هل تضع “آلية التنسيق الأمني” سوريا على مسار التطبيع مع “إسرائيل”؟

المسار : في منعطف دراماتيكي يعيد رسم خريطة التوازنات في الشرق الأوسط، أطلقت سوريا والاحتلال الإسرائيلي برعاية أمريكية “آلية اتصال مشتركة” عقب جولة مفاوضات مكثفة في باريس، في خطوة تتجاوز التنسيق العسكري التقليدي إلى أبعاد استخباراتية ودبلوماسية واقتصادية غير مسبوقة.

ويرى خبراء سياسيون تحدثت إليهم “قدس برس” اليوم الخميس، أن هذا الحراك، رغم غلافه الدبلوماسي، يحمل في طياته صراعاً بين “ضرورات كسب الوقت” لترتيب البيت السوري الداخلي، وبين طموحات “إسرائيلية” لانتزاع امتداد استخباراتي في العمق السوري ودمج دمشق في منظومة “اتفاقيات إبراهام”.

وبينما يُنظر إلى البيان الثلاثي المشترك كحجر زاوية لمرحلة جديدة من “خفض التصعيد”، يظل السؤال قائماً حول ما إذا كان هذا المسار يمثل اتفاقاً حقيقياً شاملاً، أم أنه مجرد ترتيبات عسكرية مؤقتة تحت الطاولة لإدارة الفوضى في الجنوب السوري.

اتفاق شكلي

وقال الكاتب والباحث السياسي محمد القيق، إن “ما يُروَّج عن توافق بين سوريا و(إسرائيل) ليس اتفاقاً حقيقياً، بل معادلة أمريكية تهدف لتضليل الساحة الدولية وإيهامها بوجود تفاهم بين الطرفين”.

وأضاف القيق، أن “(إسرائيل) تسعى لاستغلال المشهد لتعزيز مصالحها عبر الفوضى الخلاقة في الشرق الأوسط، خصوصاً في الجنوب السوري”.

وأوضح أن “الحكومة السورية تحتاج هذا الوقت بالتعاون مع تركيا لترتيب البيت الداخلي، وتحقيق توازن يضمن الأمن القومي السوري والأمني التركي، فيما تسابق جميع الأطراف الزمن لتحقيق أهدافها واستغلال الفرص المتاحة”.

وأشار إلى أن “(إسرائيل) تسعى للإعلان عن تفاهمات شكلية، لكنها في الوقت نفسه تمنح الضوء الأخضر لتحركات خطرة في جنوب سوريا”.

وأضاف أن “الوضع في الجنوب قد يشهد تصعيداً مفاجئاً، خاصة في المناطق التي تتواجد فيها مجموعات تُعرف بالأقليات، لكنها في الواقع تجار مخدرات مدعومون من دول إقليمية مثل (إسرائيل)، ما يجعل الجنوب السوري منطقة أمنية معقدة وحساسة، خصوصاً مع تداخل مصالح القوات الإقليمية، بما فيها (قسد)، التي تسعى بدورها للحفاظ على مناطق نفوذها والتحرك ضمن حسابات دقيقة لتجنب أي صدام مباشر”.

وخلص إلى أن “سوريا تسعى لكسب الوقت لإبعاد (إسرائيل) عن ترتيب شؤونها الداخلية، وأن أي إعلان شكلي عن المفاوضات لا يعكس وجود اتفاق حقيقي، بل ترتيبات عسكرية وتنسيق تحت الطاولة”.

خطوة نحو اتفاق أوسع

من جانبه، قال أستاذ حل النزاعات والخبير في الشؤون الإسرائيلية علي الأعور إن “الجولة الخامسة من المفاوضات بين سوريا و(إسرائيل) عُقدت في باريس، بمشاركة وفد سوري رفيع المستوى يمثل وزير الخارجية، ووفد (إسرائيلي) ممثل بالسفير (الإسرائيلي) في الولايات المتحدة، وهو استبدال له دلالات مهمة تعكس تبني (إسرائيل) للرؤية الأمريكية في هذه المفاوضات”.

وأوضح الأعور، أن “هذه الجولة جاءت نتيجة لقاء بين ترامب ونتنياهو في فلوريدا، وهدفها الأساسي كان خفض التصعيد بين سوريا و(إسرائيل)”.

وأضاف أن “البيان الختامي لهذه المفاوضات أشار إلى تنسيق أمني كامل وتبادل معلومات استخباراتية، وتجاوز مجرد الاتفاق الأمني التقليدي، بما في ذلك إنشاء مركز لتبادل المعلومات الاستخباراتية، مما يعني أن (إسرائيل) ستحصل على امتداد استخباراتي داخل سوريا”.

وأكد الأعور أن “هذه المفاوضات تخدم المصالح الأمنية (الإسرائيلية)، لكنها في الوقت نفسه تمهد لإمكانية اتفاق أوسع بين سوريا و(إسرائيل) في المستقبل، يشمل انسحاب (إسرائيلي) من الأراضي المحتلة، وإقامة منطقة منزوعة السلاح أوسع، وتغطية أمنية ودبلوماسية واقتصادية شاملة”.

وأضاف أن “سوريا ستنخرط تدريجياً في تنسيق استخباراتي كامل، وتبادل المعلومات، وربما دخول الاتفاقيات الاقتصادية والدبلوماسية في إطار (اتفاقيات إبراهام)، ما يضع الحكومة السورية الجديدة على مسار التطبيع الكامل على مستويات متعددة: الأمن، الاستخبارات، الاقتصاد والدبلوماسية”.

وأعلنت سوريا والاحتلال الإسرائيلي، الثلاثاء، عن تشكيل “آلية اتصال مشتركة” بإشراف أمريكي، تهدف إلى تيسير تنسيق تبادل المعلومات الاستخباراتية، وخفض التصعيد العسكري، وتعزيز الانخراط الدبلوماسي، واستكشاف الفرص التجارية.

وجاء هذا الإعلان في بيان مشترك صدر عن الولايات المتحدة و(إسرائيل) وسوريا، عقب مباحثات استمرت يومين في باريس، شكلت خطوة أولى نحو إعادة ترتيب العلاقات الأمنية والدبلوماسية بين الأطراف.

Share This Article