المسار :دخل الوجود الأممي في العراق مرحلة جديدة مع انتهاء ولاية بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق «يونامي»، والانتقال إلى نموذج شراكة طويل الأمد يركّز على التنمية المستدامة وبناء المؤسسات، بدلًا من الدور السياسي المباشر الذي طبع المرحلة السابقة.
وأكدت الأمم المتحدة أن هذا التحول يأتي في ظل تحسّن ملحوظ في الأوضاع الأمنية والتنموية خلال السنوات الأخيرة، شمل تعزيز الاستقرار العام، وارتفاع مستوى الثقة بالمؤسسات الرسمية، وتحسّن مؤشرات التنمية البشرية، إلى جانب تراجع معدلات الفقر مقارنة بالأعوام السابقة.
وأشارت إلى أن العراق أنجز أول تعداد سكاني شامل منذ أربعة عقود، حيث بلغ عدد السكان نحو 46 مليون نسمة، يشكّل الشباب دون سن الخامسة والعشرين ما يقارب 60% منهم، مع ازدياد التركز السكاني في المدن، الأمر الذي يفرض تحديات متزايدة على البنية التحتية والخدمات العامة.
وفي الملف الإنساني، أوضحت الأمم المتحدة أن تحسّن الوضع الأمني أتاح عودة ملايين النازحين داخليًا إلى مناطقهم الأصلية، مع استمرار وجود مئات الآلاف في المخيمات، لا سيما في إقليم كردستان، مؤكدة أن العودة الطوعية لا تزال ممكنة لكنها تتطلب دعمًا ماليًا وخدمات أساسية لضمان استدامتها.
وسلّطت الضوء على أوضاع النازحين الإيزيديين، حيث ما زال عشرات الآلاف منهم يعيشون في المخيمات بعد مرور أكثر من عقد على الجرائم التي ارتكبها تنظيم داعش، بسبب نقص السكن وتعقيدات إدارية تتعلق بالتعويضات والوثائق، إضافة إلى الحاجة لتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية، خصوصًا في قضاء سنجار.
كما تطرقت الأمم المتحدة إلى ملف عودة المواطنين العراقيين من شمال شرق سوريا، مشيرة إلى عودة عشرات الآلاف ضمن جهود مشتركة مع الحكومة العراقية، مع بقاء أعداد محدودة قيد الإجراءات.
وعلى الصعيد السياسي، أكدت المنظمة الدولية استمرار دعمها للعملية الانتخابية في العراق من خلال الدعم التقني، مشيرة إلى ارتفاع نسب المشاركة وزيادة تمثيل النساء في البرلمان، ما يعكس تقدمًا في المسار الديمقراطي واستقرار المؤسسات.
وشددت على أن انتهاء ولاية «يونامي» لا يعني انسحاب الأمم المتحدة من العراق، بل إعادة توجيه الحضور الأممي نحو التنمية، عبر استمرار عمل 25 وكالة وبرنامجًا وصندوقًا أمميًا، في إطار تعاون استراتيجي ممتد لخمس سنوات مع الحكومة العراقية.
ويركّز إطار التعاون الجديد على أربعة محاور رئيسية، تشمل الإصلاح الاقتصادي، وتحسين الخدمات والحماية الاجتماعية، والتعامل مع التغير المناخي، وتعزيز الحوكمة وحقوق الإنسان وسيادة القانون، مع رصد تمويل يُقدّر بنحو مليار دولار لدعم هذه البرامج.
واختتمت الأمم المتحدة بالتأكيد على أن المرحلة المقبلة تواجه تحديات بارزة، أبرزها التغير المناخي وندرة المياه، وضرورة تنويع الاقتصاد بعيدًا عن الاعتماد على النفط، معتبرة أن التجربة العراقية تمثل نموذجًا لانتقال البعثات الأممية من أدوار سياسية مؤقتة إلى شراكات تنموية طويلة الأمد.

