| افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات |
معهد بحوث الأمن القومي (INSS) 9/11/2025
اليوم التالي لترامب: كيف ينبغي لإسرائيل أن تستعد للهزة المرتقبة؟
بقلم: تمير هايمان وأفيشاي بن ساسون-غورديس
تتوافق خطة ترامب لإنهاء الحرب في قطاع غزة بشكل كبير مع المصلحة الإسرائيلية الأوسع: إعادة المخطوفين من أسر حماس، ونهاية الحرب، وإبعاد حماس عن السلطة في قطاع غزة، ونزع سلاح حماس، وتعزيز علاقات إسرائيل الجيدة مع دول الشرق الأوسط، مع الحد من ميل إسرائيل إلى عزل نفسها على الساحة الدولية. علاوة على ذلك، يُعدّ اعتماد الخطة أمرًا بالغ الأهمية لتحفيز الرئيس ترامب على الترويج لمبادرات إضافية من شأنها تعزيز الأمن القومي لدولة إسرائيل.
قد يشير انخراط الرئيس ترامب في قضية أمن إسرائيل، وخاصةً خطة إنهاء الحرب في قطاع غزة التي قدمها، إلى علاقة قوية وعميقة بين إسرائيل والولايات المتحدة. (قد يقول البعض إن إسرائيل ستصبح مثابة محمية). قد يكون هذا الانطباع صحيحًا، ولكن عند تحليل الاتجاهات طويلة المدى، يجب إدراك الواقع الإشكالي الذي يتطور في العلاقات الإسرائيلية الأمريكية والتعامل معه مسبقًا للحد من حدته.
في الواقع، تمر الولايات المتحدة بتغييرات داخلية جذرية، تمامًا كما يمر المجتمع الإسرائيلي. تتأثر العلاقات بين الدولتين بشدة بهذه التغييرات، وهي تغييرات ديموغرافية واجتماعية وسياسية. وبالاجمال، يمكن القول إن الصوت التقدمي الراديكالي يكتسب زخمًا متزايدًا في صفوف الجناح اليساري للنظام السياسي الأمريكي. هذا اتجاه متطرف يسعى للتكفير عن خطايا الآباء المؤسسين (استعباد السود وقتل السكان الأصليين للقارة) من خلال تمجيد الضعفاء والمستغلين وكراهية (بما في ذلك كراهية الذات) الرجل الأبيض، “المتميز”. من هذا المنظور، تُوصف دولة إسرائيل بأنها رمز “الرجل الأبيض القوي والمستغل” في مواجهة الشعب الفلسطيني الضعيف والمضطهد والمظلوم. وبعيدًا عن هذه الدوائر الراديكالية، يتعمق الإحباط تجاه إسرائيل لدى دوائر واسعة من اليسار الأمريكي المعتدل، ويزداد سوءًا في طريقة النظر إلى تصرفات الحكومة الإسرائيلية على الساحة الداخلية.
كما يتغير اليمين الأمريكي المحافظ. يتوق العديد من مؤيديه إلى فترة الخمسينيات المجيدة، التي واجهت خلالها الولايات المتحدة أيضًا تحديات على الساحة الدولية، لكنها في الواقع تمتعت بمكانة لا جدال فيها. الرئيس ترامب نفسه، كما يتضح من اختياراته الموسيقية وإشاراته السينمائية، معجب بالثمانينيات – رئاسة رونالد ريغان – التي عبرت أيضًا عن شوق إلى الخمسينيات. من وجهة نظر هذه الدوائر، كانت هذه هي السنوات التي برزت فيها الولايات المتحدة كقوة عالمية هائلة، بقيادة هيمنة الذكور البيض المسيحيين، والتي تشكل التمثيل النهائي لهذه الهيمنة. بهذا المعنى، فإن حركة MAGA التي يقودها الرئيس ترامب هي تعبير عن الأصولية (الشوق إلى الأساسيات). تتطلب “العظمة” الأمريكية في نظر شعبها الاستثمار في الولايات المتحدة (وفي هذا الإطار – النصر في المنافسة مع الصين)، بينما يُنظر إلى الاستثمار خارج الولايات المتحدة نفسها على أنه غير ضروري. يُنظر إلى إسرائيل، في أوساط شريحة متطرفة من هذا المعسكر، على أنها دولة استغلالية تحاول التلاعب بالولايات المتحدة لإجبارها على خوض حروبها – ليس بالضرورة بما يتوافق مع المصالح الأمريكية – مما يُضعف الولايات المتحدة في المنافسة على الهيمنة العالمية. إلى جانب ذلك، هناك أصواتٌ صاخبة في هذا المعسكر تُعبّر عن آراءٍ معاديةٍ للسامية بشكلٍ صارم وتربطها بإسرائيل.
تشير استطلاعات الرأي العام بوضوح إلى هذه الاتجاهات: هناك انخفاضٌ كبيرٌ ومستمرٌ في دعم إسرائيل بين المواطنين الأمريكيين، على المستويين العام والبرلماني. ووفقًا لمسحٍ أجراه معهد بيو في نهاية آذار 2025، فقد وصلت نسبة الأمريكيين الذين يُعبّرون عن رأيٍ سلبيٍّ تجاه إسرائيل إلى مستوىً قياسيٍّ بلغ 53 في المئة، ووصل التعاطف مع إسرائيل مقارنةً بالتعاطف مع الفلسطينيين إلى أدنى مستوى له منذ 25 عامًا. كما انخفض معدل التعاطف مع إسرائيل بين جميع البالغين في الولايات المتحدة إلى 46 في المئة فقط، وفقًا لاستطلاعٍ أجرته مؤسسة غالوب في آذار – وهو أيضًا أدنى رقمٍ في السنوات الخمس والعشرين الماضية. إن الارتباط الذي نشأ في الرأي العام الديمقراطي وبين قادة الأحزاب بين الحكومة الإسرائيلية والحزب الجمهوري يُعمّق هذه الاتجاهات بشكل أكبر، وقد يُترجم إلى سياسة خارجية مختلفة لإدارة ديمقراطية مستقبلية – أقل ميلاً إلى دعم إسرائيل.
تشير استطلاعات رأي أخرى إلى اتجاه مماثل: ففي استطلاع أجرته جامعة ماريلاند، يعتقد 41 في المئة من الأمريكيين أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية أو أعمالاً مماثلة في قطاع غزة. وقد ازداد الدعم للفلسطينيين تدريجياً ليصل إلى 33 في المئة (مقارنةً بـ 15 في المئة في عام 2016). ولا يزال الدعم لإسرائيل مرتفعاً بين الجمهوريين (75 في المئة)، ولكن هنا أيضاً بدأ اتجاهٌ تنازلي: فبين الفئة العمرية 18-34 عاماً، ينخفض الدعم لإسرائيل بشكل ملحوظ: 13 في المئة فقط يؤيدون إسرائيل مقارنةً بـ 67 في المئة ممن تزيد أعمارهم عن 65 عاماً.
لا يزال الإنجيليون البيض مؤيدين متحمسين لإسرائيل، لكن الأبحاث تُظهر تراجعاً مستمراً في قوتهم ونطاق دعمهم. هذا المجتمع آخذ في الانكماش: فقد انخفضت نسبة الأمريكيين الذين يُعرّفون أنفسهم بأنهم إنجيليون من 23 في المئة عام 2006 إلى 14 في المئة عام 2020. إضافةً إلى ذلك، تتراجع مكانة إسرائيل بين هذه الفئة. فقد انخفض دعم إسرائيل بين الإنجيليين الشباب من 69 في المئة عام 2018 إلى 34 في المئة عام 2021، ولا يزال هذا الاتجاه مستمرًا. وتشير استطلاعات رأي جديدة إلى أنه في حين أن دعم إسرائيل بين الإنجيليين الشباب أعلى منه بين نظرائهم غير الإنجيليين، إلا أنه أقل بعشرات النقاط المئوية منه بين الإنجيليين الأكبر سنًا. باختصار، بالنظر إلى المستقبل، تقف إسرائيل على شفا هاوية سحيقة.
الاستنتاج: يجب استغلال الفرصة الفريدة التي يتيحها رئيسٌ استثنائي. ما دام الرئيس ترامب في البيت الأبيض، فإسرائيل لديها فرصةٌ عظيمة. يجب استغلال هذه الفرصة بالعمل على مسارين: جهدٌ لتشكيل الشرق الأوسط، وجهدٌ لتعظيم قوة إسرائيل وتعزيزيها. قد تُخفف هذه الجهود من حدة الاتجاهات السلبية التي تواجه إسرائيل، وتضمن مصالحها الحيوية في حال استمرارها.
