| افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات |
معهد بحوث الأمن القومي (INSS) 8/1/2026
على إسرائيل الاستعداد لاستمرار انحدار النظام الإيراني
بقلم: د. راز تسيمت
عكست ردود فعل المرشد الإيراني علي خامنئي والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان على موجة الاحتجاجات الحالية اختلافاتهما في النهج. في أول بيان له بعد اندلاع الاحتجاجات، صرّح خامنئي بأن احتجاج التجار على أزمة النقد الأجنبي كان مبررًا، لكنه أكد أن وراءه مجموعة من المحرضين، مرتزقة العدو، الذين رددوا شعارات معادية للإسلام والجمهورية الإسلامية.
ليست هذه المرة الأولى التي يُفضّل فيها خامنئي تجاهل المشاكل الجذرية لبلاده، مُلقيًا بمسؤولية التحديات الداخلية على أعداء خارجيين، حقيقيين كانوا أم وهمين. ففي خطابه بمناسبة رأس السنة الإيرانية في 21 آذار 2023، ادّعى المرشد أن رئيس الولايات المتحدة وقادة العديد من الدول الأوروبية دعموا أعمال الشغب التي اندلعت عقب وفاة الشابة مهسا أميني في أيلول 2023، ولم يكتفوا بالدعم الكلامي، بل قدّموا للمتظاهرين مساعدات مالية وأمنية بهدف إضعاف الجمهورية الإسلامية. وفي مطلع كانون الثاني 2018، اتهم خامنئي أيضًا أعداء إيران باستخدام وسائل مُختلفة، من بينها التمويل والأسلحة وعملاء الاستخبارات، لدعم الاحتجاجات التي اندلعت في أنحاء البلاد أواخر العام 2017. في المقابل، التقى الرئيس بزشكيان بممثلي المتظاهرين في محاولة للتوصل إلى تفاهم معهم، وقدّم حزمة من المزايا الاقتصادية للمواطنين، تضمنت، من بين أمور أخرى، بدلًا شهريًا محدودًا لشراء السلع الأساسية. على الرغم من الشكوك حول ما إذا كانت مقترحاته تُقدّم حلاً حقيقياً لمعاناة المواطنين، فمن الواضح أن بزشكيان، على عكس خامنئي، يُدرك الحاجة إلى تغييرات جذرية لضمان مستقبل إيران. فمباشرةً بعد حرب الأيام الاثني عشر في حزيران، جادلت الأوساط البراغماتية في إيران، بمن فيهم الرئيس بزشكيان والرئيس السابق حسن روحاني، بأن المشاكل الرئيسية التي تواجه البلاد تتطلب تحولاً جذرياً وعميقاً في النهج. ويرى هؤلاء أن هذا التغيير يجب أن يقوم على إدراك الحاجة المُلحة لمعالجة الأزمات الداخلية، ولا سيما الأزمة الاقتصادية، من خلال إصلاحات شاملة في السياسة الداخلية والخارجية. وفي خطاب ألقاه في آب 2025، شدد الرئيس على ضرورة التركيز على حل مشاكل إيران من الداخل، بما في ذلك الأزمة الاقتصادية، ونقص المياه، وأزمة الثقة بين الشعب والنظام. كما أعرب بزشكيان عن دعمه للحوار مع الغرب، وأوضح أن التفاوض مع الخصوم لا يعني الاستسلام.
إلا أن هذا الموقف لم يُقبل، وبعد مرور أكثر من ستة أشهر على الحرب، لا يزال الزعيم الإيراني مُصراً على رفضه الحياد عن المبادئ الأساسية للاستراتيجية الإيرانية. بل إن الحرب عززت قناعته بأنه لا بديل عن طريق “المقاومة”، وأنه لا جدوى من التفاوض مع الإدارة الأمريكية الحالية، التي لا يعتبرها، في نظره، جهةً جديرة بالثقة. ويبدو أن الهجوم على فنزويلا لم يُغير موقفه أيضاً. ففي خطابه الأخير، زعم أن إيران لا تخشى مواجهة أعدائها، وأنها ستُخضعهم.
انزلاق النظام الإيراني نحو الهاوية
في غضون ذلك، وبعد مرور أكثر من أسبوع على اندلاع الاحتجاجات في إيران، لا يزال هناك شك كبير في قدرتها على التطور إلى تغيير سياسي ثوري على المدى القريب. ومع ذلك، سواء استمرت حركة الاحتجاج دون حسم، أو خفتت، أو قُمعت، على غرار موجات الاحتجاجات السابقة التي ضربت إيران في السنوات الأخيرة، فقد بات من الواضح تماماً أن الجمهورية الإسلامية قد وصلت إلى طريق مسدود، وأنها عاجزة عن إيجاد حل فعال للأزمة الراهنة. تنذر الاحتجاجات الحالية – وللمرة الثانية – بأن الجمهورية الإسلامية تمر بمرحلة متقدمة من التدهور المستمر.
حتى الحشد الشعبي حول راية القومية الإيرانية والشعور بالوطنية الذي تجلى خلال حرب الأيام الاثني عشر، سرعان ما تلاشى أمام تفاقم المصاعب التي يواجهها الشعب الإيراني. وقالت شابة إيرانية تبلغ من العمر 24 عامًا لصحيفة إيرانية إصلاحية هذا الأسبوع إن الوضع في إيران اليوم أسوأ مما كان عليه عندما كانت طالبة. ووفقًا لها، فبينما ركزت الاحتجاجات في عامي 2022 و2023 على قضية الحجاب والزي الإسلامي، فإن عدد “البطون الخاوية” يتزايد اليوم.
في ظل الأزمة الداخلية المستمرة وإصرار الزعيم الإيراني على التمسك برؤيته للعالم التي لا تقدم حلولاً لمعاناة المواطنين، يمكن تحديد ثلاثة سيناريوهات رئيسية محتملة في الساحة السياسية الإيرانية الداخلية خلال السنوات القادمة. أولها استمرار الوضع السياسي الراهن حتى التغيير المتوقع في القيادة، والذي يُرجح حدوثه في السنوات القادمة، عقب وفاة خامنئي، الذي يقترب من سن السابعة والثمانين. في غياب تغيير سياسي حقيقي، يُفترض أن الجمهورية الإسلامية ستستمر في مواجهة سلسلة من التحديات الداخلية، بما في ذلك تفاقم أزمة الشرعية، وأزمة اقتصادية متفاقمة، ومشاكل جوهرية أخرى، كسوء الإدارة، وصعوبة اتخاذ القرارات بشأن القضايا الاقتصادية الحاسمة، والفساد المستشري، والمشاكل البيئية، ونقص المياه والكهرباء، وأزمة ديموغرافية نتيجة لشيخوخة السكان. قد يؤدي استمرار هذه التوجهات إلى تفاقم تدهور الجمهورية الإسلامية إلى حد الانهيار الداخلي، على غرار ما حدث في السنوات الأخيرة من الحكم السوفيتي في الاتحاد السوفيتي.
أما السيناريو الثاني فهو ثورة شعبية تُفضي إلى الإطاحة بالنظام. على الرغم من أن هذا الاحتمال لا يمكن استبعاده، إلا أنه في هذه المرحلة – حتى في ظل تجدد الاحتجاجات – لا توجد مؤشرات على تهديد مباشر لاستقرار النظام. السيناريو الثالث هو تغيير النظام (بعد وفاة خامنئي، أو في سيناريوهات متطرفة حتى قبل ذلك)، ويتمحور حول استيلاء قوى من النخبة العسكرية والأمنية في إيران، بقيادة الحرس الثوري، على قيادة البلاد. قد يشمل هذا السيناريو إقالة المرشد الأعلى أو خليفته، أو بدلاً من ذلك، تعيين قائد ضعيف لأغراض الشرعية، يخضع لسيطرة الحرس الثوري الكاملة. لا يبشر هذا السيناريو بالضرورة بمستقبل إيجابي: فقد يكون النظام العسكري الذي يقوده الحرس الثوري أكثر استبدادًا وعدوانية وتطرفًا من النظام الحالي. مع ذلك، قد يكون الحرس الثوري أكثر التزامًا بمصالحه التنظيمية من الاعتبارات الأيديولوجية والمبادئ الثورية.
إيران تقترب من النهاية – وهذا يتطلب من إسرائيل توخي الحذر
على أي حال، بات من الواضح أن الجمهورية الإسلامية تقترب من نهاية مسارها بشكلها الحالي. في ظل هذا الواقع، يتعين على إسرائيل إدارة سياستها بوعي وحذر. من الواضح أن الزعيم الإيراني عاجز عن إحداث أي تغييرات جوهرية في سياسة إيران، سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي، ومن المشكوك فيه للغاية أن تتمكن العناصر الأكثر براغماتية المحيطة به، بمن فيهم الرئيس ووزير الخارجية وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي، من إقناعه بتغيير مساره، حتى في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد.
كما تبدو فرصة موافقة إيران على اتفاق نووي يلبي الحد الأدنى من احتياجات إسرائيل، بما في ذلك فرض قيود غير محددة المدة على تخصيب اليورانيوم، وعودة إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومنح صلاحيات واسعة للمفتشين، وإزالة المواد الانشطارية (اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة) المتبقية في إيران، ضئيلة للغاية هذه الأيام. علاوة على ذلك، حتى الاتفاق النووي الجيد من وجهة نظر إسرائيل يُتوقع أن يؤدي إلى رفع أو تخفيف العقوبات الاقتصادية، مما يوفر للنظام الإيراني شريان حياة في هذه المرحلة بالذات التي هو فيها أضعف من أي وقت مضى.
في الوقت نفسه، يجب مواصلة تعزيز التدابير السياسية والاقتصادية والأيديولوجية والاستخباراتية وغيرها من التدابير التي من شأنها إضعاف النظام وعزله وإنهاكه. إضافةً إلى ذلك، يجب توضيح الأمر لطهران بأن أي محاولة لإعادة إحياء البرنامج النووي، ولا سيما محاولة امتلاك أسلحة نووية، ستؤدي حتمًا إلى هجمات على البنية التحتية الوطنية والأهداف العسكرية ورموز النظام، بما قد يُهدد استقراره.
في ظل غياب اتفاق دبلوماسي بين إيران والولايات المتحدة، فإن القدرة على إدارة الوضع الراهن بين إيران وإسرائيل على المدى الطويل دون الانجرار إلى جولة أخرى من القتال محدودة للغاية. مع ذلك، في ظل الواقع الحالي – حيث فرص التوصل إلى اتفاق جيد من وجهة نظر إسرائيل ضئيلة، والجمهورية الإسلامية في حالة تدهور، ومستقبل النظام غير واضح (سواءً كان ذلك بسبب تغيير في النظام أو تغيير داخلي فيه) – يبدو أنه ليس أمام إسرائيل في هذه المرحلة بدائل أفضل من “إدارة الصراع” إلى حين حدوث تغيير في الظروف السياسية في إيران، مما قد يفتح آفاقًا جديدة وأكثر فائدة.
