الصحافة العبرية… الملف اليومي الصادر عن المكتب الصحافي التابع للجبهة الديمقراطية

 افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات

هآرتس 15/1/2026

حين تنتظر لجنة تكنوقراط في غزة حسماً دولياً.. وأحد المرشحين: كل شيء معلق في الهواء

بقلم: جاكي خوري

الإعلان عن تشكيل لجنة تكنوقراط لإدارة قطاع غزة يمكنه، على الأقل على الورق، أن يشير إلى بداية مرحلة جديدة ومهمة في اتفاق وقف إطلاق النار وتشجيع سكان القطاع، الذين يعانون من حضيض غير مسبوق في الوضع الإنساني والاقتصادي وفي البنى التحتية. ولكن، مثل مبادرات سابقة كثيرة، المشكلة الأساسية ليست النية المعلنة، بل الفرق الكبير بين التصريحات والقدرة على تطبيقها على الأرض.

قطاع غزة، بما في ذلك المناطق غرب الخط الأصفر حيث يتجمع معظم السكان بكثافة غير مسبوقة في غزة، هو منطقة منكوبة: أحياء بكاملها مدمرة، وشبكة الكهرباء والمياه منهارة، والمؤسسات المدنية عاجزة عن العمل، وسكان منهكون يكافحون كل يوم من أجل البقاء. لا يمكن تجاوز هذا الواقع بالاعتماد على الجهود المحلية وحدها، أو بمساعدة لجنة مدنية مهما كانت كفاءتها، بل يحتاج الأمر إلى تعبئة دولية واسعة النطاق وتعاون كامل من قبل الجهة التي تسيطر بالفعل على كل المعابر، أي إسرائيل.

إن تعيين أعضاء اللجنة الذين يعتبرون مستقلين رغم انتماء البعض منهم لحركة فتح أو مؤسسات سابقة تابعة للسلطة الفلسطينيين، حظي بمباركة كل الفصائل الفلسطينية، بما في ذلك حماس والجهاد الإسلامي ومكتب الرئيس محمود عباس والسلطة الفلسطينية. سواء كانت هذه المباركة صادقة أو قسرية، فإن هذا الاتفاق الواسع يهدف إلى إظهار التزام جماعي بنجاح العملية. ولكن هذا الالتزام في الحقيقة لا يضمن أي شيء. فالحقيقة البسيطة هي أن نجاح اللجنة وأعضاءها لا يعتمد على حماس أو السلطة الفلسطينية، وبالتأكيد ليس على الشعب الفلسطيني المنهك في غزة، المفتاح يكمن في الساحة الدولية بقيادة الولايات المتحدة والدول المانحة وقدرتها على توفير ما تحتاجه لجنة من هذا النوع بالفعل: سلة متكاملة من الأدوات وخطة عمل منظمة.

في المقام الأول، يدور الحديث عن التمويل والميزانية، التي لا تستطيع تحملها إلا الدول العظمى والغنية. فبدون الأموال لا توجد إعادة إعمار، وبدون إعادة الإعمار لا يوجد استقرار. إضافة إلى ذلك، يجب تعزيز قوة شرطة ناجعة، ربما دولية، من أجل توفير الأمن والنظام العام على أرض الواقع. مع ذلك، هذه القوة سواء كانت عربية – إسلامية أو دولية فإنها بحاجة إلى جواب على سؤال ما هي مهمتها: هل هي قوة لحفظ السلام أم قوة هدفها العمل على التصادم مع مسلحي حماس؟ إذا تقرر التصادم فهل سيتطوع أي أحد لإرسال جنود إلى غزة؟ وإذا كانت قوة شرطة وحفظ سلام فمن الذي سيضمن نزع سلاح حماس، وإلى من ستسلم حماس سلاحها؟ هذه الأسئلة ما زالت بلا إجابات.

 يضاف إلى ذلك أنه لا يمكن لأي آلية مدنية أو أمنية أو لجنة العمل بدون إرادة إسرائيلية حقيقية لإنجاح العملية. ولا يمكن التعبير عن هذه الإرادة بالتصريحات فقط، بل تشمل أيضاً إزالة الحواجز وتسريع إدخال المساعدات والموافقة على مشاريع إعادة الإعمار وفتح معبر رفح والانسحاب التدريجي من قطاع غزة، وإلا فقد تتحول كل العملية إلى مجرد احتفال دبلوماسي فارغ.