السياسة المطلوبة لتشكيل الشرق الأوسط:
الساحة الإقليمية/الفلسطينية: تُبلي الحكومة الإسرائيلية بلاءً حسنًا بقبولها رسميًا مبادرة ترامب، لكن علينا المضي قدمًا واستغلال الفترة الحالية لرسم الخطوط العريضة السياسية للفصل بين دولة إسرائيل وكيانٍ فلسطيني مستقل (منزوع السلاح، ذو سيادة محدودة، خاضع لاتفاقيات مع إسرائيل، كما طالبت إسرائيل في مفاوضات سابقة). بهذا المعنى، يُمكننا الربط بمبادرة ترامب للعام 2020 (صفقة القرن): هناك أجزاءٌ من هذه المبادرة قد تخدم إسرائيل جيدًا، بل إنها مُدرجةٌ في الخطة الحالية المطروحة. إن جسرًا بين مبادرتي ترامب قد يُمهّد الطريق لحل الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني.
استراتيجية ثنائية المستوى ضد إيران: ضغط اقتصادي قد يُزعزع استقرار النظام، لكن هدفها الحقيقي هو دفع إيران إلى الموافقة على اتفاق نووي أفضل من سابقه. تجمع هذه الاستراتيجية بين سياسة الضغط الاقتصادي والسياسي الأقصى التي تقودها الولايات المتحدة، إلى جانب تهديد عسكري حقيقي، من خلال بناء قدرة هجومية إسرائيلية أمريكية مشتركة جديدة. إذا طرأ تغيير على النظام الإيراني، فهذا أفضل، ولكن إذا بقي النظام الإيراني في مكانه رغم كل هذه الإجراءات، فيجب استغلال نهاية ولاية ترامب لصياغة اتفاق نووي أفضل من سابقه، يضمن عدم امتلاك إيران أسلحة نووية أبدًا. من المستحسن عدم ترك هذا الأمر للرئيس القادم، كما تأمل القيادة الإيرانية.
قيادة مسؤولة لسوريا نحو نظام معتدل: الوضع النهائي المنشود في سوريا واضح – دولة مستقرة تسيطر على أراضيها ولا تسمح بتطور أي تهديد لإسرائيل، وتحافظ على علاقات دبلوماسية مع إسرائيل تصل إلى حد التطبيع. الطريق إلى هذه الغاية أقل وضوحًا. من الصواب الدفع نحو اتفاقية أمنية أولًا، لكن لا ينبغي دفع الشرع (الذي لا تزال نواياه غامضة) إلى اتخاذ قرارات متسرعة، قد تؤدي إلى سقوطه واستبداله بزعيم أكثر تطرفًا، وأكثر توجهًا نحو الإسلام الجهادي. بمعنى آخر: في الحالة السورية الخاصة، لا يقل الطريق أهمية عن الهدف. يجب وضع معالم تُسهم في استقرار نظام معتدل في سوريا، بما في ذلك إنهاء السيطرة العسكرية الإسرائيلية على الأراضي السورية مقابل اتفاقية أمنية، مع دراسة متأنية لموقف النظام تجاه إسرائيل، مع توخي الحذر اللازم، مع إدراك أن تفويت المنعطفات التاريخية يُمثل أيضًا خطرًا. وبما أن الشرع يعتمد على المساعدات الأمريكية/الخليجية لبقائه ولإعادة إعمار سوريا، فإن الولايات المتحدة هي من يملك زمام المبادرة في تحديد المسار.
التطبيع مع لبنان ونزع سلاح حزب الله: يُعدّ الهجوم الإسرائيلي المستمر، والهادف إلى منع إعادة تأهيل حزب الله، بالغ الأهمية. إن إضعاف الجيش الإسرائيلي للمنظمة عسكريًا هو ما سمح للحكومة اللبنانية بالمطالبة بنزع سلاحه. لكن لا بد من بذل المزيد من الجهود وبسرعة أكبر، إذ أن الفرصة السانحة في هذا السياق على وشك الانغلاق. تهدف إيران إلى إعادة تأهيل حزب الله، وبمجرد أن يستعيد قوته، سيتوقف التحرك الذي تحاول الحكومة اللبنانية الترويج له. لذلك، يجب تسريع جهود تفكيك حزب الله بمساعدة الرافعة الأمريكية: يمكن للجيش الأمريكي دعم الجيش اللبناني ومرافقة تفكيك حزب الله بإشراف ورقابة وثيقين (حتى درجة التدخل المباشر)، وهو ما سيكون أكثر فعالية من قوة اليونيفيل، التي تمر بعامها الأخير. اليوم، معظم النشاط في هذا المجال رمزي وغير مفيد. يجب استبدال الكلام بالعمل، ويفضل أن يكون ذلك من قبل الجيش اللبناني والولايات المتحدة. ومع ذلك، يجب علينا أيضًا الاستعداد لزيادة العمل الإسرائيلي بطريقة تسمح لنافذة ضعف حزب الله بالبقاء مفتوحة من أجل استنفاد العملية السياسية.
تعزيز أمن إسرائيل:
مذكرة تفاهم جديدة مع الولايات المتحدة: ينبغي تكثيف الجهود لصياغة مذكرة تفاهم جديدة، يُنظر في إطارها في الانتقال التدريجي من المساعدة الأمنية إلى شراكة تجارية (وفقًا للنهج الذي تتبعه الإدارة الأمريكية حاليًا). بمعنى آخر، الانتقال من وضع إسرائيل كـ “دولة مدعومة” إلى “شريك استراتيجي”. في هذا الإطار، ينبغي تعزيز بناء قوة دفاع مشتركة، بما في ذلك إزالة عوائق التصدير والاستيراد، وتعميق القدرة الإنتاجية في الولايات المتحدة وإسرائيل، والاندماج الشامل والعميق لإسرائيل في البحث والتطوير الأمريكي. قد تُعزز هذه الخطوة العلاقة الخاصة بمرور الوقت، استنادًا إلى التزام تجاري تعاقدي يعكس مصلحة مشتركة، وليس فقط قيمًا مشتركة. يتجه المناخ السائد في الساحة الدولية اليوم نحو التركيز المتزايد على الالتزام التجاري كأساس للعلاقات بين الدول.
برنامج بحثي مشترك حول موضوع التكنولوجيا العميقة (DeepTech): ستُغير التقنيات الثورية – الحوسبة الخارقة والذكاء الاصطناعي – مسار الحياة حول العالم، بما في ذلك ساحة المعركة المستقبلية. في هذا السياق، لا تزال إسرائيل في المكان المناسب للانضمام إلى هذا التحالف اليوم، لكن إدارة أمريكية أقل تعاطفًا مع إسرائيل، إلى جانب استمرار التوجه المُهدد لإسرائيل كدولة مُلوثة سياسيًا وأخلاقيًا، وبالتالي مُنبوذة، قد يُقصيها عن زخم التنمية الدولية ويُبقيها في الخلف. فقط سياسة استباقية من الرئيس ترامب (بيان رئاسي) أو تشريع في الكونغرس كأساس للشراكة الإسرائيلية في البحث والتطوير، إلى جانب ظروف أفضل في الولايات المتحدة للشركات الإسرائيلية الناشئة في مجال الحوسبة، كفيلان بمنع ذلك.
انضمام إسرائيل إلى “العيون الخمس”: هذا تحالف، نوع من النادي المرموق والفريد والقائم على الثقة، لتبادل المعلومات الاستخباراتية بين خمس دول – الولايات المتحدة، وكندا، والمملكة المتحدة، وأستراليا، ونيوزيلندا. تتشارك الدول الأعضاء مصادرها الاستخباراتية، وبالتالي تُنشئ نظام إنذار أقوى بكثير من نظام كل دولة على حدة. إن دمج إسرائيل في هذا الإطار سيُحسّن قدراتها الاستخباراتية، وكذلك مكانتها السياسية – مما سيساعدها على تحقيق جميع أهدافها في كلا المسارين – سواءً في ساحة الشرق الأوسط أو في الساحة الدولية الأوسع. كما سيُسهم العمل الإسرائيلي على الساحة الإقليمية في هذا الصدد.
ملخص
خلال العام 2026، ستستعد إسرائيل للانتخابات العامة. أما الولايات المتحدة، فستخوض انتخابات التجديد النصفي، وبعدها مباشرةً ستجد نفسها في حملة انتخابية رئاسية العام 2028. تكمن أهمية هذا الجدول الزمني في أن إسرائيل ليس لديها ثلاث سنوات كاملة للراحة على أمجادها والتمتع بدعم ترامب. الوقت قصير جدًا. يجب أن نتحرك الآن، وبإحساس بالاستعجال. يجب أن نعزز التعاون التكنولوجي ومذكرة التفاهم الجديدة مع الإدارة الأمريكية الحالية، وفي الوقت نفسه ننشئ شبكة من الاتفاقيات التي تُرسّخ الإنجازات العملياتية لإسرائيل في الحرب ضد حماس وساحات الصراع الأخرى. إن وقف تدهور الحرب في قطاع غزة إلى حرب استنزاف لا نهاية لها وإنهائها تطورٌ مهم. علينا أن نسعى جاهدين لتحقيق الجزء الثاني من الاتفاق، والتنفيذ الكامل لخطة الرئيس ترامب المكونة من عشرين نقطة.