——————————————
إسرائيل اليوم 8/1/2026
الصفقة السعودية: إصلاحات في السلطة الفلسطينية مقابل الحكم في غزة
بقلم: داني زاكن
السعودية تعود الى الصورة – وتقترح الاشراف على الإصلاحات في السلطة الفلسطينية على طريق أخذ المسؤولية عن الحكم في قطاع غزة.
وكما يذكر، ابتعد السعوديون مؤخرا عن مسألة غزة. فقد اعلنوا بانهم سيمتنعون عن التدخل، بما في ذلك ارسال الجنود، طالما كانت حماس في الحكم. لكنهم يغيرون الان موقفهم. فقد التقى وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان في واشنطن أمس بوزير الخارجية الأمريكي مارك روبيو وعلى لسانه مقترحا لدور سعودي بأسلوب مختلف: أخذ مسؤولية الاشراف، ان شئتم التسيد على السلطة الفلسطينية، كي تستكمل هذه إصلاحات ضرورية. الإصلاحات هي مطلب إسرائيلي – امريكي وعمليا أيضا سعودي واماراتي، كشرط لدخول السلطة الفلسطينية عائدة الى غزة وربما أيضا مواصلة مسيرات التفاوض معها. في المؤتمر الصحفي في مار آلاغو الأسبوع الماضي قال رئيس الوزراء نتنياهو في رد على سؤالنا انه طالما لم تستوفي السلطة هذه الإصلاحات، المكتوب أيضا في خطة العشرين نقطة لترامب، فان إسرائيل ستعارض عودتها الى الصورة في غزة.
ولهذه الخطوة جانب آخر، رغبة السعودية في انهاء تام للحرب في غزة وتنفيذ خطة ترامب. اذا حصل هذا، سيزال عائق واحد عن ارتباطها باتفاقات إبراهيم. غير أنه حسب مصادر سعودية وامريكية لا يوجد احتمال لمثل هذه الخطوة في التشكيلة الحالية للائتلاف في إسرائيل.
السعوديون، كما يذكر، هم الذين طالبوا مسبقا بالإصلاحات من السلطة الفلسطينية. يدور الحديث سواء عن إصلاحات بنيوية تتضمن آليات منع فساد ونجاعة أم إصلاحات تبعدها عن الإرهاب بما في ذلك نزع التطرف عن جهاز التعليم والدعاة في المساجد. تطلب إسرائيل والامريكيون وقف الدفعات للمخربين وعائلاتهم تلك التي تسمى الدفع مقابل القتل. وتدعي السلطة الفلسطينية بانها توجد في عملية تغيير في هذا المجال، غير أن عمليا لم تفعل سوى أنها نقلت هذه الدفعات الى هيئة خارجها وهي لا تزال تحرص على مواصلة الدفعات.
مزيد من المال للمخربين
حسب بحث المقدم احتياط المحامي موريس هيرش، الباحث في المركزي المقدسي لشؤون الخارجية والامن، رغم الانهيار الاقتصادي، تقلص المداخيل والضغط الدولي، زادت السلطة الفلسطينية في العام 2025 الدفعات للمخربين. وحسب المعطيات، بينما في 2024 دفعت السلطة نحو 144 مليون دولار للمخربين وعائلاتنهم، في العام 2025 تعهد بـ 214 مليون دولار والميزانية لم تنتهي بعد. تنقسم هذه الدفعات بين عائلات السجناء المخربين الجرحى وعائلات الشهداء ممن قتلوا في اثناء تنفيذ العمليات. في سياق 2025 علم أن السلطة الفلسطينية أجرت تعديلات على مبنى الدفعات في محاولة لتقليص الضغط الدولي بما في ذلك نقل جزء من الدفعات الى جهاز اجتماعي يقوم على معايير اجتماعية اقتصادية. اما عمليا فان الدفعات من ميزانية السلطة تتواصل، في بعضها بطريقة التفافية.
إسرائيل تصادر من أموال الضرائب التي تجبيها للسلطة المبالغ المقدرة من دفعات للمخربين وعائلاتهم وهذا الخصم يؤدي هو أيضا الى الازمة المالية للسلطة.
حسب مصادر دبلوماسية، يتناول المقترح السعودي ذلك. وحسب الاقتراع، في اثناء تنفيذ الإصلاح في هذا المجال وفي مواضيع أخرى، تبدأ إسرائيل بتحرير جزء من الأموال التي تخصمها والسعوديون يعطون منحة تشجيع للسلطة كي يساعدوا في توازن الميزانية.
حسين الشيخ، نائب أبو مازن والمرشح لخلافته، زار عدة دول في الخليج في الشهر الماضي بما في ذلك السعودية وعرض الخطة للإصلاحات. حذر من الميل الإسرائيلي لتوسيع المستوطنات وطلب مساعدة سعودية في هذا الموضوع أيضا.
فراغ سلطوي في القطاع
المبادرة السعودية التي جاءت بعد اللقاءات مع الشيخ استهدفت أساسا حل العقدة في التقدم لاعمار القطاع – العقدة السلطوية. في هه اللحظة لا يوجد عمليا جسم سلطوي متفق عليه، بل قائمة أسماء لمرشحين فلسطينيين في المناصب العليا في الحكم الجديد. معظمهم مهنيون، موظفون وأصحاب مهن حرة، في قسمهم الأكبر عملوا في الماضي في السلطة.
مصر، تركيا وقطر تعمل على ادخال السلطة الى القطاع حتى قبل الإصلاحات وضمن أمور أخرى يعلن المصريون بان رجال السلطة، بمن فيهم رجال الامن سيشغلون معبر رفح في الجانب الفلسطيني. الادعاء المصري هو انه لا يوجد جسم آخر ذو صلاحيات قانونية وقدرات عملية تعمل ذلك. كما ان المصريين يروجون للاقتراح بان تسلم حماس سلاحها لرجال السلطة في اطار “سلطة واحدة – سلاح واحد”. هكذا بحيث تحل أيضا مشكلة تجريد السلاح.
في إسرائيل يعارضون ادخال السلطة منذ هذه المرحلة المبكرة قبل الإصلاحات. كما تعارض إسرائيل تسليم حماس سلاحها لرجال السلطة الفلسطينية.
موقف اتحاد الامارات مثير للاهتمام. فهي لا تؤيد الخطوة السعودية واساسا بسبب حقيقة أن تنفيذ الإصلاحات تبدو بعيدة جدا. قيادة الامارات رفضت في هذه المرحلة ان تقدم منحة تشجيع للسلطة الفلسطينية واشترطت ذلك بالتقدم السريع في الإصلاحات واساسا الدفعات للمخربين والتغييرات في برامج التعليم.
قيادة الامارات تواصل سياسة مختلفة عن باقي الدول العربية بما في ذلك السعودية التي توجد لها معها احتكاكات في عدة جبهات – واساسا في اليمن.
——————————————-
يديعوت احرونوت 8/1/2026
خريطة مصالح ومطالب كل الاطراف في المفاوضات مع سوريا
بقلم: رون بن يشاي
على السطح ليس ملحا لإسرائيل في هذه اللحظة الوصول الى اتفاق امني او الى اتفاق شامل مع سوريا أحمد الشرع (المعروف لنا بلقبه الجهادي الجولاني). بادىء ذي بدء، لانه ليس واضحا بعد اذا كان الشرع – الشاب في البدلة الذي نال رشة عطر من الرئيس الأمريكي – يختلف حقا عن الجولاني الذي قاد منظمة الإرهاب جبهة النصرة حتى قبل وقت غير بعيد. ثانيا هو لا يحكم حقا في كل أراضي سوريا وحكمه غير مستقر. عمليا هو لا يسيطر على اكثر من 60 في المئة من أراضي سوريا بل وحتى يجد صعوبة في ان يفرض إمرته على جماعات ميليشيات جهادية متطرفة تندرج في هيئة تحرير الشام المنظمة العليا التي يقف على رأسها. هذه الميليشيات غير راضية عن الإسلام المعتدل الذي يفرضه الشرع في سوريا وعن السياسة المؤيدة للغرب التي يطورها. وعليه، في الوضع الحالي توجد لإسرائيل مصلحة واضحة في إبقاء الجيش الإسرائيلي في الانتشار القائم في منطقة الفصل والذي أساسه تسعة استحكامات متسللة داخل الأراضي السورية السيادية (ليس بعمق كبير بل بضعة كيلومترات فقط). تتمركز هذه الاستحكامات أساسا في شمال الجبهة في جبل الشيخ وفي جنوب الجبهة، في منطقة مثلث الحدود إسرائيل، سوريا والأردن. إضافة الى ذلك توجد منظومة أخرى من الاستحكامات في أراضينا، بحيث أن الانتشار الحالي يعطي إسرائيل قدرة قصوى للتحكم بالرقابة وبالنار والمتابعة الاستخبارية والتكنولوجية ليس فقط لما يحصل في حوض دمشق وشماله بل بالزاوية الشمالية – الشرقية من لبنان، التي تلامس الحدود مع سوريا، حيث يعمل حزب الله ومنظمات فلسطينية. كما ان إسرائيل تقيم الان عائقا عميقا ضد المركبات وضد البشر، يمكنه أن يؤخر جدا هجوما مفاجئا من الجولان، كذاك الذي تعرضت له بلدات غلاف غزة في 7 أكتوبر.
كل هذه تردع وتوفر حماية ما لبلدات هضبة الجولان وما لا يقل أهمية – تشكل ورقة مساومة في كل مفاوضات مع النظام في سوريا، الذي يريد جدا إزالة هذه الاستحكامات من الأراضي السيادية لبلاده.
هذا الوضع كما اسلفنا مريح لإسرائيل، لكن الرئيس ترامب معني بمفاوضات وبتسوية دائمة، او على الأقل بتسوية أمنية بين إسرائيل وسوريا. السبب الأول هو أن هذا يدفع قدما بخطته للاستقرار، التهدئة والسلام للشرق الأوسط، موضوع هام جدا له، ضمن أمور أخرى بسبب رغبته باعتراف دولي وبجائزة نوبل للسلام. السبب الثاني هو ان لترامب مصلحة بالاستجابة الى مناشدات السعودية، قطر، اتحاد الامارات وبالاساس تركيا. هؤلاء معنيون بترميم سوريا لاعتبارات اقتصادية ودينية (سُنية). كما ان اردوغان يرى في سوريا منطقة نفوذه المميزة التي يمكنه فيها ويحق له ان يملي السياسة، وحيث توجد شركات تركية ستعمل على البناء المدني والعسكري بحيث يعاد بناء جيش النظام السوري، وبالتالي يمكنها أن تكسب المليارات من التمويل الذي سيصل من السعودية، قطر واتحاد الامارات.