أحد الأسماء المرشحة للجنة أكد في محادثة مع “هآرتس” بأن الخطوة الحاسمة لا تكمن في تعيين اللجنة، بل في آلية عملها. وشدد على أن قطاع غزة ليس على رأس أولويات العالم أو أولويات ترامب، في ظل الأحداث التي تحدث في إيران والتطورات في فنزويلا، ما يجعل كل شيء يسير في ظل حالة من عدم اليقين. ويعتبر كل المعنيين بأن فرصة النجاح تتجلى في الجدول الزمني لإعلان مجلس السلام، ثم في عقد مؤتمر للدول المانحة لتحديد ما إذا كانت ستقدم التمويل وإلى أي مدى.

أسئلة كثيرة ما زالت معلقة في الهواء. ما لم توجد إجابات لها أو ضغط دولي فعال على إسرائيل ورغبة حقيقية من قبل الولايات المتحدة للتقدم، فلن يكون هناك أي تغيير جوهري في قطاع غزة، وستبقى غزة غارقة في وحل الشتاء وفي رمال الصيف لأشهر أخرى، وربما لسنوات.

——————————————

هآرتس 15/1/2026

لنتنياهو و”يديعوت أحرونوت” والإسرائيليين: أنتم آخر من يسمح لهم بانتقاد الآخرين على النفاق

بقلم: جدعون ليفي

كانت ردود إسرائيل مؤثرة، لم نشاهد منذ زمن طويل مثل هذا التضامن مع شعب يرزح تحت وطأة الاستبداد. وكما هي العادة، كان نتنياهو هو من يحدد نبرة الخطاب، بما يليق بمنارة العدالة التي تنير العالم. “نحن في إسرائيل نتضامن مع نضال الشعب الإيراني وتطلعاته للحرية والعدالة”، هذا ما قاله في الكنيست، وتردد صدى أقواله في أرجاء العالم. وأضاف رئيس حكومة الطبقة العليا في معسكر النور لشعوب الحرية: “هناك صراع عالمي يدور هنا بين الدول التي تتمسك بقيمة الحرية والتقدم وبين الدول العنيفة”.

في الصيف، توجه نتنياهو مباشرة إلى “الشعب الإيراني الفخور”، وعندها ذرف الدموع بشكل طبيعي وقال: “لا مياه لسكان إيران”، وهكذا عبر عن الأسف، من يوفر المياه بسخاء لرعاياه في غزة والضفة الغربية. “العيش على هذا النحو ليس عدلاً، سواء لكم أو لأولادكم” قال بحسرة، وأضاف: “لكن لدي بشرى سارة لكم، إسرائيل تحتل المكان الأول عالمياً في تحلية المياه. نحن نعرف ما يجب فعله بالضبط”.

وزير المياه، نتنياهو، قال إنه أنشأ قناة في تلغرام باللغة الفارسية لتعليم الإيرانيين كيفية إدارة المياه. “إن عطش إيران للمياه لا يضاهيه إلا تعطشها للحرية”، قال “نلسون مانديلا الإسرائيلي” بأسلوب شمعون بيرس. “وهاكم النبأ السار: بمجرد أن تتحرر بلادكم سيتوافد خبراء المياه الإسرائيليون إلى كل مدينة في إيران”. وتحدث نتنياهو عن الأنهار والبحيرات في إيران التي ستمتلئ من جديد، والسير جنباً إلى جنب على ضفافها، هذا ليس حلماً، بل سيحدث في الغد أو بعد غد. يا له من قمع، ويا لها من وحشية!”، هكذا تنهد مارتن لوثر كينغ من بلفور بألم.

“أدعوكم إلى التحلي بالشجاعة والإقدام، وأن تتجرأوا لتحقيق الحلم. خاطروا من أجل الحرية، مستقبلهم وعائلاتكم. اخرجوا إلى الشوارع وطالبوا بالعدالة. احتجوا على الطغيان. اعرفوا أنكم لستم وحدكم. إسرائيل تقف إلى جانبكم… إيران للإيرانيين، قال هرتسل إذا أردتم فهذه ليست أسطورة. وأنا أقول لكم بأن إيران حرة ليست أسطورة”.