——————————————-
هآرتس 9/11/2025
مع ملاحقته للمجرم نتنياهو.. أردوغان مصمم على لعب دور في غزة: ما رأي السيسي؟
بقلم: تسفي برئيل
الـ 37 أمر اعتقال، التي أصدرها النائب العام في تركيا الجمعة الماضي، ضد شخصيات وقادة اسرائيليين، ليست سوى “الوجبة الأولى” في الملاحقة التي بدأتها تركيا وراء من هم -حسب رأيها- مسؤولون عن جرائم حرب، وعما يعتبر في لوائح الاتهام نية للإبادة الممنهجة لسكان قطاع غزة. كما هو متوقع، على رأس القائمة نتنياهو، ومعه كاتس، وبن غفير، وإيال زامير، وقائد سلاح البحرية دافيد سلمه.
لم تنشر بعد أسماء الأشخاص الآخرين. لوائح الاتهام الطويلة تذكر بالتفصيل عشرات حالات المس بالمدنيين، من بينهم نساء وأطفال، وتدمير مستشفيات ومنع الطعام والمساعدات الإنسانية، وتدمير البنى التحتية المدنية. مصدر رفيع في تركيا قال للصحيفة إن إعداد لوائح الاتهام تم بتعليمات واضحة من الرئيس اردوغان، واستمر أسابيع طويلة. حسب قوله، كانت الصعوبة متى سيتم نشر أوامر الاعتقال ولوائح الاتهام، حيث كان العائق الرئيسي هو النقاشات التي أجرتها تركيا مع الولايات المتحدة ودول الوساطة حول تشكيلة القوة الدولية التي ستدخل إلى قطاع غزة من أجل إعادة الإعمار.
يبدو أن اردوغان يرد على معارضة إسرائيل المصادقة على نشاط قوات تركية في غزة، وإدراكها بأن الإدارة الأمريكية تميل إلى تبني موقف إسرائيل
“يبدو أن اردوغان يرد على معارضة إسرائيل المصادقة على نشاط قوات تركية في غزة، وإدراكها بأن الإدارة الأمريكية تميل إلى تبني موقف إسرائيل”، قال المصدر التركي الرفيع. “قرر اردوغان أنه لم يعد هناك سبب للانتظار”.
لكن من الجدير التعامل مع هذا التفسير التركي بتشكك. بالنسبة لأردوغان، لم تنته بعد قضية مشاركة تركيا في القوة الدولية، وهو ينوي إجراء صراع حازم من أجلها. مشكوك فيه إذا كان يرى أي تناقض بين إصدار أوامر الاعتقال لشخصيات إسرائيلية رفيعة وبين احتمالية مشاركة تركيا في القوة الدولية. بمكانته كـ “عزيز الإدارة الأمريكية” يطمح أردوغان إلى تحقيق إنجاز مزدوج: معاقبة إسرائيل، والحصول على إذن من أمريكا للمشاركة في القوة.
الأمر لا يقتصر فقط على ترسيخ مكانة تركيا كدعامة رئيسية في الساحة، التي أصبحت محور السياسة الأمريكية. لقد تم استبعاد تركيا لسنوات عن التدخل في الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين، وهي لم تكن مشاركة في المفاوضات السابقة بين الإدارات الأمريكية واسرائيل والسلطة الفلسطينية حول حل “القضية الفلسطينية”. وحتى في الفترة التي كانت فيها علاقة اردوغان مع رؤساء الوزراء في إسرائيل جيدة، بل ممتازة، مثل صداقته مع إيهود أولمرت، لم تعتبر إسرائيل تركيا وسيطة محتملة، ومعها أيضاً الولايات المتحدة، ومصر، والأردن والسلطة الفلسطينية، ككلهن فضلن الوساطة العربية على تدخل تركيا. يجب التذكير في هذا السياق بانتقاد تركيا الشديد للإمارات بسبب التوقيع على اتفاق السلام مع إسرائيل، وتهديدها بقطع علاقاتها مع أبو ظبي عقب ذلك.
أثناء الحرب في غزة، لم تجد تركيا لنفسها مقعداً فارغاً على طاولة الوساطة الرئيسية، رغم أنه طلب منها عدة مرات، سواء من إسرائيل أو من أمريكا، الإسهام في جهود تحرير الرهائن. وحسب مصادر إسرائيلية، نجحت تركيا بالفعل في ضمان إطلاق سراح خمسة تايلانديين، كما شاركت في النقاشات حول إطلاق سراح الرهائن الإسرائيليين، إلا أنها بقيت بعيدة عن الساحة الرئيسية في كل “العروض العلنية” التي قدمتها قطر ومصر والولايات المتحدة. يبدو أنه عند اقتراب المرحلة النهائية، عندما قدم ترامب خطته لإنهاء الحرب، كانت حماس هي التي منحت تركيا المكانة العلنية كدولة ضامنة لتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار وكل مراحل خطة النقاط العشرين.
الشراكة التركية التي تبناها ترامب بالتزامن مع توقيع اردوغان على “إعلان شرم الشيخ”، لامست نقاط ضعف كثيرة، ليس فقط في إسرائيل. فمصر، صاحبة الحق بوضع خطة ترامب الرئيسية، عندما اقترحت ما عرف بـ “الخطة المصرية” في آذار الماضي، تنظر الآن بتشكك إلى تدخل تركيا. ورغم استئناف العلاقات الدبلوماسية بين الدولتين بعد 12 سنة من القطيعة والعداء، فلدى مصر اعتبارات جوهرية ضد تدخل تركيا الكثيف في غزة.
إذا تقدمت خطة ترامب إلى المرحلة الثانية والثالثة ولم تتوقف عند وقف إطلاق النار، فستعتبر مصر نفسها المرشحة الأفضل لتكون الذراع التنفيذية في خطة إعادة إعمار غزة بإشرافها تحت “مجلس السلام” الذي شكله ترامب. هذا لا يعني لها فقط مليارات الدولارات من الإيرادات وتشغيل الشركات المصرية والمصريين في إعادة إعمار غزة، وشراء المواد الاستهلاكية ومواد البناء، وتحصيل الرسوم الجمركية وتحصيل الدفعات مقابل الخدمات التي يتم شراؤها في غزة، بل تسعى مصر أيضاً إلى قيادة القوة الدولية لضمان “أمن” الحدود بينها وبين القطاع.
في هذه الخطة المستقبلية، يبدو أن آخر أمر تحتاجه القاهرة هو منافسة تجارية مع تركيا، ما قد يؤثر سلباً على الأرباح التي قد تحققها من غزة. وهذا ليس مصدر القلق الوحيد؛ فهناك مناطق توتر سياسية بين مصر وتركيا تنبع من المنافسة التي نشأت بينهما في ليبيا، عندما دعمت تركيا وقطر الحكومة المعترف بها سياسياً وعسكرياً، بينما دعمت مصر والإمارات الجنرال الانفصالي خليفة حفتر.
إن اتفاق ترسيم الحدود الاقتصادية بين تركيا وليبيا، الذي هدد تصدير الغاز المصري إلى أوروبا، أشعل صراعاً دبلوماسياً بين الدولتين، الذي هدأ حالياً لا سيما بعد أن زودت تركيا مصر بسفينة عاز سائل لمساعدتها على تجاوز أزمة الغاز فيها، لكن التوتر السياسي لم يتلاش كلياً. إن موقف تركيا ومصر من سوريا غير موحد. فخلافاً للحفاوة التي أحاط بها أردوغان الرئيس السوري أحمد الشرع، ما زال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يظهر تهذيباً وهدوءاً في تعامله مع من أصبح المحبب لدى ترامب وصديقه المقرب محمد بن سلمان.
السيسي يخشى من أن يمنح دخول القوات التركية إلى غزة، في الوقت الذي يحظى فيه اردوغان على دعم ترامب، “امتيازاً” بشأن السيطرة الأمنية في القطاع، ويلزم مصر على الأقل بالحفاظ على اليقظة العسكرية. لم يكن صدفياً أن يمتنع السيسي عن إرسال وزير الخارجية بدر عبد العاطي أو أي ممثل مصري، إلى المؤتمر الذي بادرت إليه تركيا الأسبوع الماضي لمناقشة مستقبل غزة. وعندما سئل وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، عن سبب غياب مصر اللافت عن المؤتمر، أوضح بأن وزير الخارجية المصري كان منشغلاً بلقاءات دبلوماسية مهمة منعت مشاركته. ولكن مراجعة جدول أعمال وزير الخارجية كشفت عن عدم وجود أي لقاء مهم مخطط له، أو تم عقده في القاهرة في الفترة التي انعقد فيها المؤتمر في تركيا.
سيتم اتخاذ القرار النهائي بشأن مشاركة تركيا في القوة الدولية في البيت الأبيض في نهاية المطاف، الذي يستخدم ضغطاً كبيراً على الدول العربية والإسلامية. حتى الآن، لا تبدو تركيبة القوة واضحة، وكذلك من سيترأسها، وما هي مهمتها الدقيقة. تحلق فوق هذه الأسئلة قضية مصدر صلاحية نشاطاتها، هل ستكون قوة لحفظ السلام، تعمل تحت غطاء مجلس الأمن، أم في إطار اتفاق دولي يوقع عليه الشركاء. وإذا عملت تحت تفويض الأمم المتحدة، هل ستحصل على الصلاحيات المعطاة لها ضمن البند 7 في ميثاق الأمم المتحدة، الذي ينص على استخدام القوة العسكرية من أجل تطبيق السلام، أم ستكتفي بصلاحية الرقابة فقط.