من هنا فان للدول الثلاثة هذه، واساسا لتركيا توجد مصلحة في أن تعترف الولايات المتحدة بحكم الشرع وتساعده في تثبيت حكمه على كل سوريا، بحيث يحقق مصالحها. في تركيا مثلا يدور الحديث أيضا عن أنه اذا نجح الشرع في بسط حكمه على كل سوريا، فانه يمكنه أن يفرضه أيضا على الاكراد السوريين الذين ترى فيهم تركيا تهديدا.
في الوضع الحالي بعد لقاء نتنياهو وترامب في مار آلاغو وبعد العملية الامريكية في فنزويلا، ليس لإسرائيل مصلحة في الصدام مع الرئيس ترامب، بل السير باتجاهه، رغم ان ليس لها مصلحة فورية او عاجلة في تسوية مع سوريا، ولا سيما في ضوء المطالب السورية التي تسعى الى تضييق خطاها في هضبة الجولان.
مندوبون إسرائيليون يمستوى منخفض
بعث نتنياهو الى المفاوضات في باريس مندوبين في مستوى متدن نسبيا، مقارنة بالمندوبين الذين بعثهم حاكم سوريا- وزير الخارجية ورئيس المخابرات – ومقارنة بالمندوبين الأمريكيين وبينهم سفير الولايات المتحدة في تركيا براك، وكذا ويتكوف وكوشنير. المندوبون الإسرائيليون ليس مخولين باتخاذ قرارات حقيقية بل فقط ان يسمعوا المواقف الامريكية والسورية وينقلوها الى نتنياهو.
تنعكس هذه الفجوة أيضا في التقارير عن اللقاء في باريس. محافل أمريكية تروي للصحافيين عن آلية تنسيق تقام في الأردن وعن ان 90 في المئة من المواضيع اتفق فيها منذ الان. بالمقابل في بيان رئيس الوزراء الإسرائيلي لا يدور الحديث الا عن الحاجة للمفاوضات لاستقرار الوضع في سوريا، عن تلبية مطالب الامن الإسرائيلية وكذا عن الإيفاء بمطالب الرئيس ترامب. في بيان مكتب رئيس الوزراء لا تذكر خطوات عملية.
كي نفهم ما الذي يحصل حقا في المفاوضات وما الذي يرتقب ان يحصل بين إسرائيل وسوريا وفي واقع الامر بين إسرائيل، سوريا والولايات المتحدة، ينبغي مراجعة خريطة المصالح. المصلحة الإسرائيلية الحيوية يمكن تلخيصها في جملة واحدة: إسرائيل تريد إرث إنجازاتها
في حرب السيوف الحديدية في الساحة السورية وتحسين وضع الامن القومي خاصتنا مقارنة بذاك الذي ساد قبل 7 أكتوبر.
المصلحة الإسرائيلية الأولى والاساس هي منع إمكانية هجوم مفاجيء من أراضي سوريا نحو بلدات، معسكرات ومنشآت عسكرية وبنى تحتية في هضبة الجولان. في سوريا تعمل محافل جهادية قريبة من داعش، ومحافل شيعية مقربة من ايران وتحوز مركبات وقدرات، باسناد ميليشيات عراقية شيعية وحوثية لخلق هجوم مفاجيء كهذا في غضون ساعات.
المطلب الثاني هو منع تمترس محافل معادية مسلحة في مدى النار في استعداد مباشر – قذائف هاون، صواريخ مضادة للدروع، صواريخ قصيرة المدى، حوامات ومُسيرات – وابعادها عن بلدات الجولان وعن محاور حركة السير. في جنوب الجولان توجد قواعد لداعش سبق ان اطلقت النار نحو أراضي إسرائيل، واذا ما نمت بلا عراقيل، فمن شأنها أن تعرض البلدات للخطر.
المصلحة الثالثة هي منع نقل السلاح، الذخيرة، المواد الخام والوسائل لانتاج السلاح لحزب الله في لبنان. رغم مساعي النظام السوري ونشاط الجيش اللبناني لا تزال توجد تهريبات من ايران عبر العراق الى الصحراء السورية ومن هناك الى حزب الله وان كان على نطاق ضيق. تعاظم قوة حزب الله يشكل تهديدا استراتيجيا حقيقيا.
مصلحة استراتيجية أخرى هي منع تواجد عسكري تركي في جنوب سوريا، من شأنه ان يقيد حرية عمل سلاح الجو الإسرائيلي في سوريا، في الأردن ومن ورائهما في الشرق الأوسط. محاولة تركية لنصب وسائل كشف وبطاريات مضادة للطائرات في قاعدة T4 في سوريا أحبطت منذ الان قبل أن تخرج الى حيز التنفيذ حين رسمت إسرائيل للاتراك خطا في الرمال.
إضافة الى ذلك يوجد التزام إسرائيلي بحماية السكان الدروز واساسا في منطقة السويداء (جبل الدروز) في حالة تهديد حقيقي على حياتهم وكرامتهم. كما واضح أيضا انه في المدى البعيد توجد لإسرائيل مصلحة امنية بالامتناع عن مواجهة طويلة مع النظام السوري من شأنها ان تتطور الى احتكاك مع الولايات المتحدة.
تنشـأ عن هذه المصالح المطالب الإسرائيلية التالية: تجريد منطقة جنوب سوريا بين دمشق وحدود الأردن من السلاح مما يعني منع دخول جماعات مسلحة، سلاح ثقيل ومركبات ميدانية الى المنطقة المجاورة لحدود إسرائيل حتى مسافة عشرات الكيلومترات شرق الخط الارجواني في هضبة الجولان؛ تقييد قوات الامن السورية بالسلاح الخفيف فقط؛ وحق عمل إسرائيلي لإحباط تهديدات وخروقات.
بالنسبة للاستحكامات المتسللة، اثنان منها في جبل الشيخ وواحد على الأقل في منطقة مثلث الحدود في جنوب هضبة الجولان – حرجة للسيطرة الاستخبارية، الاخطار والرد السريع، تجاه حزب الله، تجاه منظمات الإرهاب الفلسطينية في لبنان وفي سوريا وتجاه داعش.
لا يوجد مطلب للانسحاب من الجولان
بالمقابل يطالب الشرع أن تنسحب إسرائيل من منطقة الفصل وتعود الى اتفاق وقف النار في 1974. وذلك كي يتمكن من الادعاء بانه لا يتعاون مع الاحتلال الاسرائيل وانه أعاد الى السيادة السورية أراض كانت تحت سيطرة إسرائيل. ومن المهم الإشارة الى أن الشرع لا يطالب – حاليا على الأقل – ان تنسحب إسرائيل من الجولان، وان يتمكن من تغطيس قديمه في بحيرة طبريا – مثلما طالب الحكام من عائلة الأسد. لكن إسرائيل ترد أيضا مطلب العودة الى خطوط فصل القوات من القرن الماضي، بدعوى أنها لا تستيجب لتهديدات هجوم مفاجيء ظهر في الساحة، والوسائل القتالية الجديدة التي في ايدي جيوش الإرهاب والميليشيات، والتي تطورت وباتت اكثر فتكا ودقة من وقع اتفاق فصل القوات في نهاية حرب يوم الغفران في 1974.
كما أن الشرع يعرف بان دول الخليج لم تستثمر في اعمار سوريا سنت واحد طالما كان هو لا يسيطر على كل أراضيها، وطالما لا يوجد استقرار للحكم في البلاد المدمرة.
وبالطبع توجد المصلحة الامريكية التي يمكن اجمالها في جملة قصيرة واحدة: ترامب معني بارضاء السعودية، قطر وتركيا ولا يهم حقا ان يفعل هذا على حساب هوامش الامن الواسعة التي تطلبها إسرائيل لنفسها في الجولان.
في باريس اقتراح الامريكيون تشكيل لجنة تنسيق لمنع المواجهات (؟؟ مثل الالية التي تعمل حيال روسيا)، تتخذ من الأردن مقرا لها وتتضمن مندوبي إسرائيل، سوريا والولايات المتحدة. بواسطتها مثلا تنقل إسرائيل اخطارا استخباريا، والنظام السوري لعمل لإحباط التهديد. إضافة الى ذلك يفترض باللجنة ان تسمح بحوار مدني في مواضيع الاعمار، البنى التحتية والتجارة – حوار يتسع الى مواضيع سياسية وغيرها حين تحين اللحظة المناسبة للحديث عن السلام. حاليا تتفق الدولتان على الحديث فقط عن اتفاق امني.
مع ذلك، من زاوية نظر إسرائيل، عن تفاصيل تنفيذ الاتفاق الأمني أيضا لا يمكن الحديث طالما لم تستجب مطالبها المركزية: تجريد جنوب سوريا، حق العمل الإسرائيلي في العمل في الأراضي السورية لإحباط تهديدات عليها ومنع تواجد تركي يقيد حرية العمل الجوي لنا ويخلق تهديدا على هضبة الجولان الإسرائيلية. طالما لم يتفق على هذه المباديء – الا اذا وافقت إسرائيل على التنازل)، فان المحادثات لن تعطي نتيجة حقيقية. اذا ما اتفق على هذه الأمور فسيكون ممكنا تنفيذ الاتفاق بسرعة، وستتمكن إسرائيل من الانسحاب الى الوراء عن بعض من الاستحكامات المتسللة في مركز هضبة الجولان.
——————————————
هآرتس 8/1/2026
الحكومة تنشر عطاء للبناء في المنطقة E1 حسب خطة تسرع تقسيم الضفة
بقلم: متان غولان
وزارة البناء والاسكان نشرت مناقصة تتعلق ببناء 3401 وحدة سكنية في منطقة “إي1” التي تمتد على حوالي 12 كم مربع وتم ضمها بلديا لمعاليه ادوميم. المنطقة تمتد شرق وغرب المدينة. خطة البناء تمت المصادقة عليها في نهاية شهر آب، تقريبا بعد اسبوعين على مناقشة الاعتراضات على الخطة. المناقصة نشرت في موقع سلطة اراضي اسرائيل في الشهر الماضي، وتواصل منحى الدفع قدما بالبناء في منطقة إي1.