فقط تجرأوا على توجيه انتقاد لنتنياهو كطاغية، أو توجيه انتقاد لدولة إسرائيل بوصفها دولة مستبدة ضد شعب آخر. اليوم يقول نتنياهو “إيران للإيرانيين”، وفي الغد، ستكون “فلسطين للفلسطينيين”. لا تعتقدوا أن هذه هي رؤية نتنياهو التقدمية وحده. فمعظم الإسرائيليين مصابون بالصدمة مما يرتكب بحق المتظاهرين في إيران. تخيلوا إطلاق الرصاص الحي وقتل الآلاف! يا لها من وحشية! لقد خصصت “يديعوت أحرونوت” الثورية الصفحة الأولى لكلمات كتبتها المتظاهرة الإيرانية عزيتا من إيران قبل قتلها: “نناضل من أجل الحد الأدنى من الكرامة، نناضل ضد العقاب الجماعي، نناضل من أجل مستقبلنا”. كلماتها تظهر وكأنها كتبت على يد عزيتا من غزة.

لكن لو كانت عزيتا من قطاع غزة لما نشرت “يديعوت أحرونوت” كلمة واحدة من كلماتها، ولا حتى في الصفحة الأخيرة. عزيتا “قتلت في الشارع”، كتب من لا يستخدمون الجذر ق ت ل، عندما يقتل متظاهر فلسطيني في شوارع أخرى. انظروا، هكذا يبدو مقاتلو الحرية والنضال ضد الاستبداد. هكذا يظهر المتظاهرون في إيران، وهكذا يظهر المناضلون في قطاع غزة. معظم أهدافهم متشابهة. عندما اندلعت المظاهرات قرب الجدار الفاصل في قطاع غزة، أطلقت إسرائيل النار بلا رحمة. بالضبط مثلما يفعل حرس الثورة الآن. لقد قتل الجيش الإسرائيلي أكثر من 200 متظاهر بالرصاص، وأصيب 28 ألفاً من سكان غزة، 7400 من بينهم بنار القناصة. هل أصيب نتنياهو بالصدمة؟ هل نشرت “يديعوت أحرونوت” وصية أحد المتظاهرين؟

ثمة ذروة للنفاق: نفاق فوق نفاق. كيف يظهر اليسار في العالم تعاطفه مع الفلسطينيين وليس مع الشعب الإيراني. حتى لو كان في هذا القول شيء من الحقيقة، وهو كذلك، فإن الإسرائيليين آخر من يسمح لهم بانتقاد الآخرين على النفاق.

في الماضي، كنا نغني أغنية نحلم فيها ببراغ، والآن نغني أغنية نحلم فيها بطهران، أما الأغنية التي نحلم فيها بغزة، ربما لن نغنيها أبداً.

——————————————-

هآرتس 15/1/2026

“حرب أهلية ستملأ الشوارع دماء”.. هذا ما يتربص بالإيرانيين لو سقط نظام خامنئي: البهلوي جزء من المشكلة

بقلم: تسفي برئيل

في حزيران الماضي أعلن رضا بهلوي، نجل الشاه المخلوع، بأنه “أقام منصة محمية سيسجل فيها آلاف موظفي النظام الإيراني، من بينهم ضباط في الجيش الذين هم مستعدون للعمل ضد النظام. وفي مقابلة مع “بوليتيكو” بعد شهر من ذلك، قال بأنه أصبح لديه عشرات الآلاف، والتقدير الأخير هو حوالي 50 ألف، وفي كل أسبوع ينضم آلاف أخروف، الإشارات قوية جدا”. بعد ذلك، قال إنه ينوي إقامة منصة أخرى سيسجل فيها مواطنون عاديون يرغبون بالمشاركة في الثورة المضادة التي يخطط لها.

رضا بهلوي، الذي لم ينجح حتى الآن في الحصول على لقاء مع كبار قادة البيت الأبيض، ناهيك عن الرئيس دونالد ترامب، يعتبر على الأقل في نظر نفسه أنه قادر وجدير بقيادة إيران بعد سقوط النظام الحالي. في هذا الأسبوع، حسب تقرير براك ربيد في “اكسيوس”، التقى بهلوي مع ستيف ويتكوف، وإن كان من غير المعروف ماذا قيل في هذا اللقاء، وهل حصل على دعم من قبل الإدارة لخطوته.