مشروع القرار المقدم لمجلس الأمن الخميس الماضي الذي صاغته الإدارة الأمريكية لا يجيب عن كل أسئلة وشكوك الدول المتوقع مشاركتها في القوة. وقد أوضح وزير الخارجية التركي بأن مشاركتها مرهونة بالاتفاق على النص النهائي لمشروع القرار. هنا يتوقع أن تكون تركيا عاملاً رئيسياً قد يؤثر على صياغة القرار وآلية تنفيذه، حتى لو لم تتفق الصياغة مع تطلعات اسرائيل. إذا قررت تركيا أن تكون في صف الولايات المتحدة والقيام بدور رائد يمهد الطريق لمشاركة دول أخرى في القوة الدولية، فمشكوك فيه أن تستطيع إسرائيل أو شراكة إسرائيلية – مصرية، منع هذه الخطوة.
——————————————
هآرتس 9/11/2025
كيف تنظر إسرائيل إلى المحور الجديد الآخذ بالتبلور بين واشنطن والرياض؟
بقلم: يوئيل جوجنسكي
اللقاء المتوقع بين ولي العهد السعودي بن سلمان والرئيس الأمريكي ترامب في البيت الأبيض قد يكون لحظة تأسيسية – ليس فقط في العلاقات بين الرياض وواشنطن، بل للشرق الأوسط كله. هذا ليس لقاء سياسي آخر، والحديث هنا يدور عن حدث مع إمكانية كامنة لتغيير ميزان القوة الإقليمية والتأثير مباشرة على مكانة اسرائيل.
إسرائيل ترى في السعودية دولة رئيسية بسبب وزنها السياسي والديني والاقتصادي، وبسبب موقفها من إيران والقضية الفلسطينية. إن تقارب السعودية من الولايات المتحدة أمر ضروري، لا لأنه يحسن أمنها ومكانتها السياسية ويضعها في موقف أفضل أمام إيران، بل أيضاً لأنه يربطها مع المعسكر الأمريكي، المعارض لزيادة نفوذ الصين في الخليج؛ فكل عملية تعزز الرياض في واشنطن ستكون متوافقة مع مصالح اسرائيل.
لكن يكمن في هذه الخطوة مخاطرة كبيرة. كلما عمقت السعودية علاقاتها مع أمريكا تقل دافعيتها لتطبيع علاقاتها مع إسرائيل. ترامب، المعروف باستعداده لـ “إعطاء” شركائه في الشرق الاوسط كل ما يطلبونه، ربما يعطي بن سلمان رزمة تسهيلات بعيدة المدى: القدرة على الوصول إلى التكنولوجيا المتقدمة، المدنية والعسكرية، بما في ذلك بيع محتمل لطائرة قتالية من نوع اف35، وزيادة التعاون في مجال الذرة/ وحتى حلف دفاع أمني يشبه الذي أعطي لقطر. قبل الحرب، كانت هذه هي “الجزرة” التي وعدت بها السعودية مقابل التطبيع مع إسرائيل.
كلما عمقت السعودية علاقاتها مع أمريكا تقل دافعيتها لتطبيع علاقاتها مع إسرائيل.
المعنى مزدوج هنا. أولاً، تستطيع السعودية تحقيق أهدافها السياسية والأمنية بدون دفع الثمن السياسي للتطبيع مع إسرائيل – وهي خطوة استقبلت بمعارضة داخلية وانتقاد عاد في العالم العربي. ثانياً، وصول السعودية إلى تكنولوجيا عسكرية متقدمة قد يعمل على تآكل التفوق النوعي للجيش الاسرائيلي في الشرق الأوسط – وهو مبدأ أساسي في سياسة إسرائيل الأمنية. وفي النهاية، إعطاء شرعية لتخصيب اليورانيوم كما تطلب السعودية. حتى مع قيود وتحت رقابة كبيرة، سيحطم الطابو حول هذا الموضوع، وقد يفتح الباب أمام انتشار السلاح النووي في دول أخرى في الشرق الأوسط.
المفارقة واضحة: كلما تعززت العلاقات بين واشنطن والرياض، ستبتعد احتمالية التوصل إلى اتفاق بين اسرائيل والسعودية، إلا إذا أظهرت إسرائيل مرونة سياسية ورؤية بعيدة المدى. في هذا الإطار، تبدو الموافقة على إدخال قوات السلطة الفلسطينية على غزة وتأييد لفظي أيضاً لإقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح، هي نقطة البداية.
إسرائيل، التي تريد رؤية منظومة سياسية واسعة تقف أمام إيران، ربما تكتشف أن شريكتها الرئيسية المحتملة ستحصل على ما تريد من الأمريكيين بدون شروط. يريدون السعوديون رؤية أـفق سياسي إسرائيلي – فلسطيني كشرط لإقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، حتى لو ضمن نموذج يختلف عن نموذج اتفاقات إبراهيم، وكشرط لمشاركة أهم من ناحيتهم في قطاع غزة.
اللقاء القريب في البيت الأبيض يقتضي من إسرائيل الرقابة عن كثب، بل وكيفية الحفاظ على مكانتها المميزة في مثلث واشنطن – الرياض – القدس. إذا وقفت إسرائيل فستكتشف أن محوراً أمريكياً – سعودياً جديداً يُبنى بدونها. وإذا عملت بحكمة، فستستغل هذا التقارب وتحوله إلى فرصة جديدة، ليس للتطبيع فقط، بل أيضاً للحفاظ على تفوقها الاستراتيجي.
——————————————-
هآرتس 9/11/2025
كاتس في “حرب الحوامات”: لو كان لدى “النظام المصري المستبد” نية لمنعها لفعل
بقلم: إسرائيل هرئيل
إزاء ضربة تهريب السلاح والمخدرات، أعلن وزير الدفاع يسرائيل كاتس عن حالة حرب على الحدود مع مصر. وإذا لم يكن هذا كافياً، فقد اعتبر المنطقة القريبة من “حدود السلام” منطقة عسكرية مغلقة. ليس أقل من 900 حوامة تحمل السلاح والمواد المتفجرة والمخدرات اخترقت الجدار الحدودي في الفترة الأخيرة. كيف ينوي كاتس مواجهة هذا الوضع؟ أصدر تعليمات لـ “الشاباك” من أجل التعامل مع هذه الظاهرة كـ “نشاطات إرهابية” وطلب من الجيش إيجاد طريقة ناجعة لاعتراض هذه الحوامات.
هناك أمراض يمكن علاجها، وهناك أمراض مزمنة يمكن السيطرة عليها بالأدوية. ومرض الحوامات يندرج، إذا أرادت مصر، ضمن الفئة الأولى: مرض يمكن علاجه، لكن قيادتنا السياسية والعسكرية تتعامل مع حرب الاستنزاف هذه على أنها مرض غير قابل للشفاء.
حتى إذا تم اعتراض المزيد من الحوامات عقب إعلان كاتس الحرب، فإن جذور هذه الظاهرة الخبيثة، ليس فقط على حدود السلام، يتم إنكارها
حتى إذا تم اعتراض المزيد من الحوامات عقب إعلان كاتس الحرب، فإن جذور هذه الظاهرة الخبيثة، ليس فقط على حدود السلام، يتم إنكارها. عملياً، الحكومة اليمينية المطلقة تسلم تماما، مثلما في الأيام التي سبقت 7 أكتوبر، بما يكمن في الأساس العميق للاستنزاف: إن مصر لا تمنع تهريب السلاح والمخدرات إلى المنظمات الإرهابية والإجرامية في إسرائيل. ربما على أمل أن تفاقم هذه المشاكل – إضافة إلى مشاكل الدولة الصهيونية الأخرى الكثيرة – تآكلها حتى يأتي اليوم الذي ستنهار فيه إسرائيل نتيجة الحروب المستمرة، بشكل عام أو جزئي ومرهقة.
لدى الاستخبارات الإسرائيلية معلومات كاملة عن ذلك، ومت ثم للمستوى السياسي الأعلى. مع ذلك، البعض غير مستعد للتعامل معها. هل تريدون مثالاً على ذلك؟ عبر عشرات الأنفاق الواسعة بين رفح المصرية وقطاع غزة، تم نقل صواريخ وسلاح دمار إلى حماس لاستخدامها في المذبحة. مع ذلك، وافقت إسرائيل في إطار نفي مستمر، على أن تكون مصر “الوسيطة” في صفقات الرهائن وأن تكون الجهة المسؤولة عن نزع سلاح حماس. ليس هذا فحسب، بل إن جميع الدول العربية والإسلامية التي ترغب في المشاركة في إعادة إعمار قطاع غزة، هي أيضاً شريكة، بالسر أو علانية، في الهدف الرئيسي: إنقاذ حماس.