في شهر ايلول وقعت بلدية معاليه ادوميم والحكومة على اتفاق عام بمبلغ 3 مليارات شيكل. الاتفاق تضمن اضافة حوالي 7600 وحدة سكنية على اراضي دولة الى جانب تطوير مناطق تجارة وتشغيل، بصورة يمكن ان تضاعف عدد الاشخاص الذين يعيشون في المدينة. في حفل التوقيع شارك رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، وفيه قال: “لن تقام دولة فلسطينية”. نتنياهو توجه من فوق المنصة الى الوزير في وزارة المالية، زئيف الكين، وقال له بسخرية: “زئيف، أنت ايضا تعيش في المناطق المحتلة، اليس كذلك؟ هذه منطقة محتلة احتلها يهوشع! هذه المنطقة هي لشعب اسرائيل وارض اسرائيل”، واستقبل بالتصفيق.
البناء في إي1 يتوقع ان يفصل شمال الضفة عن جنوبها وان يمس باحتمالية تواصل جغرافي فلسطيني مستقبلي في المناطق. الخطط التي تثير خلافات، التي تم تأخيرها لسنوات بسبب الضغط الدولي يمكن ان تقضي على امكانية التوصل الى حل على اساس دولتين، ويتوقع ان تثير انتقاد شديد في العالم. بعد المصادقة على الخطة في شهر آب قال وزير المالية بتسلئيل سموتريتش بأن “الدولة الفلسطينية محيت – ليس بالشعارات، بل بالافعال”.
على الرغم من ان الخطط وضعت في السابق، في فترة حكومة رابين، الا انه منذ 2005 تم تجميدها لاسباب سياسية وفي اعقاب الضغط الدولي. نتنياهو أمر بدفعها قدما للمرة الاولى في 2012، وصادق عليها في اجراء اولي قبل الانتخابات في شباط 2020.
لقد تم تقديم عدة التماسات ضد الخطة من قبل السكان الفلسطينيين وحركة “السلام الان” و”عير عاميم” و”بمكوم”. الملتمسون طلبوا من المحكمة اصدار امر مؤقت وتجميد تنفيذ الخطوة، لكن القضاة رفضوا هذه الالتماسات.
المنظمات التي تعارض الخطط تقول بان البيئة التي فيها خطط البناء في إي1 هي رصيد الاراضي الوحيد في النقاط الثلاثة المركزية التي يعيش فيها الفلسطينيون، رام الله وشرقي القدس وبيت لحم. تقريبا مليون شخص يعيش فيها. وبناء على ذلك هم يقولون ان البناء سيخلق تواصل للمستوطنات من وسط الضفة وحتى القدس وسيضر بالقدرة على التوصل الى حل سلمي في المستقبل.
من حركة السلام الان جاء: “بثمل القوة منفلت العقال حكومة اسرائيل تواصل سحق حقوق الانسان وكل محاولة لحل سياسي افضل للاسرائيليين والفلسطينيين. هدف البناء في إي1 هو التطهير العرقي وسحق التجمعات الفلسطينية، وهكذا خلق واقع الدولة الواحدة، دولة ابرتهايد تعيش في نزاع دائم. ان اصلاح الضرر يقتضي عمل قاس، وفي هذه الاثناء فان تجمعات المهجرين سيبحثون عن اراضي ثابتة والحياة في كل المنطقة ستمتليء بالعنف وعدم العدل وغياب الامن”.
“سموتريتش، وبالاساس نتنياهو، اعلن بصراحة ان معنى وهدف البناء في إي1 هو افشال امكانية قيام الدولة الفلسطينية”، قالوا في جمعية “عير عاميم”. “ما لا يريدون قوله للجمهور الاسرائيلي هو ان البناء في إي1 يرافقه اقتلاع وطرد آلاف الفلسطينيين الذين يعيشون في المنطقة، واقامة جدران، التي ستحبس خلفها قرى فلسطينية قريبة يعيش فيها عشرات آلاف السكان الآخرين. عندما ترفض اسرائيل السلام فهي في الواقع تختار الترانسفير والعنف، اللذان يدمران حياة الفلسطينيين والاسرائيليين”.
——————————————
هآرتس 8/1/2026
التشريعات القديمة لن تتصدي للسايبر وتقنية التزوير العميق اللذان يهددان الانتخابات
بقلم: عومر بن يعقوب
نوعام سولبرغ جلس في الشهر الماضي في لجنة الانتخابات التابعة للكنيست لمشاهدة نفسه في شاشة مثبتة في قاعة النقاشات. يظهر في الفيديو نائب رئيس المحكمة العليا وهو يقف على منصة ترفرف بجانبها اعلام اسرائيل. يعلن بصوته عن حظر التجول وحالة الطواريء التي تلزم باغلاق صناديق الاقتراع. كان يمكن ان يثير التسجيل حالة من الذعر لو انه لم يكن مفبرك. فيديو مفبرك لتقنية التزوير العميق، استخدم فيه الذكاء الصناعي المتاح للجميع. وقد تم عرض الفيديو، الذي تم اعداده لهذا النقاش، على سولبرغ من اجل توضيح مدى سهولة تشويش الانتخابات القادمة في هذه السنة. وحسب المشاركين في الجلسة فقد حقق هذا العرض الاثر المطلوب، وحصل القاضي (63 سنة)، الذي يشغل منصب رئيس لجنة الانتخابات، على لمحة اولية عما ينتظره الجمهور في السنة القادمة.
مع ذلك، الامر لم يقتصر على افلام التزوير العميق فقط، فستجرى الانتخابات القادمة في عالم يتمتع بقدرات الذكاء الصناعي المتقدمة والمتاحة لأي شخص يهتم، حيث يتم استخدام حسابات وهمية (افيتارات) وصفحات تحظى بمتابعة واسعة، بعضها بتمويل مشبوه، من اجل الترويج للسياسيين، بل واحيانا لنظريات المؤامرة، بدون شفافية أو رقابة. ايضا هناك تهديدات محتملة في الفضاء الالكتروني، محلية ودولية، تشمل اختراق مواقع حكومية بهدف تزوير الانتخابات وتعطيل سجل الناخبين وانهيار المواقع الالكترونية التي تقدم الخدمات للناخبين، وحتى اختراق انظمة ادارة الحملات الانتخابية للاحزاب السياسية. اضافة الى ذلك قد تؤدي الهجمات التخريبية على البنى التحتية الحيوية، مثل الكهرباء، الى تعطيل يوم الانتخابات. وخلافا لساحة التاثير المخترقة، فان لجنة الانتخابات تستخدم كوادر متخصصة في الامن السيبراني والنظام السيبراني الوطني من اجل حماية هذه الانظمة.
اعضاء لجنة الانتخابات ليسوا الوحيدين الذين ينظرون بقلق للمستقبل القريب، بل هناك ايضا مراقب الدولة متنياهو انغلمان، الذي حذر في الشهر الماضي في مؤتمر السايبر في تل ابيب من “تقصير كبير في استعداد اسرائيل لمواجهة تاثير دول اجنبية على الانتخابات في 2026”. واضاف انغلمان، بصراحة الى انه ضمن امور اخرى، “قد يحدث فقدان لثقة الجمهور وفوضى في يوم الانتخابات، وحتى تزوير نتائجها”.
من اجل رصد وتحديد التهديدات، تحدثت “هآرتس” مع عدد من الباحثين والاعضاء السابقين والحاليين في جهاز الامن، وممثلين عن شركات تعمل على مكافحة عملية التاثير. وقد اجمع معظمهم على ان اسرائيل غير مستعدة للتعامل مع التنوع المتزايد باستمرار للتهديدات الرقمية التي تواجهها. ففي الوقت الحالي تشمل ادواتها المتاحة قوانين كتبت في خمسينيات القرن الماضي، مؤسسات تخشى من التدخل فيما يحدث في الشبكات الاجتماعية، حكومة تستثمر في قنوات اتصال بديلة، وعالم تكنولوجيا يتطور بسرعة تفوق بكثير وتيرة استعداد المنظمات والهيئات، بما في ذلك جهاز الشباك.
ممثلو المنظمة شاركوا في نقاشات لجنة الانتخابات في الشهر الماضي، الى جانب اعضاء الائتلاف الحكومي – عضو الكنيست اوفير كاتس (الليكود) وعضو الكنيست ايرز ملول (شاس). وقد عملا على ايجاد حل لمشكلة تسببت بالفعل بتعطيل الحملات الانتخابية في ارجاء العالم، بل وادت الى الغاء نتائجها. هذا حدث في رومانيا في 2024 بعد ان حذرت اجهزة المخابرات هناك من ان روسيا تؤثر على الرأي العام بواسطة حملات توعية في الشبكات الاجتماعية.
لم يتم طرح أي حل سحري في اللجنة، بل تمت مناقشة خطوات عملية، مثل انشاء وحدة متخصصة في اللجنة من اجل دمج المعلومات التي تم جمعها في الشباك والشرطة والمجتمع المدني والقيادة الوطنية للامن السيبراني، تعيين مستشار للجنة في مجال الذكاء الصناعي، تنظيم تدريبات للاستجابة السريعة مع الاجهزة الامنية استعدادا ليوم الانتخابات، دعوة ممثلين الى المنصات مثل الميتا والتك تك للتنسيق في فترة الانتخابات، اطلاق حملة توعية عامة لتوعية الناخبين. في هذا الاسبوع اعلنت اللجنة المركزية للانتخابات والشباك عن تشكيل طاقم متخصص للتعامل مع اخطار الذكاء الصناعي والتاثيرات الخارجية على الشبكات الاجتماعية.
“نحن في عصر مختلف كليا”، قال وحذر عضو الكنيست ايتان غينسبرغ (ازرق ابيض)، الذي دعا للنقاش في الشهر الماضي. “لا يمكن التعامل مع عالم جديد بأدوات قديمة”. في نقاش اجري في هذا الاسبوع في لجنة العلوم والتكنولوجيا في الكنيست اوضحت اورلي عدس، المديرة العامة للجنة الانتخابات، مدى تقييد صلاحيات رئيس لجنة الانتخابات في مواجهة التكنولوجيا الحديثة وقالت: “قضية الذكاء الصناعي كلها هي امر جديد مقارنة مع قانون اساليب الدعاية، القانون الصادر في 1059… هذا القانون لا ينص على حظر الكذب في الدعاية الانتخابية. رئيس لجنة الانتخابات لا يملك صلاحية تقديم طعن لمنع استخدام التقنية، ايضا لا يملك صلاحية مناقشة حملة انتخابية تقوم بها جهة خارجية، لا تعتبر منشور من قبل حزب”.