إن حذر الإدارة الأمريكية وتحفظاتها في محلها؛ فقبل أكثر من ثلاثة عقود، عرض شخص معارض آخر، وهو المنفي العراقي الدكتور أحمد الجلبي، خدماته على إدارة بوش الأب، وظهر الجلبي في حينه مع حقيبة عمل ضخمة وعد فيها لإسقاط نظام صدام حسين وقيادة العراق نحو الديمقراطية بعد النصر. وخلافاً لبهلوي، نجح الجلبي بالفعل في كسب ود وكالة المخابرات المركزية الأمريكية التي وافقت على تحويل نحو 100 مليون دولار له لتمويل نشاطات المؤتمر “الوطني العراقي”، وهي المنظمة الجامعة التي أسسها الجلبي في بريطانيا وشملت ممثلين عن السنة والشيعة والأكراد وغيرهم. وبعد ذلك، حصل على مخصصات مالية بمبلغ 97 مليون دولار في إطار “قانون تحرير العراق”، الذي وقع عليه الرئيس كلينتون ليصبح ساري المفعول في 1998.

تبين أن الجلبي، الذي ربما كان الشخص الأكثر تأثيراً في قرار الرئيس بوش الابن بغزو العراق في 2003، لم يكن إلا شخصاً مخادعاً. ففيما يتعلق بالمعلومات التي سربها لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية حول سلاح الدمار الشامل في العراق، ذكر تقرير صادر عن لجنة المخابرات في مجلس الشيوخ في 2006 بأن مصادر معلومات مرتبطة بـ “المؤتمر الوطني”، “حاولت التأثير على سياسة أمريكا في العراق من خلال تقديم معلومات مضللة عبر منشقين عملوا على إقناع الولايات المتحدة بأن العراق يمتلك سلاح دمار شامل”. أيضاً الدعم الشعبي الواسع الذي تفاخر به، تبدد بسرعة. صحيح أن الجلبي حصل على عضوية المجلس الحاكم المؤقت الذي شكلته الولايات المتحدة في العراق بعد سقوط صدام حسين، لكنه في أول انتخابات حرة جرت في العراق في 2005 لم يحصل إلا على تأييد 30 ألف ناخب فقط من أصل حوالي 12 مليون ناخب، وهذا لم يؤهله حتى للحصول على مقعد في البرلمان.

بهلوي لا يحمل على أكتافه عبء الخداع والتضليل الثقيل مثل الجلبي، الذي أدين غيابياً بالاختلاس من بنك البتراء في الأردن الذي كان يعمل فيه وحكم عليه بـ 22 سنة سجناً – لكن وعوده والطريقة التي يعرض فيها قدراته واحتمالية نجاحه تذكر بأسلوب الجلبي. هكذا أيضاً هي الشكوك التي يثيرها. نحن لا نعرف ما نطاق التأييد الجماهيري الفعلي لبهلوي. فهناك استطلاعات تعرض بيانات متناقضة، لكن حتى الاستطلاعات المشجعة جداً تعرض نسبة دعم 30 في المئة فقط، وهي غير كافية كي ينظر إليه كممثل متفق عليه ومقبول على أغلبية الجمهور.

المشكلة تكمن في أنه عندما يطلب ترامب من المتظاهرين في إيران السيطرة على مؤسسات الدولة، وعندما يتحول الهجوم العسكري على إيران من مسألة تحذير وتهديد إلى مسألة متى وليس هل، فهذا يضع الإدارة الأمريكية والمتظاهرين الإيرانيين في مأزق “اليوم التالي” المألوف. لقد اعتبرت الحائزة على جائزة نوبل، نرجس محمدي، رضا بهلوي “معارضة ضد المعارضة”. ولكن مع تزايد سماع اسمه بين المتظاهرين وفي ظل غياب أي شخصية أو منظمة معارضة بارزة أخرى، يتولد انطباع بأنه الشخص الذي قد تعطيه الإدارة الأمريكية ثقتها، الأمر الذي يجعله بذلك “الزعيم الأمريكي” لإيران.

