كتبت عميرة هس في هآرتس : ابتسامات الجنود في غزة هي كالسكاكين في ظهر والديّ الناجين من الهولوكوست

المسار: تُعرض أعمال الناجية من المحرقة تسيّا ستويكا في “مركز الرسومات” في نيويورك. وما إن تقع العين على هذه اللوحات والرسومات حتى تقبض على الأنفاس. فيها ما يدهش، وفيها ما يبدو مألوفًا على نحو موجع. كل عمل قائم بذاته، لكن الأعمال مجتمعة تفتح بابًا واحدًا على الرعب. من التشخيصي إلى التعبيري، وصولًا إلى ما يكاد يكون تجريدًا كاملًا، تنقل أعمال ستويكا الهول الذي عاشته طفلةً، والعنف المنفلت الذي وُضعت في مواجهته، والطبيعة التي كانت ملاذًا ثم انتهكتها القسوة وخرّبتها، ثم التلاشي البطيء للإنسان وهو لا يزال حيًا. أنا ابنة ناجين من المحرقة. وكل لوحة لستويكا أعادت إليّ شيئًا عن والديّ؛ شيئًا لم أسألهما عنه يومًا، أو نسيته، أو دفنته في داخلي.

وُلدت تسيّا ستويكا عام 1933. وفي عام 1943، رُحّلت والدتها وإخوتها الخمسة من النمسا إلى أوشفيتس، حيث أُسكنوا في أسرّة خشبية ضيقة داخل ثكنة قرب المحارق. وكان والدها قد نُقل قبل ذلك إلى معسكر داخاو، حيث قُتل عام 1942. مات شقيقها الأصغر بالتيفوس، وتحوّل كثير من أفراد العائلة الممتدة إلى رماد في المحارق. ومن هناك نُقلت ستويكا مع والدتها وشقيقتيها إلى معسكر “رافنسبروك” شمال برلين، ثم رُحّلن في يناير 1945 إلى “بيرغن بيلزن”، حيث بقين حتى تحرير المعسكر في منتصف أبريل. وعندما عدن إلى فيينا، وجدن الإخوة هناك.

في أوشفيتس وُشمت الأرقام على أذرعهن. كان رقم تسيّا، التي لم تتجاوز العاشرة، Z6399. وقد خُصص الحرف Z للغجر من أبناء الروما، مثلها. وفي عام 1948، أصدرت وزارة الداخلية النمساوية أمرًا بشأن ما سمّته “الخطر الغجري”، تضمّن ترحيل الروما عديمي الجنسية. وفي ستينيات القرن الماضي، وبعد سنوات من النضال من أجل الاعتراف بالمحرقة التي تعرّضوا لها، بدأ الروما في النمسا بالحصول على تعويضات. أنجبت ستويكا أربعة أطفال، وعاشت من بيع السجاد. واستبدلت حياة الترحال بسكن دائم. وفي أواخر الثمانينيات، حين بلغت الخامسة والخمسين، بدأت تروي وتكتب وترسم، كأن ما عاشته حدث بالأمس فقط. توفيت عام 2013.

منذ طفولتي، كانت صور النازيين وهم يبتسمون أثناء تعذيب أسراهم، أو حتى وهم يراقبونهم في طريقهم إلى القاطرات، تثير فيّ الغثيان والاشمئزاز والكراهية. وتنجح ستويكا في تحرير هذه المشاعر، التي تعجز الكلمات وحدها عن احتوائها، ونقلها إلى لوحاتها. الابتسامة بحد ذاتها ليست عنفًا. لكن تلك الابتسامات — الموثقة اليوم في مقاطع فيديو ينشرها الجنود أنفسهم على شبكات التواصل، إلى جانب معتقلات فلسطينيات مقيّدات ومعصوبات الأعين، أو أمام قرى وأحياء دمّروها — تبدو لي كسكاكين مغروسة في ظهر والديّ.

رسمت ستويكا أسراب الغربان التي كانت تنجذب إلى رائحة الجثث. والغربان في أعمالها ليست مجرد طيور؛ إنها رمز للقوة والوحشية اللتين لا تنضبان لدى صانعي الموت، وصورة ملازمة للموت نفسه، الذي كتبت عنه: “حتى الموت كان يرتعب من أوشفيتس”. وعن ملاحقة الغجر والتمييز ضدهم بعد الحرب كتبت: “أخشى أن تكون أوروبا قد نسيت ماضيها، وأن أوشفيتس لم يمت، بل ينام فقط”.

رسمت ستويكا نارًا مجازية وأجسادًا تتطاير بين ألسنتها. أما في غزة، فالعالم يتلاشى تحت القصف؛ قنابل “ذكية” وأخرى عمياء. رسمت ستويكا وجوهًا بلا ملامح خلف الأسلاك الشائكة، وأسلاكًا شائكة بلا بشر، وعيونًا بلا وجوه. لكن عيني أمل اللوزيتين، وجبهة مصطفى العالية، والغليون في فم سمير فيما تضيق عيناه من الضحك، وغمازة يافا، تعيد جميعها ملامح الوجوه إلى أصحابها. كل إنسان حي هناك فقد عشرات، وربما أكثر، من أفراد عائلته وأصدقائه.

قبل الحرب، كانت إسرائيل تحتجز 2.3 مليون إنسان داخل 365 كيلومترًا مربعًا. واليوم، بعد اقتطاع “الخط الأصفر” و”الخط البرتقالي”، لم يتبقَّ سوى نحو 120 كيلومترًا مربعًا، نحاصر فيها قرابة مليوني إنسان — بعد خصم القتلى، والجثث المتحللة بلا دفن، والمعتقلين الذين يذبلون في السجون، ومن تمكنوا من الفرار.

Share This Article