حقيقة أم كذب؟
ان المحاولات المحلية والخارجية لتعطيل أو تشويه الخطاب السياسي في اسرائيل وفي العالم غير جديدة. فقد برزت قضية التضليل الاعلامي والتاثير الاجنبي والمحلي لاول مرة في الساحة العامة خلال الانتخابات الرئاسية الامريكية في 2016، حيث ثارت الشكوك حول تورط روسيا بشكل كبير في عملية التاثير لصالح دونالد ترامب. لقد مرت 10 سنوات تقريبا منذ ذلك الحين، وفي هذه الفترة بدأ عصر الفيس بوك في الانحصار مع غياب شبه تام للحلول التنظيمية للمشكلات التي احدثها. في نفس الوقت اصبح تطبيق التلغرام ساحة مركزية للتاثير السياسي ومصدر رئيسي للاختراق الالكتروني. وقد دخلت قدرة الذكاء الصناعي المتقدمة الان الى هذا المجال، وغيرت قواعد اللعب من جديد.
مع ذلك، يعتقد نير روزين، الرئيس التنفيذي لمنظمة “المراسل المزيف”، ان التهديد الرئيسي للانتخابات القادمة لا يكمن بالضرورة في التلاعب بنتائج الانتخابات أو أي نوع من الحملات الانتخابية. فحسب رايه يوجد الان “نظام بيئي” متكامل للتاثير البديل، الذي يتغذى، ضمن امور اخرى، على الحكومة وتقنية الذكاء الصناعي. وقد قال روزين: “هذا ليس فيديو واحد مزيف او عملية واحدة، بل بيئة كاملة كانت بالفعل عرضة للتاثير المجهول، والان اصبحت مليئة بالادوات التي تسمح بنشر هذا التاثير بكفاءة وبتكلفة رخيصة”.
——————————————
معاريف 8/1/2026
بين الزيتون وبيروت
بقلم: افي اشكنازي
بين حي الزيتون والبرلمان في بيروت – اليوم القريب القادم كفيل بان يكون نقطة أساسية تقرر بقدر كبير ماذا سيحصل هنا في المنطقة في الأسابيع والاشهر القريبة القادمة. وأساسا اذا كنا سنغلق ساحات قتال ام أنها تفتح من جديد.
أمس استؤنفت التفتيشات عن بطل إسرائيل الضحية المخطوف رقيب اول ران غوئيلي. تفهم حماس بانها ملزمة بان تعيد الجثمان الى الديار وتسليمه الى عائلته إذ بدون هذا لن يفتح معبر رفح ولن يتم التقدم الى المرحلة الثانية من الاتفاق.
الزمن الان يعمل ضد سكان القطاع الذين يمارسون الضغط على حماس. وحين يكون هذا هو الوضع تفهم حماس بانها ملزمة بان تعيد غوئيلي – ويكون من الأفضل مبكرا قدر الإمكان. فاعادة المخطوف الأخير ستسمح للامريكيين أيضا بالتقدم في خطة ترامب، والتلويح بالانجاز.
كما أن إعادة المخطوف ستسمح للرئيس الأمريكي بان ياذن لإسرائيل بتنفيذ بعض التحسينات في لبنان حيال حزب الله. اليوم سيصل رئيس أركان الجيش اللبناني الجنرال رودلف هيكل للقاء رؤساء الحكم اللبناني. بتأخير ستة أيام سيعلن بان جيشه استوفى مهمة نزع سلاح حزب الله في كل المجال الذي بين الليطاني والحدود مع إسرائيل.
غير أن في إسرائيل يعتقدون ان الجنرال سيروي لحكومته حكايات. وبالتوازي مع أقواله، سيسخر الناطق العسكري بالعربية العقيد افيحاي أدرعي من الجنرال. وسيعرض الناطق العسكري الصور والاشرطة عن الأسلحة، الصواريخ ومخازن السلاح لحزب الله في البيوت، في المباني وفي المناطق العامة والمفتوحة في جنوب لبنان. هذه الصور والاشرطة سيعرضها الجيش الإسرائيلي ليس فقط على لبنان بل وأيضا على الاسرى الدولية، وسيتوجه على نحو خاص الى الرأي العام في فرنسا، في الولايات المتحدة وفي السعودية بهدف كشف مناورة التملص للجيش اللبناني من مهمته المركزية – تحقيق سيادته في ارجاء الدولة.
في الرؤية الإسرائيلية، في اعلان الجيش اللبناني اليوم يفتح في واقع الامر الباب للجيش الإسرائيلي كي ينزع هو سلاح حزب الله. أي ان تكون إسرائيل مطالبة بجولة ثانية في الجبهة. وسيكون الجيش مطالبا بحملة قوية لاضعاف حزب الله من خلال ضرب منظومات السلاح، الصواريخ، مخازن السلاح، القيادات والقواعد وكذا المس بالنشطاء والقادة.
الخطط أعدتها منذ الان شعبة الاستخبارات “امان” وقيادة المنطقة الشمالية. السؤال متى ستخرج الى حيز التنفيذ – متعلق بالمستوى السياسي. التقدير هو أن عملية الدعاية الواسعة للناطق العسكري اليوم تستهدف استنفاد الدبلوماسية. هذا بالتشديد على فرنسا والسعودية اللتين لهما نفوذ ومصالح في لبنان وبوسعهما التأثير للعمل على نزع سلاح حزب الله دون أن يكون الجيش الإسرائيلي مطالبا بان يفعل هذا بالنار.
في هذه الاثناء واصل الجيش امس أيضا ضرب رجال حزب الله في لبنان. الهدف هذه المرة كان مخربا من القوة الجوية وحدة 127 المسؤولة عن الحوامات والمُسيرات لحزب الله. وهو المخرب الثاني من الوحدة ذاتها الذي يصفى في غضون يومين في لبنان على ايدي الجيش الإسرائيلي ما يدل على أن إسرائيل مصممة على العمل ضد حزب الله.
——————————————
هآرتس 8/1/2026
سائق الحافلة الذي دهس الفتى الحريدي هو عربي، لذلك، من الواضح انه قاتل
بقلم: جدعون ليفي
بعد مرور نصف يوم على قيام سائق الحافلة الفلسطيني فخري الخطيب بدهس الفتى اليهودي في القدس، وفيما يبدو كمحاولة للنجاة بحياته من جمهور مثيري الشغب العنصريين الذين هددوا بارتكاب عملية فتك به مثلما فعلوا في السابق مع عشرات السائقين الفلسطينيين في القدس، سارعت الشرطة الى اتهامه بالقتل المتعمد. في البداية اعتقدوا انه يجب اتهامه بالقتل المتعمد في ظروف مشددة، واحتاجوا الى بضع ساعات كي يستيقظوا، وكما يبدو “كي يكتفوا” باتهامه بالقتل المتعمد العادي.
ممثل الشرطة تحدث امس في المحكمة عن “الخطر الكبير” الذي شكله السائق “نظرا للجريمة والجرأة في الاندفاع نحو حشد من المراهقين”. وكان وزير الثقافة ميكي زوهر، رجل القانون اللامع والواعظ الاخلاقي البارز، قد اكثر حسما. فبعد الحادثة على الفور وصفها بانها “قتل متعمد” وان محاكمة القاتل غير ضرورية. ولم يبق الا انتظار موافقة الكنيست على عقوبة الاعدام للارهابيين، واعدام الارهابي من الخط 64 في حي رموت – في ساحة السبت أو في حديقة الورود قرب الكنيست أو في “يد واسم”، احفظوا هذا التاريخ واحجزوا التذاكر مسبقا. نحن اقرب الى ذلك اكثر مما نتخيل.
السائق العربي كان مشتبه فيه مسبقا بالقتل، الا اذا ثبت العكس. منذ الصباح، عندما يخرج للعمل من اجل اعالة عائلته كان مشتبه فيه بالقتل مثل كل العرب، الا اذا ثبت العكس. وفي اللحظة التي عرف فيها انه عربي فقد تم حسم مصيره. لو انه لم يكن عربي لما كانت الشرطة سيخطر ببالها اتهامه بالقتل من البداية. بالتاكيد ليس بهذه السرعة الكبيرة. عندما يقتل مستوطن بشكل متعمد فلاح فلسطيني امام العدسات فانه تمر بضعة اشهر الى ان تقرر جهات انفاذ القانون اذا كان سيقدم للمحاكمة أو لا، وعلى الاغلب لا. في هذه الاثناء هو وبندقيته القاتلة يبقون احرار.
الان لم يعد بالامكان التوارع واختراع الذرائع. هكذا بالضبط يعمل نظام الابرتهايد. لا يوجد أي دليل على وجود الابرتهايد الاسرائيلي اكثر من وجود قانونين في المناطق المحتلة. الاول لليهود (القضاء المدني) والثاني للفلسطينيين (القضاء العسكري). قانون لليهود وقانون للعرب، ايضا داخل اسرائيل. ليقم من يصدق ان ذنب السائق في القتل لم يكن لانه عربي. ليقم من يعتقد انه لو كان يهوديا لكان تم تقديمه للمحاكمة بنفس السرعة وبنفس الخطورة.
الظروف المشددة كانت كالتالي: السائق استيقظ في الصباح ليبدأ يوم عمله الخطير والمهين لانه كان يجب عليه اعالة عائلته. لم يتم اعتقاله في أي يوم ولم يتورط في أي يوم مع القانون. كان يعرف انه سيواجه يوم آخر من الاهانة والبصق ورشق الحجارة، وربما الضرب، في الخط الذي كان يعمل فيه، والذي يخدم على الاغلب جمهور الحريديين، حامل راية العنصرية الجديد. ولكن ما الخيار الذي كان امامه.
لا احد يعرف ما الذي فكر فيه خلال لحظة الرعب تلك في الحافلة. ولكن من الواضح انه كان خائفا الى درجة الموت. والحقيقة هي انه اتصل مع الخط الساخن للشرطة، 100، وطلب المساعدة، التي لم تصل بالطبع، حيث كانت الشرطة تنشغل باعتقال المتظاهرين المناهضين للحكومة ويحملون لافتات مشبوهة، وتكبيل سائقي الدراجات الكهربائية التي لا تحمل لوحات ترخيص. لم يولد بعد القاتل الذي يتصل بالشرطة لانقاذه قبل دقائق من تنفيذ ماربه.
مشكوك فيه ايضا اذا كان الخطيب قد رأى انه دهس احد، واصل السفر وكانه لم يحدث شيء، في حين ان الفتى كان معلق على مقدمة الحافلة. الافلام من الميدان تظهر الشباب وهم يرشقون الحافلة بالحجارة قبل عملية الدهس وهم يصرخون: عربي، عربي. لو ان السائق كان مستوطن وقاموا برشق الحجارة على سيارته في الضفة لكان استل السلاح واطلق النار وقتل الطفل الفلسطيني الذي قام برشق حجر وعاد الى البيت كبطل. حول التقديم للمحاكمة لم يكن هناك ما يمكن قوله. ولكن السائق هو عربي.
