المسار :أثارت السياسة الخارجية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب موجة واسعة من الانتقادات في الأوساط الأكاديمية والدبلوماسية، حيث وصفها خبراء بأنها أقرب إلى “إمبريالية جديدة” تعيد إلى الأذهان ممارسات القوى الاستعمارية في القرن التاسع عشر، بدلًا من النهج الانعزالي الذي روّج له تحت شعار “أمريكا أولًا”.
وجاءت هذه الانتقادات على خلفية سلسلة تحركات مثيرة للجدل اتخذتها إدارة ترامب، من بينها التدخل العسكري في فنزويلا الذي أطاح بالرئيس نيكولاس مادورو، وتكرار التهديدات بالسيطرة على غرينلاند، إلى جانب مقترحات تتعلق بإدارة قطاع غزة.
وفيما دافع ترامب عن سياساته باعتبارها ضرورية لتعزيز المصالح الاقتصادية والأمنية للولايات المتحدة، رأى مراقبون أن هذه الخطوات تمثل خروجًا واضحًا عن قواعد النظام الدولي القائم، وتحمل سمات تدخلية توسعية.
غزة وإدارة دولية مثيرة للجدل
وفي فبراير/شباط 2025، أعلن ترامب نيته أن تتولى الولايات المتحدة إدارة قطاع غزة، قبل أن يتراجع لاحقًا عن الطرح المباشر، وسط إدانات أممية وصفت الفكرة بأنها تفتح الباب أمام “تطهير عرقي”. ولاحقًا، برز اقتراح آخر تمخّض عنه وقف إطلاق نار هش في أكتوبر/تشرين الأول، يقضي بإشراف ما سُمّي “مجلس السلام” على المرحلة الانتقالية في غزة، برئاسة ترامب نفسه.
ورأى خبراء أن هذا النموذج يشبه هياكل الحكم الاستعماري، حيث تدار مناطق خارجية تحت وصاية قوى كبرى. ووصف مستشار الأمم المتحدة الخاص المعني بالاستدامة، جيفري ساكس، هذه المقاربة بأنها “إمبريالية تتنكر في ثوب عملية سلام”، فيما قال خبراء أمميون إنها تعيد للأذهان ممارسات استعمارية قديمة.
فنزويلا والنفط… تدخل بالقوة
وفي مطلع يناير/كانون الثاني، أمر ترامب بتنفيذ عملية عسكرية أمريكية واسعة في فنزويلا أدت إلى اعتقال الرئيس مادورو وزوجته ونقلهما إلى الولايات المتحدة. وأعلن لاحقًا أن واشنطن ستشرف على إدارة البلاد، مع تمكين شركات النفط الأمريكية الكبرى من العمل في الدولة التي تمتلك أكبر احتياطي نفطي في العالم.
واعتبر منتقدون أن التركيز الأمريكي على النفط الفنزويلي يثير شكوكا حول دوافع التدخل، معتبرين أن تبرير العملية بذريعة مكافحة تهريب المخدرات لا يخفي الطابع الاقتصادي والسياسي للتدخل. ووصفت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان الخطوة بأنها انتهاك للقانون الدولي من شأنه أن يجعل العالم “أقل أمانًا”.
وكتب تشارلز كوبشان، الزميل البارز في مجلس العلاقات الخارجية، أن “سياسات الرئيس تنطوي عمليًا على إمبريالية جديدة لا انعزالية جديدة”، مشيرًا إلى تهديدات ترامب المتكررة لدول أخرى مثل المكسيك وكولومبيا وغرينلاند.
غرينلاند… تهديد لحلفاء الناتو
وفي سياق متصل، كرر ترامب تصريحاته بأن على الولايات المتحدة امتلاك غرينلاند، معتبرًا ذلك ضرورة استراتيجية لمنع روسيا أو الصين من التمدد في القطب الشمالي الغني بالمعادن. ورغم تأكيد الدنمارك وغرينلاند أن الإقليم “ليس للبيع”، لم يستبعد ترامب الاستيلاء عليه بالقوة، في خطوة أثارت قلقًا واسعًا داخل حلف شمال الأطلسي.
وقال مدير برنامج القانون الدولي في مركز “تشاتام هاوس”، مارك ويلر، إن انحراف واشنطن عن الإجماع الدولي “يخاطر بوضع الولايات المتحدة في موقع الدولة المارقة داخل النظام العالمي”.
وتعكس هذه المواقف، وفق خبراء، تحولا خطيرًا في السياسة الخارجية الأمريكية، من دور تقليدي قائم على التحالفات والقانون الدولي، إلى نهج توسعي يعيد تعريف النفوذ الأمريكي بلغة القوة والمصالح، ما ينذر بتداعيات عميقة على الاستقرار العالمي.