الإدارة الأمريكية، بسبب المصالح الاقتصادية للمحرضين الرئيسيين في المنطقة، وبسبب الجهل والسطحية والغطرسة ونفاد الصبر، ينضم إلى هذا الاحتفال محب آخر لصهيون، الأمم المتحدة، التي تعزز تدويل الحرب بيننا وبين حماس، بحكمتها وبصيرتها المعروفة قد تملي علينا وضعاً مشابهاً للوضع في سوريا ووضع حزب الله. ولعدم العودة إلى الأيام الحمراء للإرهاب والدماء، وقبل أن يتم إرساء الأطر الدولية في مجلس الأمن، يجب على إسرائيل أن تعلن عن تعاون دول التدويل مع حماس وحزب الله، وأن ترفض بشدة إنشاء القوة التي ستحرم الجيش الإسرائيلي من حرية العمل.
لو أراد النظام المستبد في مصر لوضع حداً لعمليات الاستنزاف من أراضيه ضدنا. ولا يقل أهمية عن ذلك نزع سلاح حماس بالتعاون مع قطر. هذا بدون حاجة إلى القوة العربية متعددة الجنسيات، قطر ومصر وحدهما يمكن أن توفرا هذه النتيجة بدون جهد. فبدونهما أصلاً لا توجد حياة لحماس.
——————————————
يديعوت أحرونوت 9/11/2025
مع مؤشرات لتجدد الحرب مع “حزب الله”.. لقادة إسرائيل: احذروا النموذج الغزي
بقلم: ميخائيل ميلشتاين
بعد مرور عام تقريبًا على تسجيل أحد أهم الإنجازات في حرب “السيوف الحديدية” – الضربة القاتلة لحزب الله، الذي شكل تهديدًا استراتيجيًا طويل الأمد لإسرائيل وكان بمثابة معقل مركزي لإيران في الشرق الأوسط – تزداد الحاجة إلى العودة إلى حملة واسعة النطاق في لبنان لضمان عدم تكرار واقع 6 أكتوبر 2023.
في العام الذي انقضى منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان، أرست إسرائيل بالفعل معادلة تكتسب شرعية في الداخل والخارج، والتي بموجبها يتم القضاء على أي تهديد يظهر في لبنان – هجمات إرهابية أو جهود إعادة الإعمار أو تهريب الأسلحة – بالقوة. ومع ذلك، فإن الجمع بين دافع حزب الله والدعم الذي تقدمه إيران وصعوبة الحكومة اللبنانية الجديدة في نزع سلاح المنظمة يخلق تهديدًا مقلقًا: يتم تهريب كميات كبيرة من الأسلحة إلى لبنان؛ وخطوط الإنتاج عادت إلى العمل؛ والأهم من ذلك كله، إعادة التنظيم، بما في ذلك تعيين القادة وتجنيد نشطاء جدد. تكتسب المنظمة ثقةً تدريجيًا، ما يشير إلى أنها لن تقبل المعادلة التي تفرضها إسرائيل طويلًا.
الإجماع الواسع حول الحرب التي شُنّت في لبنان قبل عام، والتي يُرجّح أن نحتاجها قريبًا، ينبع من كون الصراع في هذه الساحة قائمًا على أهداف محددة وواقعية
إنّ الإجماع الواسع حول الحرب التي شُنّت في لبنان قبل عام، والتي يُرجّح أن نحتاجها قريبًا، ينبع من كون الصراع في هذه الساحة قائمًا على أهداف محددة وواقعية، وجهد سياسي مُكمّل للجهد العسكري – على عكس الحملة في غزة، التي نجحت عسكريًا لكنها فشلت استراتيجيًا: مليئة بالأوهام، والأماني، والاعتبارات السياسية، والشعارات الفارغة، والخطط الوهمية (التي انهارت مع انتهاء القتال، مثل صندوق الأمم المتحدة للسكان والعشائر)، والمغامرات الضارة (مثل الهجوم على قطر). أضرّت هذه الأمور بشدة بمكانة إسرائيل الدولية، ورافقها جدل داخلي حول هدف الحملة، وانتهت بفرض أمريكي، مع تقييد نطاق عمل إسرائيل ومواجهتها بحقائق، غالبًا ما كانت غير ملائمة لها.
استعدادًا لحملة محتملة في لبنان، ينبغي لإسرائيل الالتزام بالسياسة التي تنتهجها ضد حزب الله منذ 7 أكتوبر، وتجنب تبني سمات حرب غزة. يجب أن يكون للصراع حدود زمنية ومكانية محددة، وأن يرتكز على أهداف قابلة للتحقيق، تتمحور حول “تطهير” المنطقة جنوب نهر الليطاني، من التهديدات الأمنية، وهو ما سيتطلب مناورات برية متجددة في جنوب لبنان، إلى جانب هجمات في بقية أنحاء البلاد، بما في ذلك بيروت. كل هذا بدلًا من شعارات مثل “تدمير حزب الله” التي بدأت تتردد “من مصادر سياسية”، دون إثارة تساؤلات كافية حول الأهمية العملية لهذا الهدف ومدى إمكانية تحقيقه. إضافةً إلى ذلك، من الضروري الحفاظ على تنسيق واسع مع الساحة الدولية، حتى لا تتعرض إسرائيل لضغوط شديدة، كما حدث في قطاع غزة، حيث تُسحب منها مسؤوليتها وحرية عملها تدريجيًا.
إن نزع سلاح حزب الله بالكامل، كما طُلب من حماس، هدف مبرر، لكنه يتطلب تفكيرًا معمقًا في إمكانية تحقيقه. في كلتا الحالتين، ليس من المؤكد إمكانية تحقيق أقصى الطموحات إلا إذا احتل قطاع غزة بأكمله ومعظم لبنان، واتُّخذ قرار بالبقاء في هذه الأراضي لفترة طويلة. من ناحية أخرى، هناك أهداف ليست مثالية، لكنها قد تكون أقلّها ضررًا في الوقت الراهن: في حالة حماس – منع تفاقم الوضع من خلال الإشراف الفعال على محور فيلادلفيا ومعبر رفح، وتطبيق النموذج اللبناني القائم على وقف مستمر للتهديدات (حتى تُقرر إسرائيل شنّ حملة واسعة النطاق ضد حماس في المستقبل)؛ وفي حالة حزب الله – ضمان حرية العمل، وتطهير جنوب لبنان من التهديدات، وتعزيز الضغط الدولي على الحكومة اللبنانية للتحرك. مواجهة حزب الله بحزم (دون توقعات مبالغ فيها في هذه المرحلة). تسهل السخرية من هذا والادعاء بأنه انكسارٌ بروح السادس من أكتوبر، لكن من المستحسن أن نتسلح بنهجٍ رصينٍ ونقديٍّ – وهو ما لم يكن موجودًا قبل السابع من أكتوبر أو بعده – وأن ندرك بأن الإصرار على الأوهام كما حدث في غزة، يؤدي إلى ورطةٍ. ولحسن حظ إسرائيل، لم ينتهِ بأضرارٍ أشدّ بفضل تدخل ترامب.
من المثير للاهتمام، بالمناسبة، أن تأتي المطالبة بنزع السلاح الكامل في الغالب من أولئك الذين ابتكروا مفهوم السابع من أكتوبر، والذين اعتقدوا أنه يمكن تغيير الحمض النووي للجماعات الإسلامية المتطرفة: بعد أكثر من عامين على اندلاع حروب إسرائيل غير العادية والمُزعزعة، يجب فهم طبيعة المنطقة والتحديات التي تجسّدها: لا وجود لما يُسمّى “نصراً مطلقاً” و”إلى الأبد”، وكل إنجاز عسكريّ يتطلب صيانةً – وهو درسٌ مهمٌّ أيضًا لإيران واليمن. إن تشبث نتنياهو بصورة “برلين 1945” يُصعّب فهم طبيعة الحملة وأعدائها بدقة، وصياغة رد مناسب. إضافةً إلى ذلك، إن احتمالية إجبار الناس على نزع التطرف مع غرس التفكير الإيجابي في عقول شعوب المنطقة، احتمالية معدومة. بدلاً من ذلك، يُطلب من إسرائيل باستمرار المراقبة والمبادرة لقطع دابر التهديدات – كما حدث في لبنان – مع الحفاظ على قوة عسكرية كبيرة وقادرة، وتطوير تحالفات إقليمية، ومنع الاحتكاكات غير الضرورية، ونبذ الأوهام، والأهم التحقيق في إخفاقات الماضي، والتي بدونها سيبقى اعتماد إسرائيل على الأوهام بدلاً من استراتيجية رصينة.
——————————————
معاريف 9/11/2025
ما معنى انضمام كازخستان لاتفاقيات إبراهيم؟
بقلم: آنا برسكي وإيلي ليئون
أصبحت كازخستان في نهاية الأسبوع، الدولة الإسلامية الأولى غير العربية التي تنضم إلى اتفاقات إبراهيم. في إطار ولاية ترامب الأولى في العام 2020 انضمت إلى اتفاقات إبراهيم المغرب والإمارات والبحرين والسودان. وأعرب ترامب عن أمله في انضمام السعودية في المستقبل.