لكن مشكلة المعارضة في إيران ليست فقط حول شخصية بهلوي. ومثلما تبين بعد المظاهرات التي اندلعت في 2022 عقب قتل مهسا أميني على يد “شرطة الآداب”، فإن المعارضة في المنفى لم تنجح أيضاً في توحيد صفوفها وتشكيل جسم تمثيلي يستطيع أن يجمع حوله حركات الاحتجاج داخل إيران والنشاطات السياسية خارجها. وقد نجح مؤتمر نظمه نشطاء وممثلون لتنظيمات معارضة في واشنطن في شباط 2023، في خلق ائتلاف من جهات متناقضة، لكن لفترة قصيرة فقط. في هذا المؤتمر، شارك إلى جانب بهلوي، ناشطة حقوق الإنسان ماسيا علينجاد، وهامد امسعيليان، وهو ممثل عائلات ضحايا طاقم الطائرة الأوكرانية التي أسقطت في 2020 على يد حرس الثورة، وعبد الله مهتدي، زعيم حزب “كومالا” الكردي، والحائزة على جائزة نوبل شيرين عبادي، والممثلة غولشفتا فرهاني. في هذا المؤتمر وضع الأساس لخطة عمل استراتيجية للمعارضة، ولكن بعد شهرين انسحب منه بهلوي، وهكذا تفكك الائتلاف. حسب أقوال علي رضا نادر الذي كان شريكه في الطريق وقرر الانسحاب من تنظيمه، كان السبب هو التأثير السيئ لمساعدي بهلوي الذين طلبوا من الشركاء تبني فكرة عودة الملكية كبديل وحيد للنظام الحالي.

خصومات شخصية، التي يمكن التعرف عليها من خلال أقوال قاسية قالها ممثلو المعارضة لبعضهم، ليست سوى جزء من المشكلة. في المقال الذي نشره في شباط 2023 البروفيسور عطا هودشتيان، عضو اللجنة التوجيهية في منظمة “كنديون من أجل الديمقراطية في إيران”، في موقع معهد واشنطن للسياسة في الشرق الأوسط، فقد قسم منظمات المعارضة في إيران إلى ست فئات أساسية: الذين يستندون إلى قاعدة عرقية، بما في ذلك الأكراد والبلوشستانيون والعرب والأذريون وغيرهم، ومنظمات قومية متطرفة من يؤيدون الملكية ومنظمات اليسار ومسلمين تقدميين، والتنظيم العسكري اليساري مجاهدي “خلق”. ولكن حسب قوله، هذا التقسيم لا يعبر عن جميع تيارات المعارضة. في كل فئة من هذه الفئات تعمل منظمات متخاصمة، التي لم تنجح حتى الآن في إيجاد قاسم مشترك بينها، فما بالك في التوصل إلى اتفاق على أساس قومي!

على سبيل المثال، نجد في فئة المنظمات اليسارية منظمة مجاهدي “خلق”، وحزب تودا اليساري الإيراني، و”الجمهوريون المتحدون الإيرانيون”. وثمة انقسام في صفوف الأكراد والبلوش، وبين من يعرفون أنفسهم بالقوميين أو الملكيين، الذين ما زالت فظائع حكم الشاه عالقة في أذهانهم، ولا ننسى دور منظمة مجاهدي خلق في دعم العراق في حربه مع إيران.

إن التطلع إلى إسقاط النظام هو القاسم المشترك الوحيد الذي يجمع هذه المنظمات، المنقسمة أيديولوجياً والعاجزة عن صياغة استراتيجية مشتركة لعملية إسقاط النظام ولنظام الحكم الذي سيحل محله. هذا الانقسام يظهر بوضوح مدى بعد التقسيم التبسيطي الممارس في الغرب بين “الإصلاحيين” و”المحافظين”، عن تقديم خريطة سياسية عملية يمكن الاستناد إليها في وضع خطة سياسية واقعية تضمن عدم انزلاق إيران من معركة دموية ضد النظام إلى حرب أهلية على شاكلة ما حدث في العراق بعد سقوط صدام. وهناك سؤال آخر لا يقل أهمية، وهو: هل ستوافق حركة الاحتجاج التي لا قيادة لها والتي يدفع المشاركون فيها ثمناً باهظاً من الدماء في شوارع إيران على قبول قيادة رؤساء منظمات المعارضة في المنفى، الذين يعيشون منذ عقود في لندن ونيويورك ولوس أنجلوس؟

——————————————

هآرتس 15/1/2026

حين تصبح الكهانية شقراء بطول 191 سنتيمتراً.. لمنصور عباس: غانتس يقصد ما يقول

بقلم: أسرة التحرير

عقب رئيس “الموحدة”، منصور عباس، بنبل روحي على شريط التفوق اليهودي الذي نشره أول أمس حزب أزرق – أبيض. قال عباس إنه “لم يأخذ على قلبه”، وعندما سُئل عما يفكر به عن رئيس أزرق – أبيض بيني غانتس، أجاب: “هو شاب طيب”.