الحافلة انطلقت نحو الحشد، كما يبدو بسبب الخوف من الحشد. ما حدث بعد ذلك اثبت المعروف منذ زمن، وهو ان اسرائيل تسرع نحو الابرتهايد.
——————————————
هآرتس 8/1/2026
ضعوا منصور عباس على رأس القائمة المشتركة
بقلم: ديمتري شومسكي
رؤساء الاحزاب العربية ينقسمون فيما بينهم حول مسالة الشكل الذي يجب أن يتنافسوا فيه في الانتخابات القادمة للكنيست، كما كتب هنا رفيف دروكر. رئيس “تاعل”، احمد الطيبي، يعتقد انه يجب اعادة القائمة المشتركة، حيث ان هذه الخطوة يتوقع ان تثير الحماسة وتؤدي الى ارتفاع دراماتيكي في نسبة التصويت في الوسط العربي.
رئيس “راعم”، منصور عباس، في المقابل، يفضل خطوة مختلفة: التنافس في قائمتين مستقلتين – حداش، بلد وتاعل، في قائمة، وراعم في قائمة مستقلة. هذا الامر سيمكن راعم من الحفاظ بوضوح على هويتها السياسية كحزب وطني معتدل، الامر الذي سيزيد من احتمالية تكرار التحالف الائتلافي بينها وبين حكومة التغيير في 2020. اذا تنافست راعم في اطار القائمة المشتركة، الى جانب بلد، فان هذا الامر من شانه ان يضفي عليها صبغة متشددة اكثر، ويثني الاحزاب الصهيونية عن التعاون معها.
هل يمكن تسوية الامر والتوصل الى حل وسط بشان السياسة العربية الانية؟ هل هناك طريقة لاعادة تشكيل القائمة المشتركة وفي نفس الوقت تحويل امكانية ان تتعاون حكومة الاصلاح مع ممثلي الجمهور العربي الى امر واقعي؟. الحقيقة هي انه من ناحية نظرية فان الحل لهذه المشكلة يبدو واضح: يجب تاسيس القائمة المشتركة الجديدة على قاعدة فكرية – سياسية جديدة، بحيث تعكس توجه ايديولوجي وطني جديد، الذي يقترح منصور عباس الدفع به قدما في السياسة العربية.
في اوساط الجمهور العربي – الفلسطيني، وفي اوساط جزء من اليسار، سيكون هناك من لن يوافقوا على موقف عباس كتعبير عن توجه وطني اصيل. جدعون ليفي يعتقد ان عباس يقول اشياء يحب الاسرائيليون سماعها (“هآرتس”، 25/12). فهو يظهر حسب ليفي كأحد “العرب الجيدين”، الذين سيهتمون فقط بـ “الجريمة، المجاري وتقديم الولاء لدولة التمييز اليهودية”.
ان انتقاد من هذا النوع بعيد عن ان يكون مقنع. منصور عباس، بدرجة لا تقل عن زعماء الجمهور العربي الاخرين الذين هم شركاؤه السابقين في القائمة المشتركة، يمثل موقف وطني شجاع، وليس مستخذ. عمليا، هو يطرح بديل وطني – سياسي مرن ومركب لخط وطني متشدد وجامد، الذي يوجه منذ سنوات الخطاب السياسي للقائمة المشتركة والمتحدثين باسم الاقلية الوطنية الفلسطينية في اسرائيل.
هذا الخط، المصاغ في وثائق رؤية العرب الفلسطينيين في اسرائيل في الاعوام 2006 و2007، يميل الى التاكيد بصورة حصرية على المكون الكولونيالي للصهيونية مع تجاهل بعدها الوطني. وهكذا فانه يغلق مسبقا المجال امام أي امكانية للحوار مع الاغلبية الساحقة من اليهود الاسرائيليين الذين يؤيدون الديمقراطية والمساواة من بينهم، الذين يعتبرون الصهيونية العنصر الرئيسي في هويتهم الجماعية.
الخطاب القومي – المدني المستمد من وثائق الرؤية يطرح تباين ثنائي حاد بين “الدولة اليهودية” و”دولة جميع مواطنيها”، وطالما ان الغاء الهوية اليهودية لدولة اسرائيل هو مهمة طوباوية فانه يترتب على ذلك في الواقع ان النضال من اجل المساواة المدنية الكاملة في اسرائيل هو نضال غير واقعي. هكذا فانه بدلا من محاولة طرح نضال فلسطيني – يهودي مشترك من اجل الديمقراطية والمساواة في اطار معايير سياسية واقعية – موافقة مبدئية على “الدولة اليهودية” كحقيقة – فان معظم الاحزاب العربية اختارت حتى الان موقف لا يمكن ترجمته الى فعل واقعي ومجدي في الساحة السياسية.
منصور عباس في المقابل، مستعد لاعطاء فرصة – ربما الفرصة الاخيرة – للنضال من اجل طابع المساواة والديمقراطية في الدولة اليهودية. وخلافا لاقوال ليفي فان منصور عباس لا ينوي التسليم بـ “دولة التمييز اليهودية”، لكنه يؤمن بامكانية اصلاح تدريجي داخلي – قومي للدولة اليهودية بروحية المساواة وتقبل الآخر.
لا يوجد خلاف حول أن المفهوم الوطني الفلسطيني المدني الذي يقوم على وثائق الرؤية قد ساهم بشكل كبير في تعزيز الهوية والثقة بالنفس والتفاخر الوطني الجماعي لأقلية قومية مضطهدة. ولكن هذا المفهوم من ناحية سياسية لم يحقق الا انجازات محدودة، هذا اذا لم تكن معدومة. بل على العكس، نظرا للتوافق المبدئي بينه وبين المفهوم اليميني العنصري الذي ينفي امكانية قيام دولة يهودية مساواتية فانه لا بد من الاعتراف بان السياسة العربية الفلسطينية في اسرائيل في السنوات الاخيرة عززت، بشكل غير مباشر، موقف اليمين القومي على اشكاله.
في اللحظة التي يتضح فيها ان استراتيجية سياسية معينة لا تحقق النتائج المطلوبة فانه من الطبيعي ان يتم فحص تبني استراتيجية سياسية مختلفة. بصورة ملموسة كان من الافضل التفكير الان في الخطوات التالية. الاولى، اعادة تشكيل القائمة المشتركة بحيث يترأسها منصور عباس. الثانية، الاعلان بان القائمة المشتركة الجديدة ترفض بشدة قانون القومية وتقف علنا خلف مباديء وثيقة الاستقلال. في هذا السيناريو فان القائمة المشتركة الجديدة يمكنها احداث ثورة حقيقية في السياسة الاسرائيلية، من خلال انها ستجد نفسها في موقف ريادي للنضال من اجل تغيير صورة اسرائيل بالاتجاه المدني – الديمقراطي.
للاسف الشديد، يصعب تخيل تطبيق هذا السيناريو قبل الانتخابات القادمة. ولكن لا شك ان تغيير الاتجاه من هذا النوع في السياسة العربية – الفلسطينية في اسرائيل يجب طرحه للنقاش الجدي والعميق في اوساط الجمهور العربي.
——————————————
هآرتس 8/1/2026
كل الشرور من الحكومة
بقلم: أسرة التحرير
قضية الموت المأساوي للفتى يوسف آيزنتال في هوامش مظاهرة الحريديم ضد التجنيد تنطوي على كل مساوئ الحكومة وشرطة إسرائيل.
مثل كل المظاهرات الحريدية في الآونة الأخيرة تميزت المظاهرة يوم الثلاثاء الماضي بالإخلال بالنظام، بالعنف، بالاعتداء على صحفيين، بإحراق حاويات قمامة، إغلاق محاور وأعمال شغب. طاقم من القناة 12 تعرض للاعتداء واستدعى الشرطة، لكن أحدا لم يأتِ. طاقم من “كان 11” وصل مع حراس لكن هؤلاء تعرضوا للاعتداء بعنف شديد. نُقل اثنان منهم لتلقي العلاج، أحدهما جريح في رأسه بحجر. أخطرت الشرطة باحتواء الحدث وعدم اعتقال أحد. لغرض المقارنة: صباح أول من أمس جرت مظاهرة صغيرة احتجاجا على التحريض ضد المحكمة العليا، وسارعت شرطة القدس إلى اعتقال أربعة متظاهرين، اجتاز اثنان منهم حتى تفتيشا عاريا بخلاف القانون. في هوامش مظاهرة الحريديم هاجم عشرات الشبان الحريديم سائق الباص فخري الخطيب. بعض من المشاغبين صعدوا إلى الباص وضربوا السائق.
في شريط فيديو وثّق الحدث بدا أن الاعتداء تواصل لدقائق طويلة. في هذا الوقت اتصل الخطيب بالشرطة لكن لم يصل أي شرطي لمساعدته. حاول السائق إنقاذ نفسه بالسفر إلى الوراء لكنه لم ينجح. وعندها بدأ الشباب العد التنازلي، قبيل اعتداء مُنسَّق عليه.
مع نهاية العد سافر الخطيب إلى الأمام، علق آيزنتال تحت الدواليب وقُتل في المكان. في البيانات الأولى للشرطة اعترفت بتسلسل الأحداث وأكدت بأن الخطيب كان في ضائقة واتصل بالشرطة.
غير أنه عندها بدأ السياسيون يغرّدون. النواب الحريديون، تالي غوتليف وبيني غانتس دعوا إلى “استنفاد القانون مع السائق”. سمحا روتمن ألقى بالمسؤولية على المستشارة القانونية للحكومة، وأيتمار بن غفير أعلن بأن الشرطة تتعاطى مع الحدث بخطورة. في الصباح، عندما رُفِعَ الطلب بتمديد اعتقال السائق، كانت شرطة القدس قد فهمت ما الذي يتوقعونه منها وعزت للسائق القتل بنية مبيتة وعن قصد. قبل بضع دقائق من المداولات غيرت الشرطة المادة إلى مادة “قتل بدون نية مبيتة وعن قصد”. قاضية محكمة الصلح في القدس شارون لاري – بابلي مددت اعتقال السائق لتسعة أيام.
الحكومة تستسلم للجمهور الحريدي المرة تلو الأخرى، تسمح له ألا يتجند، ألا يتعلم المواضيع الأساسية، أن يعربد في الشوارع، يهاجم صحفيين وسائقين وألا يتحمل أي مسؤولية أو يدفع أي ثمن على هذا السلوك.
هذه السياسة تتسلل أيضا إلى الشرطة التي تختار المرة تلو الأخرى غض النظر عن العنف وتملق الوزير المسؤول (بن غفير).