يدور الحديث عن خطوة رمزية ومحدودة في نطاقها، لأن لإسرائيل وكازخستان علاقات دبلوماسية منذ أكثر من ثلاثة عقود – منذ 1992، بعد وقت قصير من تفكك الاتحاد السوفياتي. في بيان حكومة كازخستان، جاء أن الخطوة الآن في المراحل النهائية من المفاوضات، وأن الحديث يدور عن تواصل طبيعي لسياسة الأستانا الخارجية – سياسة تعتمد على الحوار والاحترام المتبادل والاستقرار الإقليمي.
وحسب Arabic Post، فإن العلاقات بين كازخستان وإسرائيل تقوم على أساس التعاون الاقتصادي والأمني والتكنولوجي. فكازخستان تشكل مصدراً هاماً للنفط الإسرائيلي، فيما التقديرات أن بين 10 إلى 25 في المئة من النفط المستورد إلى إسرائيل مصدره كازخستان ودور أخرى من منطقة بحر قزوين.
في الجانب الأمني، وقعت إسرائيل مع كازخستان اتفاق دفاع منذ العام 2014 لم تنشر تفاصيله، لكنه يتناول بيع أسلحة أساساً. وحسب التقرير، فإن شركات أمنية إسرائيلية باعت كازخستان منظومات صواريخ، وحوامات، وعتاد اتصالات ورادارات. إضافة إلى ذلك، بدأ في باكستان في العام 2022 نشاط مشترك لإنتاج وصيانة طائرات مُسيرة بترخيص شركة “ألبيت” الإسرائيلية.
وثمة علاقات بين الدولتين في مجال السايبر أيضاً. وتقتبس Arabic Post تقريراً لمنظمة العفو الدولية “أمنستي”، وبموجبه، انكشفت هواتف نشطاء المعارضة في كازخستان على برامج تجسس من إنتاج شركات إسرائيلية بينهم NSO Group. إلى جانب ذلك، علم أن شركات إسرائيلية أخرى زودت كازخستان بعتاد ملاحقة ووسائل تحكم. أما الجانب التجاري، فتظهر معطيات وزارة الاقتصاد الكازخستانية أن حجم التجارة بين الدولتين في العام 2024 بلغ 236 مليون دولار – انخفاض كبير مقابل 882 مليون دولار في العام 2022.
حسب التقديرات، تعمل في كازخستان اليوم نحو 140 شركة بملكية مستثمرين إسرائيليين، وذلك في مجالات الطاقة والزراعة والبناء والأدوية.
حتى قبل تحليل Arabic Post لانضمام كازخستان إلى الاتفاقات، هناك أربعة تداعيات مركزية:
1- ترميم مكانة إسرائيل في العالم: واشنطن ترى في الخطوة فرصة لكسر العزلة السياسية التي وجدت إسرائيل نفسها فيها منذ نشوب الحرب في غزة. وقال ترامب إن أحد أهدافها هو استعادة إسرائيل للشرعية الدولية التي فقدتها.
2- توسيع اتفاقات إبراهيم: مع أن كازخستان تقيم علاقات دبلوماسية رسمية مع إسرائيل منذ 30 سنة، يأتي انضمامها إلى الاتفاقات لضخ دم جديد في المبادرة الأمريكية التي تضررت من جراء حرب غزة. ترى الإدارة الأمريكية في ذلك وسيلة لإحياء الزخم الدبلوماسي حيال دول إسلامية أخرى.
3- تعزيز العلاقات مع واشنطن: من زاوية نظر كازخستان، الخطوة كفيلة بأن تشكل رافعة لتحسين علاقاتها مع الولايات المتحدة وأوروبا. تسعى الأستانا لتنويع علاقاتها واجتذاب استثمارات غربية، بخاصة في مجالات الطاقة والتكنولوجيا.
4- تقليص النفود الروسي والإقليمي: حسب التحليل، كازخستان – الدولة الغنية بالغاز والنفط ومخزونات اليورانيوم – تمنح الولايات المتحدة وإسرائيل تفوقاً استراتيجياً في المنطقة، التي اعتبرت ساحة نفوذ لموسكو وطهران.
——————————————
هآرتس 9/11/2025
رئيس منظمة إسرائيلية: الضفة الغربية تشهد إرهاباً استيطانياً غير مسبوق
بقلم: آفي دبوش
“كثيرة هي الأفكار التي تعتمل في قلب الرجل”، تقول آية في التوراة. يمكننا رواية القصص لأنفسنا، نستطيع أيضاً تصديق رواية وقف إطلاق النار التي يسوقها الرئيس الأمريكي، لكن هناك حقيقة في العالم، وهي أنه لا يوجد وقف لإطلاق النار، سواء في غزة أو في الضفة الغربية.
بصفتي شخصاً يعيش على حدود خان يونس، أشهد بأن عمليات القصف لا تتوقف للحظة. هناك أيام تكون أكثر أو أقل هدوءاً، وقوة القصف انخفضت منذ إعلان وقف إطلاق النار، لكن هناك عدداً لا يحصى من القذائف: مدفعية ثقيلة، قصف من الجو، إطلاق من الرشاشات والأسلحة الخفيفة. كان الإطلاق كثيفاً جداً رداً على الهجمات القاتلة على الجنود، وأدى إلى قتل عشرات الأشخاص، من بينهم الكثير من النساء والأطفال. ولكن النيران تتواصل في أوقات أخرى. من حدود خان يونس، بدا واضحاً أن هناك من يريد إحباط الوصول إلى المرحلة الثانية ونزع السلاح من غزة واستبدال حماس وانسحاب الجنود. من الواضح أن هناك من يريد العودة إلى الحرب الأبدية. لسوء الحظ، هؤلاء يحتلون مناصب رفيعة جداً في الحكومة الاسرائيلية.
ازداد العنف في الضفة الغربية منذ 7 أكتوبر، وأدى إلى قتل عشرات الفلسطينيين بنار المستوطنين، إلى جانب مئات الأحداث المنظمة من عنف المستوطنين
ازداد العنف في الضفة الغربية منذ 7 أكتوبر، وأدى إلى قتل عشرات الفلسطينيين بنار المستوطنين، إلى جانب مئات الأحداث المنظمة من عنف المستوطنين. كان موسم قطف الزيتون ذروة لم نشاهد مثلها من قبل. المنظمة التي أنا رئيسها، تقود الحملة الحالية التي تحمي المزارعين الفلسطينيين في الضفة منذ أكثر من عشرين سنة، بالتعاون مع منظمات مهمة أخرى، ونشهد على هذا التصعيد. حملة السيطرة على مناطق “ج” التي قادها المجلس الإقليمي “ييشع” خلال سنوات، تحققت في الحكومة الحالية وبرعاية الحرب. ظهرت بؤر استيطانية ومزارع في كل مكان، ومليشيات يهودية تهاجم وتسرق المحاصيل وتزعج وتدمر.
في الـ 18 يوماً الأولى لنا في المناطق هاجمتنا عدة مرات مجموعات منظمة من قبل عشرات اليهود. في 9 حالات تسلمنا أمر منطقة عسكرية مغلقة بتوقيع قائد اللواء. هذه أوامر تصدر لمدة 24 ساعة بسهولة كبيرة وتمنعنا من الدفاع عن المزارعين الفلسطينيين. هناك أماكن يمنع الوصول إليها منذ سنتين خوفاً من الإرهابيين اليهود. في كل أحداث الهجمات الموثقة لدينا في أرجاء الضفة، لم يعتقل الجنود حداً، ولم تنفذ الشرطة أي اعتقال. حتى الحالات الموثقة مثل مهاجمة امرأة عجوز في قرية المغيّر، لم تؤد إلى إجراء تحقيق أو اعتقالات.
حتى الحرب، كان لدنا اتصال مباشر مع الجيش، بما في ذلك لقاءات عمل وتنسيق. أما الآن فقد قطع الاتصال. من شعارات الدفاع عن المزارعين مثل “حتى الزيتونة الأخيرة” انتقل الجيش إلى منع قطف الزيتون والوقوف مكتوفي الأيدي تجاه العنف. حتى إن منظمات يمينية تروج لحملة تدفع إلى إلغاء موسم قطف الزيتون. ليس من نافل القول الإشارة إلى أن الأمر يتعلق بأراض خاصة لعائلات وتجمعات تعتمد في مصدر رزقها عليها. لقاؤنا الكثيف مع الجيش كان الأربعاء الماضي في قرية بورين بمنطقة نابلس، حيث قال القادة ورجال الشرطة بأننا خرقنا أمر منطقة عسكرية مغلقة. لقد جروا المتطوعين إلى شرطة “أريئيل” [مستوطنة كبيرة في الضفة الغربية]، وهناك حققوا معنا لساعات، وقرروا مصادرة الحافلة الصغيرة التي وصلنا فيها، وتم طرد ناشطتين يهوديتين أمريكيتين لمدة عشر سنوات من البلاد. وحتى لو جرت مخالفة كهذه (هذا أمر مشكوك فيه)، فمن الواضح أن الناشطتين لم تقررا ذلك. واضح أيضاً أنهما جاءتا بدافع قيم يهودية وصهيونية. الجيش الذي يقف متفرجاً عندما يهاجمنا المستوطنون، والشرطة التي لا تكلف نفسها عناء القدوم رغم طلبنا ذلك منها، فقد أضاعوا يوماً كاملاً لطرد ناشطتين يهوديتين من الدولة ومنعهما من العودة لسنوات.