غانتس ليس جديراً بهذه الكياسة. فهذا الشريط يجب أن يؤخذ على القلب لأنه يقصد القلب: يستند إلى مخاوف، يستبدل بها كراهية العرب ويعمل حسب وصفة سياسية من “مطبخ” مئير كهانا.

ما هكذا يتحدث رجل وسط إسرائيلي، ليس رجل “يمين رقيق” أو “عاقل” أو “رسمي”. هكذا يتحدث كهاني، صديق هامان، أشقر، أزرق العينين وطويل، لكنه كهاني. 191 سنتيمتراً من الكهانية.

في الشريط المعيب، تبدو عائلة في غرفة أمنية، صافرة إنذار تنطلق في الخلفية، ونشرة أخبار في تلفزيون معلق في الغرفة الأمنية تبشر بأن جلسة الكابنيت الأمني ألغيت بسبب معارضة “الموحدة”. في نهاية الشريط، تظهر الكتابة: “أمن أطفالنا يسبق كل شيء، لا يستند إلى أحزاب عربية”.

عباس لم يكن على الإطلاق عضواً في الكابنيت الأمني، والادعاء كله فرية فظة معدة للتحريض ليس فقط ضد الجمهور العربي كله، بل أيضاً ضد شريك سياسي شرعي. لقد عرض غانتس نفسه كمن يسعى إلى “وقف المتطرفين”، لكنه يتبنى لغتهم. التشبيه بين بن غفير وعباس ليس كذباً وبهتاناً فحسب، بل أيضاً استعراض علني لانعدام الاستقامة.

غانتس يعرف جيداً أن عباس كان شريكاً مسؤولاً، متوازناً وبناءً في حكومة التغيير. ومع ذلك، هو مستعد لأن يعرضه كطابور خامس. إنسان ذو رمز أخلاقي لا يحرض هكذا، حتى ولو أوصاه بعمل ذلك مغرض مدفوع الأجر.

إضافة إلى ذلك، فإن محب حمالات الجرحى، غانتس، يطلق النار بلا رحمة على خاصرة المواطنة الإسرائيلية الطرية. بلا ذرة مسؤولية، يختار تعميق سياقات تطرف المجتمع، بل وفي واقع ينزف فيه المجتمع العربي.

إن رفض إقامة حكومة تعتمد على أحزاب عربية ليس خاصاً بغانتس. ثمة أحزاب أخرى أيضاً كانت مشاركة في حكومة التغيير تبنت ذلك، بمن فيهم رئيسا حكومة التغيير. ليست هذه سخافة فقط من ناحية انتخابية، بل إخفاق مدني. التعاون اليهودي العربي ليس مناورة سياسية مؤقتة لتغيير الحكم، بل شرط أساسي للديمقراطية، وللمساواة المدنية وللحياة المشتركة. ليس هناك ولن يكون بديل لليمين المتطرف بدون العرب، ولن يكون مستقبل لدولة إسرائيل بدون شراكة حقيقية بين اليهود والعرب. من لا يرى في ذلك هدفاً فهو ليس معارضة وليس جديراً بأن يحل محل الحكومة.

——————————————

يديعوت أحرونوت 15/1/2026

قراءات إسرائيلية: من استمع لخطاب “أبو عبيدة2” أدرك أهلية حماس لحرب العصابات

بقلم: يوآف زيتون

إن صرف الانتباه إلى إيران وموجات التخويفات التي أغرقت الجمهور الإسرائيلي في الأسبوعين الأخيرين، كلها أخفت بعضاً مما يجري في قطاع غزة منذ ثلاثة أشهر وخمسة أيام: حماس تستغل كل دقيقة من وقف النار للتعاظم، في الوقت الذي يكتشف فيه الجيش الإسرائيلي وهو في الخط الأصفر مدى قربه من الإرهاب. من هذا الخط يفترض بإسرائيل أن تنسحب باتجاه الحدود كجزء من المرحلة الثانية في الاتفاق مع حماس، الذي أعلن عنه أمس بضغط قطري شديد.