إن ضحايا هذه السياسة الجبانة هما هذه المرة فتى فقد حياته وسائق حاول الدفاع عن نفسه، ويُتعامل الآن معه كما يُتعامل مع مقاتل ومخرب.
——————————————
هآرتس 8/1/2026
السايبر وتقنية التزوير العميق يهددان نزاهة الانتخابات
بقلم: عومر بن يعقوب
نوعام سولبرغ جلس في الشهر الماضي في لجنة الانتخابات التابعة للكنيست لمشاهدة نفسه في شاشة مثبتة في قاعة النقاشات.
يظهر في الفيديو نائب رئيس المحكمة العليا وهو يقف على منصة ترفرف بجانبها أعلام إسرائيل. يعلن بصوته عن حظر التجول وحالة الطوارئ التي تلزم بإغلاق صناديق الاقتراع. كان يمكن أن يثير التسجيل حالة من الذعر لو أنه لم يكن مُفبركا. فيديو مُفبرك لتقنية التزوير العميق، استُخدم فيه الذكاء الاصطناعي المتاح للجميع. وقد عُرض الفيديو، الذي أُعِدَّ لهذا النقاش، على سولبرغ من أجل توضيح مدى سهولة تشويش الانتخابات القادمة في هذه السنة.
وحسب المشاركين في الجلسة، فقد حقق هذا العرض الأثر المطلوب، وحصل القاضي (63 سنة)، الذي يشغل منصب رئيس لجنة الانتخابات، على لمحة أولية عما ينتظره الجمهور في السنة القادمة. مع ذلك، الأمر لم يقتصر على أفلام التزوير العميق فقط، فستُجرى الانتخابات القادمة في عالم يتمتع بقدرات الذكاء الاصطناعي المتقدمة والمتاحة لأي شخص يهتم، حيث تُستخدَم حسابات وهمية (أفاتارات) وصفحات تحظى بمتابعة واسعة، بعضها بتمويل مشبوه، من أجل الترويج للسياسيين، بل وأحيانا لنظريات المؤامرة، بدون شفافية أو رقابة. أيضا هناك تهديدات محتملة في الفضاء الإلكتروني، محلية ودولية، تشمل اختراق مواقع حكومية بهدف تزوير الانتخابات وتعطيل سجل الناخبين وانهيار المواقع الإلكترونية التي تقدم الخدمات للناخبين، وحتى اختراق أنظمة إدارة الحملات الانتخابية للأحزاب السياسية. إضافة إلى ذلك، قد تؤدي الهجمات التخريبية على البنى التحتية الحيوية، مثل الكهرباء، إلى تعطيل يوم الانتخابات. وخلافا لساحة التأثير المخترقة، فإن لجنة الانتخابات تستخدم كوادر متخصصة في الأمن السيبراني والنظام السيبراني الوطني من أجل حماية هذه الأنظمة.
أعضاء لجنة الانتخابات ليسوا الوحيدين الذين ينظرون بقلق إلى المستقبل القريب، بل هناك أيضا مراقب الدولة متنياهو إنجلمان، الذي حذر في الشهر الماضي في مؤتمر السايبر في تل أبيب من “تقصير كبير في استعداد إسرائيل لمواجهة تأثير دول أجنبية على الانتخابات في 2026”.
وأضاف إنجلمان، بصراحة، أنه ضمن أمور أخرى، “قد يحدث فقدان لثقة الجمهور وفوضى في يوم الانتخابات، وحتى تزوير نتائجها”. من أجل رصد وتحديد التهديدات، تحدثت “هآرتس” مع عدد من الباحثين والأعضاء السابقين والحاليين في جهاز الأمن، وممثلين عن شركات تعمل على مكافحة عملية التأثير. وقد أجمع معظمهم على أن إسرائيل غير مستعدة للتعامل مع التنوع المتزايد باستمرار للتهديدات الرقمية التي تواجهها. ففي الوقت الحالي تشمل أدواتها المتاحة قوانين كُتبت في خمسينيات القرن الماضي، ومؤسسات تخشى من التدخل فيما يحدث في الشبكات الاجتماعية، وحكومة تستثمر في قنوات اتصال بديلة، وعالم تكنولوجيا يتطور بسرعة تفوق بكثير وتيرة استعداد المنظمات والهيئات، بما في ذلك جهاز الشاباك.
ممثلو المنظمة شاركوا في نقاشات لجنة الانتخابات في الشهر الماضي، إلى جانب أعضاء الائتلاف الحكومي – عضو الكنيست أوفر كاتس (الليكود) وعضو الكنيست إيرز ملول (شاس). وقد عملا على إيجاد حل لمشكلة تسببت بالفعل بتعطيل الحملات الانتخابية في أرجاء العالم، بل وأدت إلى إلغاء نتائجها.
هذا حدث في رومانيا في 2024 بعد أن حذرت أجهزة المخابرات هناك من أن روسيا تؤثر على الرأي العام بواسطة حملات توعية في الشبكات الاجتماعية.
لم يتم طرح أي حل سحري في اللجنة، بل تمت مناقشة خطوات عملية، مثل إنشاء وحدة متخصصة في اللجنة من أجل دمج المعلومات التي تم جمعها في الشباك والشرطة والمجتمع المدني والقيادة الوطنية للأمن السيبراني، وتعيين مستشار للجنة في مجال الذكاء الاصطناعي، وتنظيم تدريبات للاستجابة السريعة مع الأجهزة الأمنية استعدادا ليوم الانتخابات، ودعوة ممثلين للمنصات مثل الميتا والتك توك للتنسيق في فترة الانتخابات، وإطلاق حملة توعية عامة لتوعية الناخبين. في هذا الأسبوع أعلنت اللجنة المركزية للانتخابات والشباك عن تشكيل طاقم متخصص للتعامل مع أخطار الذكاء الاصطناعي والتأثيرات الخارجية على الشبكات الاجتماعية.
“نحن في عصر مختلف كليّا”، قال وحذّر عضو الكنيست إيتان غينسبرغ (أزرق أبيض)، الذي دعا للنقاش في الشهر الماضي. “لا يمكن التعامل مع عالم جديد بأدوات قديمة”.
وفي نقاش أُجري في هذا الأسبوع في لجنة العلوم والتكنولوجيا في الكنيست، أوضحت أورلي عدس، المديرة العامة للجنة الانتخابات، مدى تقييد صلاحيات رئيس لجنة الانتخابات في مواجهة التكنولوجيا الحديثة، وقالت: “قضية الذكاء الاصطناعي كلها هي أمر جديد مقارنة بقانون أساليب الدعاية، القانون الصادر في 1059… هذا القانون لا ينص على حظر الكذب في الدعاية الانتخابية. رئيس لجنة الانتخابات لا يملك صلاحية تقديم طعن لمنع استخدام التقنية، وأيضا لا يملك صلاحية مناقشة حملة انتخابية تقوم بها جهة خارجية، لا تُعتبر منشورا من قِبَل حزب”.
إن المحاولات المحلية والخارجية لتعطيل أو تشويه الخطاب السياسي في إسرائيل وفي العالم غير جديدة. فقد برزت قضية التضليل الإعلامي والتأثير الأجنبي والمحلي لأول مرة في الساحة العامة خلال الانتخابات الرئاسية الأميركية في 2016، حيث ثارت الشكوك حول تورط روسيا بشكل كبير في عملية التأثير لصالح دونالد ترامب. لقد مرت 10 سنوات تقريبا منذ ذلك الحين، وفي هذه الفترة بدأ عصر الفيس بوك في الانحسار مع غياب شبه تام للحلول التنظيمية للمشكلات التي أحدثها. في نفس الوقت أصبح تطبيق التلغرام ساحة مركزية للتأثير السياسي ومصدر رئيسي للاختراق الإلكتروني.
وقد دخلت قدرة الذكاء الاصطناعي المتقدمة الآن إلى هذا المجال، وغيرت قواعد اللعب من جديد.
مع ذلك، يعتقد نير روزين، الرئيس التنفيذي لمنظمة “المراسل المزيف”، أن التهديد الرئيسي للانتخابات القادمة لا يكمن بالضرورة في التلاعب بنتائج الانتخابات أو أي نوع من الحملات الانتخابية. فحسب رأيه يوجد الآن “نظام بيئي” متكامل للتأثير البديل، الذي يتغذى، ضمن أمور أخرى، على الحكومة وتقنية الذكاء الاصطناعي.
وقد قال روزين: “هذا ليس فيديو واحدا مزيفا أو عملية واحدة، بل بيئة كاملة كانت بالفعل عرضة للتأثير المجهول، والآن أصبحت مليئة بالأدوات التي تسمح بنشر هذا التأثير بكفاءة وبتكلفة رخيصة”.
——————————————
عن موقع “واللا” 8/1/2026
دول الخليج تتحوّل قوى عظمى في الذكاء الاصطناعي: التداعيات الجيوسياسية (1من2)
بقلم: إيلان زلايت
في نهاية العام 2025، وافقت الولايات المتحدة، لأول مرة، على تصدير أحدث رقائق الذكاء الاصطناعي من شركة “إنفيديا” إلى المملكة العربية السعودية والإمارات، بكمية أولية تبلغ عشرات الآلاف من الرقائق لكل منهما. يُعدّ هذا تطورًا تكنولوجيًا واقتصاديًا تاريخيًا: ففي السنوات القادمة، تخطط الدولتان لاقتناء مئات الآلاف من هذه الرقائق لتشغيل مراكز الحوسبة والبيانات – وهو حجم لا تملكه أي دولة أخرى باستثناء الولايات المتحدة والصين – بهدف معلن يتمثل في امتلاك حصة كبيرة من قدرة العالم على إنتاج وتخزين الذكاء الاصطناعي. كما تُسرّع قطر، ثالث أغنى دولة في الخليج، من وتيرة بناء قدراتها في مجال الذكاء الاصطناعي لتتبوأ مكانة رائدة عالميًا في هذا المجال.
وقد أدركت دول الخليج الثلاث أهمية الذكاء الاصطناعي في نهاية العقد الماضي، واعتمدته ركيزة أساسية لاستراتيجياتها في التنويع الاقتصادي – “رؤيا 2030″ في السعودية وقطر، و”رؤيا 2031” في الإمارات. يستغلون “الفرصة الذهبية” الحالية لارتفاع أسعار النفط والغاز لتمويل قفزة تكنولوجية متسارعة تحسبًا للانخفاض المتوقع في الطلب العالمي عليهما. وكما قال وزير المالية السعودي، محمد الجدين، ببساطة: “بدلًا من تصدير النفط، سنصدر البيانات”.