كل ذلك لم يُعدنا لليوم الذي هاجمتنا فيه فرقة الطوارئ في مستوطنة “رفافا”. منذ بداية الحرب، تم تحويل مئات المستوطنين إلى جنود، يستخدمون السلاح والمعدات وزي الجيش الاسرائيلي لتعزيز العنف على الأرض. كنا في منطقة النبي حسان حوالي خمسين متطوعاً، كان ثلثهم تقريباً من الحاخامات؛ بدأ الأمر بحوامة حلقت فوق رؤوس النشطاء بالضبط. وتواصل ذلك بسقوطها قرب أحد الحاخامات من النساء، ما أدى إلى إصابة عميقة ونازفة، وانتهى بوصولهم إلى المنطقة مع سلاح موجه إلينا وإطلاق نار خطير في الهواء.
لشدة العار، ادّعى الجيش ورؤساء المستوطنين أننا لم نتعرض للمهاجمة على الإطلاق. لحسن حظنا، كان هناك توثيق كبير يتضمن طاقم “هآرتس” الذي وصل إلى المكان لتغطية قطف الزيتون (“هآرتس”، 4/11). في النهاية، تراجع الجيش عن الاتهامات الموجهة للنشطاء، لكن الحوامة والأسلحة لم تتم مصادرتها، ولم يتم اعتقال أي أحد. ما كان يمكن بسهولة أن ينتهي بقتلى في الموقع، مر وكان الأمر يتعلق بيوم آخر في المكتب.
نحن لم نرتدع. الواجبات الأخلاقية التي نعمل على ضوئها غير موجودة في المجال العالمي لحقوق الإنسان فقط، بل في التوراة التي تعلمنا “يجب عليك أن تحب الغريب”، “غير اليهودي لا تعذبه ولا تضطهده”، وتأمرنا بتقديس حياة الإنسان الذي خلق على صورة الله.
نرى في أنفسنا رسلاً للنضال في جميع أرجاء المجتمع الاسرائيلي. أعمال الشغب والعنف هذه لا تقتصر على التلال، بل رأس الحربة للجهود التي تبذل لجرنا نحو سلطة ديكتاتورية عنيفة، التي تسحق سيادة القانون وتغمرنا بالسلاح وقوة المليشيات الخاضعة لوزراء وأصحاب سلطة. هذا الواقع غير جديد، لكن عندما تسيطر الكهانية على الحكومة وتصنع السياسة، فالأمر يتعلق بظاهرة منهجية إرهابية تهددنا جميعا. إن نضالنا في الضفة الغربية نضال من أجل الديمقراطية والمساءلة والتحقيق من قبل لجنة تحقيق رسمية في المذبحة الأكبر في تاريخنا. مع كل تفهم للرغبة في الهدوء والإيمان بوهم “وقف إطلاق النار”، فهذا ليس الحقيقة؛ الحقيقة تدعو إلى الوقوف هناك، كمجتمع مدني وكقوى سياسية منظمة قادرة على العمل من أجل التصحيح، ومن أجل اسرائيل مختلفة، والآن.
——————————————
إسرائيل اليوم 9/11/2025
هل بدأ العد التنازلي لحرب لبنان الثالثة؟
بقلم: إيال زيسر
قبل سنة بالضبط انتهت المواجهة في الحدود الشمالية مع حزب الله بما كان يبدو كضربة قاضية واضحة. فقد ضُرب حزب الله وفقد زعماءه وقادته الكبار، وعلى رأسهم حسن نصر الله، والكثير من قدراته العسكرية، وبدا بأنه لن تقوم له قائمة. انتخب رئيس وقامت حكومة لبنانية أعلنت التزامها بنزع سلاح المنظمة. ولم يتبقَ للإدارة الأمريكية، المتفائلة والمنقطعة عن الواقع كما هي دوماً، سوى وعد يفيد بأن تحقيق اتفاق سلام إسرائيلي – لبناني ليس سوى مسألة وقت.
لكن لا توجد انتصارات مطلقة أو حسم تام في الحروب بين إسرائيل والعرب. نحن نهزم جيوش العدو، كي نكتشف بعد بضعة أيام من إعلان وقف النار بأنه لا يزال حياً يرزق. هكذا كان بعد الانتصارات الكبرى في حرب الاستقلال وحملة السويس، وكذا في الأيام الستة، حين استأنف المصريون والسوريون النار بعد بضعة أيام من هزيمتهم.
يخيل أن لبنان حالة مميزة لتفويت فرصة كبرى. إذ لم يمارس على إسرائيل أي ضغط للكف عن ضرب حزب الله، ونحن بمبادرتنا ساهمنا في اتفاق مثقب ومهزوز عرف الجميع بأنه لا احتمال بأن حزب الله سيلتزم بشروطه
التاريخ يكرر نفسه في الحرب الحالية؛ كما الحال مع إيران الآخذة في إعادة بناء قدرتها واستعدادها للجولة التالية، والحال أيضاً حماس التي بقيت مسيطرة بلا منازع على القطاع. لكن يخيل أن لبنان حالة مميزة لتفويت فرصة كبرى. إذ لم يمارس على إسرائيل أي ضغط للكف عن ضرب حزب الله، ونحن بمبادرتنا ساهمنا في اتفاق مثقب ومهزوز عرف الجميع بأنه لا احتمال بأن حزب الله سيلتزم بشروطه. عرفنا، ورغم ذلك وافقنا، على أمل أن يقرر حزب الله التصرف كولد طيب وينزع سلاحه. وبالطبع، أملنا أن تستخدم الدولة اللبنانية (التي وصفها المبعوث الأمريكي توم براك قبل أسبوع كدولة فاشلة ولا تؤدي مهامها) جيشها ضد حزب الله، الأقوى والأكثر تصميماً بعشرات الأضعاف من الجيش اللبناني.
وبعد سنة من النصر العظيم في لبنان، يتبين أن شيئاً لم يحصل، وأن إنجازات الحرب آخذة في التآكل. صحيح أن حزب الله يحافظ على نار هادئة ويمتنع عن العمل ضد إسرائيل، أو حتى الرد على هجماتها، لكنه لا يفعل هذا لأنه أصبح “محباً لصهيون”، بل انطلاقاً من تفكر بارد وواعٍ بالضبط مثل حماس، بأنه وقت الانحناء ريثما يمر الغضب، وانتظار الساعة المناسبة التي لا بد ستأتي. وفي هذه الأثناء، يعيد التنظيم بناء قوته، ويحافظ على تأييده لدى أوساط الطائفة الشيعية في لبنان، بل ووجد مسارات تهريب للسلاح من إيران بدل تلك التي فقدها مع سقوط نظام بشار الأسد.
أمام هذا الواقع، تقف إسرائيل مكتوفة الأيدي ويخيل أن لدينا من هم مشتاقون لأيام الحرب ما بين الحروب، والتي نفذنا في أثنائها عدداً لا يحصى من العمليات الناجحة التي لم تنته ولم تتلخص في أي تغيير حقيقي للواقع. صحيح أن إسرائيل تتباهى بيد حرة تتمتع بها في لبنان، وبالضربات التي تلقيها على مخربين صغار من حزب الله، لكن يخيل أنها أعمال موجهة للرأي العام ولوسائل الإعلام أكثر مما تستهدف المس بحزب الله بشكل أليم وقاسٍ. فهل يعتقد أحد ما بأن حزب الله الذي يضم عشرات آلاف المسلحين، سيرفع الأيدي لأننا صفينا 300 من رجاله في السنة الأخيرة؟
حزب الله يقف في الظل، ومرة أخرى لم نعد نسمع تهديدات وتبجحات عن قدرات التنظيم والتي قضت مضاجع أصحاب القرار في إسرائيل في الماضي. التنظيم يتحدث أقل، ويتحدث بضعف، لكنه لا يزال يوضح بشكل قاطع بأنه لا يعتزم تسليم سلاحه، وأن “المقاومة” خياره الاستراتيجي.
يحسب حزب الله خطواته في مدى زمن السنين، والهدوء المخادع في حدود الشمال سيستمر لزمن طويل. لكن ليس السؤال إذا كان التنظيم سيستأنف أعماله ضدنا، بل متى.
جدير ومرغوب فيه أن تعمل إسرائيل بتصميم أكبر لإحباط التهديد المتشكل من الشمال، وإذا كانت لا تفعل ذلك، فعلى الأقل فلتتابع عيون حزب الله كي لا نتفاجأ مرة أخرى. فالعد التنازلي نحو مواجهة متجددة في حدود لبنان بدأ منذ هذه اللحظة.
