بقلم: ديفيد روزنبيرغ
حدث أمر طريف في الانتخابات التي أفرزت فوز زهران ممداني عمدة للنيويورك، الأسبوع الماضي. رغم التحذيرات الهستيرية المتكررة بشأن ما يُزعم عن معاداته للسامية، وعدائه لإسرائيل الذي تم توثيقه بشكل أوضح، فقد حصل على نسبة كبيرة من أصوات اليهود. فما الذي كان يدور في أذهان هؤلاء اليهود؟
من الصعب تحديد النسبة الدقيقة لأصوات اليهود التي حصل عليها ممداني، إذ لا تجمع المدينة بيانات عن الانتماء الديني للناخبين. مع ذلك، أظهر استطلاع للرأي، أجرته شبكة “سي إن إن”، أن 32 بالمئة من المستجوبين اليهود أفادوا بأنهم صوتوا له. كانت هذه النسبة الأدنى مقارنة ببقية المجموعات الدينية في المدينة، وأقل بكثير من نسبة 50.4 بالمئة التي حصل عليها للفوز بالانتخابات، لكن 32 بالمئة يعدّ رقماً مضللاً.
ليس من السهل تحديد من هو اليهودي عندما يتعلق الأمر بالانتخابات. فاليهود الأرثوذكس المتشددون يختلفون كثيراً عن اليهود الآخرين لدرجة أنه ينبغي اعتبارهم فئة مختلفة في السياق السياسي. هم أفقر، ما قد يجعلهم يميلون إلى المرشحين التقدميين مثل ممداني، لكنهم أيضاً أكثر تحفظاً اجتماعياً من اليهود الآخرين، ما يدفعهم إلى المعسكر الجمهوري.
في الانتخابات الرئاسية للعام 2024، وفقاً لمركز موارد الناخبين اليهود، صوّت 86 بالمئة من اليهود الأرثوذكس لصالح ترامب (ومن المفترض أن النسبة بين المتطرفين الأرثوذكس كانت أعلى بكثير)، بينما تراوحت النسبة بين اليهود غير الأرثوذكس بين 14 و32 بالمئة (وفقاً لانتماءاتهم).
لم تقدم “سي إن إن” تفاصيل بشأن أصوات اليهود في انتخابات عمدة نيويورك، لكن الأرقام الرسمية التي تُظهر النتائج حسب الأحياء، أظهرت أن أندرو كومو حصل في الأحياء الحسيدية على تأييد يفوق 90 بالمئة، وهي نسبة تضاهي ما نراه في كوريا الشمالية. هذا يعني أن بقية اليهود دعموا ممداني بنسب أعلى من 32 بالمئة.
لا شك أن بعض الناخبين اليهود المنتمين إلى التيار التقدمي يشاطرون ممداني عداءه لإسرائيل، ويتقبلون فكرة أن معاداة إسرائيل باتت من المسلّمات في بعض الأوساط اليسارية داخل الحزب الديمقراطي، إلى جانب ملفات الرعاية الصحية الشاملة والاهتمام بتغيّر المناخ. قد لا يكون ذلك سبباً كافياً للتصويت لصالح ممداني، لكنه بالتأكيد لم يكن عائقاً.
لكن الأمر مختلف بالنسبة لغالبية يهود نيويورك، إذ إن نسبة كبيرة منهم، بل أغلبية ساحقة، عبّرت عن ارتباط عاطفي بإسرائيل، وفقاً لمسح أجرته منظمة “النداء اليهودي الموحد”، العام 2023. ما يبدو أنه جذب هذا العدد الكبير من اليهود غير الأرثوذكس إلى ممداني هو برنامجه الاقتصادي.
يصف ممداني نفسه بأنه “اشتراكي ديمقراطي”، بينما وصفه دونالد ترامب والجمهوريون بأنه شيوعي. الوصف الأخير سخيف بكل تأكيد، لكن حتى وصف “الاشتراكي الديمقراطي” مبالغ فيه. لا يقترح ممداني تأميم أي قطاع، ولا يسعى إلى توسيع برامج الرعاية الاجتماعية بشكل كبير. على سبيل المثال، تمّت تجربة فكرة محلات البقالة المملوكة للبلدية في مدن مثل كانساس، كما أن الحافلات المجانية باتت منتشرة في بوسطن منذ عدة سنوات.