تنظر الرياض وأبوظبي والدوحة إلى الذكاء الاصطناعي بديلا استراتيجيا طويل الأمد للنفط والغاز من عدة جوانب: فعائدات صادرات الطاقة تُمكّنهم من الحفاظ على نموذج “دولة المنفعة” – وهي دولة لا تفرض ضرائب، وتوفر الرعاية الاجتماعية والدعم، وتحافظ على قطاع عام ضخم – وفي المقابل، تتمتع بشرعية دون مشاركة سياسية من المواطنين. ويُسوّق حكام الخليج للذكاء الاصطناعي وسيلة للحفاظ على آليات الرعاية والدعم هذه من خلال توفير وظائف ذات رواتب عالية وعائدات بديلة للدولة. وعلى الصعيد الدولي، يُشبه الذكاء الاصطناعي النفط والغاز في كونه “محركًا” اقتصاديًا متعدد القطاعات يؤثر على قطاعات مختلفة (بما في ذلك التمويل والصناعة والأمن)، وبالتالي فإن السيطرة على “عائقه” ستمنح دول الخليج نفوذًا واسعًا ودائمًا على الاقتصاد العالمي.
يُضاف إلى ذلك البُعد الأمني. فعلى مدى عقود، استند الأمن القومي لدول الخليج على معادلة غير رسمية: تُؤمّن دول الخليج إمدادات طاقة مستقرة، وتُؤمّن الولايات المتحدة لها الأمن، كما تجلّى ذلك في حرب الخليج، العام 1991. إلا أنه خلال العقد الماضي، تراجع الاعتماد العالمي على نفط الخليج، وتضاءل الالتزام الأميركي تبعًا لذلك، وهو ما برز جليًا في عدم الرد على الهجوم الإيراني على منشآت نفطية في شرق السعودية، العام 2019. وقد أوضح هذا الحدث لحكام الخليج أن آبار النفط لم تعد تُمثّل رصيدًا ذا أهمية عالمية بالغة. لذا، تعمل دول الخليج الثلاث على تنمية رصيد استراتيجي جديد: إنشاء شبكة من مراكز البيانات العملاقة – البنية التحتية المادية التي تُطوّر وتُخزّن فيها نماذج لغة الذكاء الاصطناعي المُستخدمة في كل منزل (مثل ChatGPT أو Gemini) – وذلك بالشراكة مع جميع عمالقة التكنولوجيا الأميركية، بما في ذلك غوغل، وOpenAI، ومايكروسوفت، وأمازون، وxAI، وأوراكل، وسيسكو. إن المنطق وراء هذه الاستراتيجية بسيط: فكما لم يستطع الاقتصاد العالمي تحمل انقطاع إمدادات الطاقة من الخليج في الماضي فإنه في المستقبل لن يكون قادراً على تحمل انقطاع تشغيل مراكز البيانات هذه، وبالتالي ستدعم واشنطن الاحتياجات الأمنية لدول الخليج.
بالإضافة إلى ذلك، يخدم الذكاء الاصطناعي جهود حكام الخليج في صدّ الانتقادات الموجهة إليهم بشأن انتهاكات حقوق الإنسان، ومنع المطالبات بتغيير سلوكهم، كما فعلوا بنجاح كبير حتى الآن باستخدام قوة النفط والغاز. فمن خلال جعل الشركات الغربية تعتمد على البنية التحتية الحاسوبية التي يبنونها، وتطوير نماذج لغوية محلية، ستتمكن الدول الثلاث من تصفية المحتوى الحساس أو الناقد، وصقل روايتها المرغوبة، وتعزيز “قوتها الناعمة” ضمن تدفق المعلومات العالمي.
مزايا عديدة وصعوبات
تستمد دول الخليج قدرتها على أن تصبح قوى عظمى في مجال الذكاء الاصطناعي من مزيج فريد من المزايا الكامنة. وأهمها السيولة النقدية: إذ تمتلك العائلات الحاكمة الثلاث ثروة سيادية تُقدّر بنحو ثلاثة تريليونات ونصف تريليون دولار. ويُعدّ هذا رأس المال بالغ الأهمية في سباق الذكاء الاصطناعي، الذي يتسم بـ”وفورات الحجم” الهائلة، حيث لا يستطيع المنافسة بفعالية على المستوى العالمي إلا من يستطيع استيعاب تكاليف تكرار الأبحاث والبنية التحتية. ثانيًا، نظرًا لكونها منتجة ضخمة للنفط والغاز الطبيعي تتمتع دول الخليج الثلاث بوفرة في الكهرباء الرخيصة، إذ تستهلك عمليات الحوسبة في مجال الذكاء الاصطناعي كميات هائلة من الطاقة (تستهلك شريحة واحدة منها ما يعادل استهلاك منزل في الضواحي). وفي حين يتجه معظم العالم بسرعة نحو نقص في الكهرباء الكافية لتلبية الطلب المتزايد على الذكاء الاصطناعي، فإن احتياطيات الكهرباء في دولتي الخليج تتجاوز الاستهلاك المحلي.
يُضاف إلى ذلك وفرة الأراضي المتاحة في صحاري البلدين الشاسعة، إذ يتطلب تخزين البيانات والنماذج على المدى الطويل مساحات شاسعة، فضلًا عن وجود حكومات مركزية فعّالة تتمتع بمرونة تنظيمية ودون بيروقراطية أو قيود ديمقراطية أخرى. كما يُعد الموقع الجغرافي للدول، على المسار الرئيسي للألياف الضوئية تحت سطح البحر الذي يربط أوروبا وآسيا وأفريقيا، والذي يمر عبره معظم تدفقات المعلومات العالمية، مثاليًا لمراكز البيانات لأنه يسمح بأقل زمن استجابة. كل هذه المزايا مجتمعة تُمكّن دول الخليج من بناء مراكز البيانات ووحدات التخزين بسرعة أكبر وعلى نطاق أوسع من الولايات المتحدة أو أوروبا، وبتكاليف تشغيل أقل للشركات التي ستستخدمها.
مع ذلك، فإن مسيرة هذه الدول الثلاث نحو ريادة الذكاء الاصطناعي لا تخلو من التحديات. أولًا، تعاني من نقص حاد في الكفاءات البشرية اللازمة، ما يضطرها إلى استقدام خبراء من الخارج، ما يؤدي إلى تبنٍ سريع لتقنيات تفتقر إلى أساس علمي متين، ويعرض هذا القطاع لخطر التخلي عنه في أوقات الأزمات. ثانيًا، هناك اعتماد كبير على المعدات المستوردة. أخيرًا، يتطلب مناخها الصحراوي، حيث تصل درجات الحرارة صيفًا إلى حوالى خمسين درجة مئوية، تبريدًا مكثفًا لمراكز البيانات. تستهلك هذه العملية كميات متزايدة من المياه (إذ يعتمد استهلاك المياه في هذه الدول على تحلية المياه، التي بدورها تتطلب طاقة)، ما يخلق حلقة مفرغة قد تزيد من انبعاثات الكربون والاحتباس الحراري، بل وتعطل إمدادات الطاقة والمياه للسكان.
إضافةً إلى ذلك، ونظرًا لطبيعة الأنظمة الاستبدادية في دول الخليج، فإن آلياتها لحماية الخصوصية والأخلاقيات والرقابة على التطبيقات ذات الاستخدام المزدوج (العسكري والمدني) أضعف بكثير من نظيرتها في الأنظمة الديمقراطية. يبرز غياب الفصل بين أبحاث وتطوير الذكاء الاصطناعي وآليات الأمن والاستخبارات في دول الخليج بشكل خاص في الإمارات العربية المتحدة، حيث يتولى طحنون بن زايد، شقيق الرئيس ذي النفوذ، مسؤولية كلا المجالين في آن واحد. في الواقع، سبق أن انكشف استخدام الإماراتيين للتكنولوجيا تحت غطاء مدني لأغراض استخباراتية، عندما تبين أن تطبيق مراسلة إماراتياً شائعاً هو أداة تجسس حكومية. لذا، يتزايد القلق في الغرب من استخدام النماذج والبيانات في القمع الداخلي، ما قد يثني الشركات عن تخزين النماذج الحساسة و”الأوزان” (نواتج تدريب النماذج) في مراكز البيانات التي تُبنى في الخليج.
صورة الوضع
تُعدّ الإمارات، التي أنشأت وزارة حكومية متخصصة في الذكاء الاصطناعي، العام 2017، رائدةً في هذا المجال، إذ بُنيت صناعة الذكاء الاصطناعي فيها كمنظومة متكاملة في العاصمة أبوظبي، وتضم شركة G42 التقنية شبه الحكومية، ومعهد التكنولوجيا والابتكار الحكومي، وصندوق الثروة السيادي للذكاء الاصطناعي MGX. وقد أنشأت الإمارات حتى الآن 35 مركزًا للحوسبة على أراضيها، أبرزها “ستارغيت”: مركز حوسبة فائق التوسع، من المتوقع افتتاحه تدريجيًا في العام 2026، ليخدم عمالقة التكنولوجيا الأميركية بقدرة حاسوبية تصل إلى خمسة غيغاواط، وهي الأكبر خارج الولايات المتحدة. وستساهم كوريا الجنوبية في تزويد المركز بالكهرباء (الذي يعادل استهلاكه استهلاك مدينة نيويورك)، بما في ذلك من خلال مفاعلات نووية سبق أن بنتها للإمارات.
انضمت المملكة العربية السعودية إلى سباق الذكاء الاصطناعي متأخرةً قليلاً عن الإمارات، لكنها تستثمر بكثافة في هذا المجال، وقد تتفوق عليها في غضون سنوات قليلة. وقد وضعت لنفسها هدفاً طموحاً يتمثل في أن تصبح ثالث أكبر لاعب في العالم في هذا المجال بعد الولايات المتحدة والصين. تُدار صناعة الذكاء الاصطناعي السعودية مركزياً من خلال شركة “هيومن”، وهي شركة وطنية متخصصة في الذكاء الاصطناعي، وتُعد نظاماً مغلقاً تابعاً مباشرةً لولي العهد السعودي والحاكم الفعلي، الأمير محمد بن سلمان. في الواقع، تسعى الرياض إلى إعادة تطبيق نموذج شركة النفط الوطنية “أرامكو” الناجحة في “هيومن”، حيث تُسيطر “هيومن” على جميع مراحل إنتاج وتوزيع النفط السعودي، ما يسمح للسعوديين بتعزيز نفوذهم على الاقتصاد العالمي من خلال تنظيم العرض والأسعار. تُشغّل “هيومن”حالياً عشرين مركز بيانات في جميع أنحاء المملكة، وتخطط خلال العقد القادم لتوفير قدرة حاسوبية تزيد على ستة غيغاواط.
—————–انتهت النشرة—————–