——————————————
هآرتس 9/11/2025
“خلط خطير”.. لفين يعيّن “الأقرب أيديولوجياً” للتحقيق مع المدعية العسكرية
بقلم: أسرة التحرير
عيّن وزير العدل يريف لفين مفوض الشكاوى القضائية، آشر كولا، للإشراف على التحقيق في قضية النائبة العسكرية وتسريب فيديو الإساءة في “سديه تيمان”، دون أي صلاحية، وبتدخل سياسي صارخ في التحقيق الجنائي. ويُعدّ تعيينه حلقة أخرى في آلية واسعة تُحل فيها الولاءات السياسية محل الحكم المهني. لقد تولّى كولا دور المشرف على التحقيق في القضية قبل أن تُقرر محكمة العدل العليا ما إذا كان الأمر ضمن صلاحياته. وتُشير هذه الخطوة ذاتها – وهي إجراءٌ سبق قرار المحكمة – إلى خلطٍ خطير بين النظام القضائي والطبقة السياسية التي تسعى إلى إخضاعه. وقد اعترضت الشرطة، عن حق، على تزويد كولا بمواد التحقيق قبل صدور قرار المحكمة العليا.
ويُفترض بكولا، بصفته مفوض الشكاوى القضائية، أن يُشرف على القضاة ويضمن نزاهة أحكامهم، بل ويُمكنه حتى التوصية بإنهاء ولايتهم. أما عن قبوله طوعًا دور المحقق في قضية النائبة العسكرية العامة قبل موافقة المحكمة العليا على التعيين، فقد وضع كولا نفسه في موقف إشكالي، مما يثير الشكوك حول قدرته على البقاء في منصبه؛ أولًا لأنه قرر التصرف وفقًا لقرار وزير العدل، مع أنه يُعتبر تدخلًا سياسيًا في تحقيق جنائي، وثانيًا لأنه وضع نفسه في موقف تضارب مصالح مع القضاة الذين يُفترض أن يراقب عملهم.
الثلاثاء، من المتوقع أن تنظر المحكمة العليا في التماسات تتناول مسألة من سيحقق في قضية النائبة العسكرية العامة. عندما يتعاون كولا مع وزير عدل يسعى لتحويل النظام القضائي إلى أداة في يد الحكومة، فإنه يفقد استقلاليته. لذا، لن يتمكن أيضًا من التحقيق في الشكاوى المقدمة ضد القضاة، وبالتأكيد ضد قضاة الهيئة التي ستنظر في الالتماسات في قضيته – يعيل فيلنر، أليكس شتاين، جيلا كانفي-شتاينيتس – في ظل هذا التبعية السياسية الثقيلة التي تُخيم عليه.
لقد لوثت الحكومة جميع أعمالها بالتسييس. ويرى الجمهور كيف أصبحت المناصب الحساسة – رئيس المدعي العام العسكري، أمين المظالم للشكاوى ضد القضاة، أو رئيس الشاباك – جميعها بمثابة اختبارات للولاء للحكومة. أصبح التدين، والإقامة في مستوطنة، والتقارب الأيديولوجي هو المعيار الجديد، بدلًا من الاحتراف والنزاهة والاستقلالية. لم يعد الوزراء أنفسهم يُخفون ذلك، بل إنهم يتباهون علنًا وعلى وسائل التواصل الاجتماعي بأن التعيينات “ملكنا”، كما لو كانت الدولة نفسها ملكًا لمعسكر سياسي واحد. في ظل هذه الظروف، يجب على النظام القانوني أن يضع حدودًا واضحةً للحكومة التي تنتهك حدود القانون بتنمر السلطة التنفيذية. إن قرار المحكمة العليا بإبطال تعيين كولا محققًا في القضية، سيُظهر أن أناساً في النظام القانوني ما زالوا يُميزون بين خدمة الدولة وخدمة الحكومة.
——————————————
هآرتس 9/11/2025
فيلم “البحر” يظهر الى أي درجة يتدهور الاحتلال الاسرائيلي
بقلم: جدعون ليفي
طفل صغير يتجول تائه في شوارع تل ابيب، يحمل حقيبة مدرسية على ظهره، يوقف المارة ويقرأ بعبرية مترددة من ورقة مكتوبة له بحروف عربية: عفوا، أين البحر؟. نظراته فارغة، خائفة. هو غريب، وحيد، في المدينة الكبيرة. قبل بضعة ايام نزل من حافلة طلاب لمدرسته، حيث حصلوا على تصريح للذهاب الى البحر لاول مرة في حياتهم. لم يكن لخالد هذا التصريح، فسمح له جندي في الحاجز بالنزول. خالد قرر الوصول الى البحر لوحده. هذه هي حبكة فيلم شاي بولاك كرميلي الرائع بعنوان “البحر”، الذي تم عرضه في دور السينما في نهاية الاسبوع الماضي، ومثل اسرائيل في احتفال توزيع جوائز الاوسكار.
في اليوم التالي حصلنا على عدد من الجوائز. وقد هاجم الفيلم وزير الثقافة ميكي زوهر، بادعاء ان الفيلم يصور جنود الجيش الاسرائيلي الابطال بطريقة تشهيرية وكاذبة. زوهر لم يشاهد الفيلم، وقد مرت فترة طويلة منذ قدم فيلم اسرائيلي خدمة اعلامية كهذه لاسرائيل. هو يعرض الاحتلال قبل 7 اكتوبر، الذي لم يعد موجود الآن، ويقدم اسرائيل الانسانية نسبيا، والتي هي ايضا لم تعد موجودة. وحتى جنود الوزير الابطال على الاطفال الصغار يتم تصويرهم في الفيلم كقساة بدرجة اقل مما هم عليه الآن. انظروا ما حدث لهم وماذا حدث لنا منذ ذلك الحين. لا حاجة الى الاكثار من الحديث عن ظلامية عالم الوزير. بالنسبة له أي فيلم يظهر طفل فلسطيني وجندي هو فيلم كراهية. “البحر” هو فيلم صنع بمحبة، وانساني واداء الممثلين فيه رائع. تل ابيب الجميلة في الفيلم تشفق على الطفل ووالده الذي يمكث في اسرائيل بشكل غير قانوني، والذي خرج للبحث عنه. ما كان لذلك ان يحدث الآن. فيلم “البحر” يذكرنا بدرجة تدهورنا منذ 7 اكتوبر، الى درجة انه حتى فيلم عن الاحتلال يثير فينا الاشتياق الى احتلال آخر.
لو ان خالد يتجول الان في شوارع هذه المدينة الكبيرة، فانه بدلا من ان يدله الناس على الطريق الى البحر فان المواطنين القلقين كانوا سيستدعون على الفور الشرطة. طفل فلسطيني في تل ابيب مضطر أن يكون مخرب. لم تعد هناك الآن حافلات لطلاب فلسطينيين ياتون الى البحر. هم يمكنهم فقط الحلم به مثلما يقول السجناء في السجون بان البحر يظهر دائما في احلامهم. الطفل الذي يعيش على بعد نصف ساعة سفر عن البحر لم تعد له أي احتمالية للوصول اليه. ايضا رجال الشرطة الذين يعتقلون والده “الماكث بشكل غير قانوني”، لم يكونوا ليتصرفوا معه بهذا الشكل. هو كان سيتم ضربه واهانته على الفور حتى من قبل المارة. لم يعد هناك أي عمال فلسطينيين في تل ابيب، وبالتاكيد ليس هناك من لديهم صداقات يهودية كما يوجد لربحي، الأب المدهش الذي يفطر القلب في الفيلم.
حسب منطق وزير الثقافة وامثاله فان فيلم يظهر الفلسطينيين كبشر هو فيلم يشهر بجنود الجيش الاسرائيلي. الوزير على حق: اذا كان الفلسطينيون بشر فكيف يمكن التعامل معهم بهذه الوحشية؟. في طفولتي عندما كان الراديو يبث الانغام فان نغمة اغنية “البحر المسحور” لمارتن ديني في 1959 على صوت طيور النورس في الخلفية سحرتني، وحتى انني كنت اذرف الدموع. اطفال الضفة الغربية لا يملكون بحر، مع انهم يعيشون على بعد مسافة قصيرة منه. لقد كان لهم بحر، صحيح انهم اضطروا الى الحصول على تصريح من سلطات الاحتلال من اجل السياحة في المياه، وصحيح انهم انزلوا الاطفال من الحافلات، لكن بعضهم فقط نجح في تحقيق حلمه الصغير. كان هناك ايضا عشرات آلاف العمال الفلسطينيين في تل ابيب يعيشون في ظروف صعبة. هذا ايضا انتهى. الان فيلم صور في 2023 ينجح في اثارة الحنين. لقد اصبح الاحتلال قبل سنتين يمثل الحنين الى الماضي. أنا اعرف غزيين كانت افضل سنواتهم هي السنوات التي قضوها في مخازن الاسواق في اسرائيل، في ظروف غير انسانية. كل ما حدث لهم منذ ذلك الحين اكثر قسوة بكثير.
فيلم “البحر” هو فيلم الحنين الى الماضي، هو يظهر الى درجة يتدهور الاحتلال الاسرائيلي بسرعة. ذات يوم ربما سنشتاق ايضا الى الابادة الجماعية في العام 2025.
—————–انتهت النشرة—————–

