هآرتس : كيف ولماذا أيّد ما يسمّى ب”اليسار الإسرائيلي” جرائم الحرب في غزة؟

ياچيل ليفي
 
المسار: سنظلّ لسنوات طويلة منشغلين بهذا اللغز: ما الذي جعل المجتمع في إسرائيل يمنح دعمًا واسعًا للحرب على غزة؟ حرب لم تكتفِ بالإخفاق في تحقيق أهدافها، بل وضعت إسرائيل أيضًا في قفص الاتهام بتهمة ارتكاب إبادة جماعية. مفتاحٌ جزئيّ لفهم هذا الموقف يكمن في تحوّلات اليسار اليهودي (الصهيوني)، ذلك المعسكر الذي كان يُفترض به، تاريخيًا، أن يقف في وجه استخدام القوة غير الأخلاقية أو غير المجدية. غير أنّ هذا الاعتراض لم يصدر عنه هذه المرّة، كما لا يمكن توقّعه من اليسار العربي الذي جرى قمعه خلال الحرب، ولا من تيارات “الوسط” التي رأت في الحرب تعبيرًا عن “صحوة” سياسية وأمنية، وهي تيارات لم تكن أصلًا في موقع معارض قبلها.

يكشف تحليل مواقف اليسار خلال الحرب عن هوّة واسعة تفصله عن ماضيه السياسي والأخلاقي. وللاستدلال على ذلك، يمكن الرجوع إلى استطلاع أجراه المعهد الإسرائيلي للديمقراطية بعد أيام قليلة من انتهاء الحرب. فالمسألة لم تعد مجرّد استجابة ظرفية لضغط “شدّ الصفوف” الذي يرافق الحروب عادة. في تلك المرحلة كانت قد تراكمت بالفعل معطيات وشهادات عن استخدام قوة نارية غير متناسبة، وعن مستويات مرتفعة من “الأضرار الجانبية” التي سمحت الحكومة والجيش بإحداثها عبر القصف الجوي، إضافة إلى وقائع تتعلق بسوء معاملة الأسرى. ومع ذلك، حتى الاتهامات الصادرة عن شخصيات بارزة من اليمين أو من اليسار الصهيوني، مثل موشيه يعلون ويائير غولان، بشأن تطهير عرقي و”قتل الأطفال كهواية”، لم تكن كافية لزعزعة مجمل اليسار الصهيوني أو لدفعه إلى مراجعة موقفه.

ولا تقلّ خطورة عن ذلك مواقف أخرى برزت في الاستطلاع: إذ يوافق خُمس المشاركين على جواز استخدام مدني فلسطيني لفحص مبنى أو مدخل نفق يُشتبه في تفخيخه، بهدف تجنّب تعريض الجنود للخطر — وهي ممارسة أقرّ الجيش نفسه بعدم قانونيتها. وبنسبة مماثلة، يوافق مستطلَعون على أنه في حال إطلاق صواريخ من غزة نحو تجمعات سكانية إسرائيلية، ينبغي الردّ بقصف كثيف لمراكز سكنية فلسطينية لـ”نقش ثمن الاستفزاز في الوعي الجماعي” — أي الدعوة الصريحة إلى ارتكاب جريمة حرب واضحة عن سابق إدراك.

لا غرابة، والحال هذه، في أنّه رغم الشهادات المتراكمة عن التحوّلات التي طرأت على الجيش، يرى أكثر من 40% ممن يعرّفون أنفسهم بأنهم من اليسار أنّ منظومة القيم التي تحكم القيادة العسكرية العليا قريبة، أو قريبة إلى حدٍّ كبير، من منظومة قيمهم الشخصية، فيما منح ما يقارب نصف المستطلَعين تقييمًا مرتفعًا للسلوك الأخلاقي للجيش خلال الحرب. هذا المناخ الذهني لا يمكن أن يُنتج ضغطًا حقيقيًا يدفع نحو مراجعة أخلاقية جادّة.

ولا تبدو هذه النتائج مفاجئة إذا ما تذكّرنا أنّها تبلورت داخل معسكر يرى نفسه في موقع الدفاع عن الجيش في مواجهة اليمين. وهو المعسكر نفسه الذي خرجت منه مجموعات من الطيّارين ووحدات الاستخبارات، الذين تحمّلوا مسؤولية مباشرة عن جانب من القتل والدمار خلال الحرب. لقد استبطن هذا المعسكر منطقًا مفاده أنّ المساس بمدنيي “العدو” يصبح مشروعًا حين يُقدَّم باعتباره وسيلة للحفاظ على حياة الجنود. ومن هنا تشكّل شرخ عميق بين الصورة الذاتية التي يحملها اليسار عن نفسه وبين جوهره الفعلي، وهو شرخ بدأ بالتكوّن منذ الانتفاضة الثانية. وبهذا المعنى، لم يفشل اليسار في ممارسة النقد فحسب، بل تخلّى أصلًا عن الحاجة إليه.

Share This Article