حتى لو نجح بطريقة ما في تنفيذ برنامجه بالكامل، فلن يحوّل ممداني نيويورك إلى “جمهورية نيويورك الشعبية”. لكنه لن ينجح على أي حال، فصلاحيات عمدة نيويورك محدودة، والميزانية المالية للمدينة تعاني من ضغوط كبيرة تمنعها من تمويل مشاريع بمليارات الدولارات. ومن غير المرجّح أن تجعل هذه المشاريع سكان المدينة أكثر قدرة على تحمّل تكاليف المعيشة.
من المحتمل أن معظم من صوتوا لممداني يدركون ذلك، تماماً كما كان أنصار ترامب يعلمون أن وعود حملته بإنهاء حرب أوكرانيا قبل تنصيبه، وإنهاء التضخم في “اليوم الأول” من رئاسته، كانت وعوداً غير قابلة للتحقيق. مثل هذه الوعود الحالمة تحفّز الناخبين أكثر من التقييمات الواقعية لما يمكن أن ينجزه السياسيون فعلياً.
يزداد هذا التأثير وضوحاً في ظل معاناة الأميركيين بشكل عام، وسكان نيويورك بشكل خاص، من ارتفاع تكاليف المعيشة واتساع الفجوة في توزيع الدخل. حتى لو كانت هذه الحلول لا تمس جوهر المشكلة، وقد تؤدي إلى تفاقمها، فإن مقترحات مثل محلات البقالة التابعة للبلدية والرعاية المجانية للأطفال تظل مفهومة وبسيطة على مستوى العائلات ذات الدخل المحدود.
الحكمة التقليدية، والتي تبدو صحيحة في هذه الحالة، تقول: إن الشباب هم الأكثر معاناة من الضائقة الاقتصادية. عاش جيل الطفرة السكانية في أميركا، المولود بين عامَي 1946 و1964، حياة مريحة مقارنة بأبنائهم وأحفادهم.
جاء في مقال غاضب نشره عدد من شباب نيويورك في صحيفة “نيويورك تايمز”: “حصل الأميركيون في العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية على العالم في طبق من فضة؛ حيث التعليم الجامعي بتكلفة منخفضة والسكن الميسور والفرص الوافرة. معظمكم أصبحتم أثرى من آبائكم”.
وفي قائمة طويلة من الشكاوى، أشاروا إلى أن سنة دراسية في جامعة حكومية باتت تكلف أربعة أضعاف ما كانت عليه في العام 1970، وأن ثمن المنزل تضاعف (بعد احتساب التضخم). كما أن العديد من الوظائف الجيدة تم تصديرها إلى الصين، وما تبقى منها يوجد في مدن ترتفع فيها تكاليف المعيشة بشكل جنوني.
يرى كثير من الشباب أن الرأسمالية لم تخدمهم، فما المانع من تجربة الاشتراكية (أياً كان معناها). وفقاً لاستطلاع أجراه معهد “كاتو” في وقت سابق من هذا العام، فإن 62 بالمئة من الأميركيين تحت سن الثلاثين لديهم نظرة إيجابية تجاه الاشتراكية. كما أظهر استطلاع “سي إن إن” في انتخابات نيويورك الأخيرة، أنه كلما كان الناخب أصغر سناً زاد احتمال تصويته للاشتراكي زهران ممداني.
كما هو موثّق على نطاق واسع، فإن اليهود أكثر ثراءً من عموم الأميركيين. في نيويورك على سبيل المثال، وجدت منظمة “النداء اليهودي الموحد” أن 36 بالمئة من العائلات اليهودية يبلغ دخلها السنوي أكثر من 150 ألف دولار، مقارنة بـ29 بالمئة بين العائلات الأخرى.
