بين القوى الكبرى، والعلاقات الدولية، وله مؤلفات بارزة عن السياسة الخارجية الأميركية والحرب الباردة وصعود الصين. يكتب بانتظام في مجلات وصحف أميركية مؤثرة مثل “فورين بوليسي” و”بلومبيرغ”.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Three Scenarios for a Post-Trump World
—————-انتهت النشرة—————–