لكن هل يشمل ذلك جميع اليهود؟ وهل يمرّ اليهود الأميركيون الأصغر سناً بنفس الفجوة بين الأجيال التي يعاني منها بقية الأميركيين؟ وهل باتوا يتجهون نحو الاشتراكية أيضاً؟
لا توجد بيانات في هذا الشأن، لكنّ هناك مؤشراً لافتاً ورد في سؤال ضمن الاستطلاع حول ملكية المنازل بين اليهود الأميركيين، حيث ارتفعت النسبة من 1 بالمئة إلى 57 بالمئة بين عامَي 2021 و2023، رغم ارتفاع أسعار العقارات.
كان جيل الطفرة السكانية قد اشترى المنازل منذ زمن بعيد، لذلك فإن هذه الزيادة في نسبة امتلاك المنازل جاءت على الأرجح من اليهود الأصغر سناً.
إذا كانوا لا يعانون اقتصادياً، فلماذا يدعم اليهود، صغاراً أو كباراً، مرشحاً يعد بأشياء لا يحتاجونها من قبيل مجانية ركوب الحافلات، ويهدد بزيادة الضرائب التي سيتوجب عليهم دفعها؟
إن استمرار دعم اليهود غير الأرثوذكس للسياسيين الليبراليين والتقدميين، رغم أنهم أصبحوا من الأثرياء وانضموا إلى أعلى الطبقات في المجتمع الأميركي، يتعارض مع الحكمة السوسيولوجية التقليدية. إذا لم تكن المصالح الاقتصادية كافية لدفعهم إلى التخلي عن السياسات التقدمية، فإن انخراط اليسار في سياسات الهوية وعداءه المتزايد لإسرائيل كان من المفترض أن ينفّر أعداداً كبيرة منهم.
لكن ذلك لم يحدث، فقد وجد مركز موارد الناخبين اليهود أن 46 بالمئة من اليهود يعتبرون أنفسهم ليبراليين، مقابل 17 بالمئة فقط يصفون أنفسهم بالمحافظين، كما أن 59 بالمئة منهم يعرّفون أنفسهم كديمقراطيين، مقابل 16 في المئة فقط كجمهوريين.
وصف ترامب اليهود الذين صوتوا لممداني بأنهم “أغبياء”. لا أحد يستطيع تحديد متوسط معدل الذكاء لدى ناخبي ممداني، لكن من المؤكد أنهم تلقوا تعليماً جيداً، وبالتأكيد أكثر من متوسط ناخبي ترامب. أظهر استطلاع “سي إن إن” أن 57 بالمئة من الناخبين اليهود وغير اليهود الحاصلين على درجات علمية عالية صوتوا لممداني، مقابل 38 بالمئة لكومو.
يتبنى الناخبون اليهود الأجندة الاقتصادية التقدمية لأنها تتماشى مع قيمهم، حتى عندما لا تخدم مصالحهم. فهل يعكس ذلك مبدأً يهودياً عميقاً؟ إن صحّ ذلك، فقد غاب هذا المبدأ عن اليهود الأرثوذكس المتشددين.
ينبغي أن نرى هذا التوجه بوصفه ثمرة تعليم ليبرالي، ليس التعليم الليبرالي بمفهومه السياسي، بل ذلك الذي يركّز على التفكير النقدي والبحث الحر. وكما لاحظ عالم النفس في جامعة هارفارد، ستيفن بينكر، فإن هذا النوع من التعليم يمكّن الميسورين مادياً من رؤية السياسة، ليس كوسيلة لتعزيز مصالحهم الاقتصادية، بل كأداة لتحسين المجتمع الذي يعيشون فيه.
هذه النقطة يجب أن يتوقف عندها الإسرائيليون: هؤلاء اليهود الذين صوتوا لممداني في نيويورك كانوا مستعدين لتجاوز مصالحهم الجماعية في سبيل القيم التي يؤمنون بها. هذه القيم تتعارض مع تلك التي تتبناها الحكومة الإسرائيلية الحالية، وربما مع قيم شريحة واسعة من الإسرائيليين. إذا ما انتشر هذا التوجه بين يهود العالم، فقد يُشكّل تهديداً للعلاقة بين إسرائيل ويهود الشتات.