شكل الأسبوع الأخير رمزاً لفترة الاختبار التي فشلت في اختبار النتيجة منذ وقف النار في أكتوبر مع انسحاب جنود الجيش الإسرائيلي والهجوم على أهداف حماس في إطار “عربات جدعون 2” التي كبحت في اللحظة الأخيرة. في الأيام الأخيرة، عثر الجيش الإسرائيلي الذي يحفر الأرض باستمرار على فضاءين تحت أرضيين على الأقل من تحت الاستحكامات في أطراف مدينة غزة، المشبوهين كنفقين ينبغي التحقيق فيهما ولاحقاً تفجيرهما. وجد المقاتلون ثلاث منصات صواريخ جاهزة للإطلاق في ثلاثة أماكن مختلفة، وانقض مخربو حماس على مقاتلي الجيش الإسرائيلي في رفح وأصابوا اثنين منهم في الاشتباك، كما أن النشطاء أطلقوا صاروخاً من مدينة غزة سقط في منطقة أحد استحكامات الجيش الإسرائيلي الذي رد بهجوم على المخربين من منظومة إنتاج الصواريخ ومضادات الدروع لدى حماس، ومخازن وورشات عمل لإنتاج السلاح في نمط عمل بمثابة “قص – لصق” لسياسة الجولات التي سبقت 7 أكتوبر. “ثمة جمود في الوضع، وهو جمود يخدم حماس، لكننا ملزمون بـ “واقع تسوية” بسبب الاتفاق مع حماس”، كما وصف ضباط الجيش استمرار الوضع والمخاطر التي ينطوي عليها. “القوات مقيدة بأوامر من فوق في عدم الهجوم إلا إذا كان عرضة لتهديد مباشر وترى نشطاء حماس من خلف المكعبات الصفراء. في حجم القوات الحالي تحت قيادة فرقتي الدفاع، سيستغرق الأمر زمناً طويلاً آخر إلى أن نستكمل العثور على أنفاق حماس في جانبنا من الخط الأصفر، وهذا حتى قبل الحديث عن قواعد الإرهاب في نصف القطاع التي تحت سيطرتها”. وأعرب ضباط آخرون عن شكهم في أن الإعلانات عن حكومة تكنوقراط المزعومة ستحل محل حماس: “في النهاية، ستنتخب جهات فلسطينية، بعضها متماثلة مع السلطة الفلسطينية وأخرى مع حماس، لكن سيعمل من تحتها عشرات آلاف موظفي حماس وإلى جانبهم عشرات آلاف نشطاء عسكريين لحماس. وستكون هذه إعلانات أو تسليماً رمزياً لنفق أو بضعة صواريخ آر.بي.جي ويمكن لحماس أن تتعايش مع هذا”.

مس جزئي بالأنفاق

وقف مقاتلونا من لواء مدرسة الرادارات في أيلول الماضي على مداخل خرائب حي الشاطئ غربي مدينة غزة. حاصرت القوات الحي وناورت من قبل فرقة 162 في بداية الحرب لاجتياحه مرة أخرى، هذه المرة في إطار “عربات جدعون 2”. ألغيت العملية كما يذكر، وانسحب الجيش إلى الخط الأصفر دون أن يمس ويكتشف المزيد من سلاح حماس الاستراتيجي: المجال التحت أرضي الذي تنتج من خلاله وسائل قتالية، تخفي مخربين وقيادات، تجمع آلاف قطع السلاح ومئات ملايين الشواكل التي تساعد في وجودها وتشغل خلايا لمخربين ضد قوات الجيش الإسرائيلي.

في الآونة الأخيرة، اشتد جدال مهني في الجيش: هل فعلاً دمرت الأنفاق التي اكتشفها الجيش الإسرائيلي في القتال الطويل في القطاع؟ وتدعي جهات مهنية في سلاح الهندسة بأن ليس كل الأساليب التي استخدمها الجيش الإسرائيلي لتدمير الأنفاق أخرجتها بالفعل عن الخدمة وإمكانية على حفرها من جديد. فقد استخدم الجيش مواد متفجرة مختلفة لأنفاق مختلفة، وفي بعض من الأماكن اكتفى بسدها، وفي قسم آخر بهدم مفترقات مركزية في التفرعات التي بين جزع النفق. أما حماس بالمقابل فاستثمرت مقدرات عديدة في تعلم واستخلاص الدروس كي تتجاوز الأضرار التي لحقت بالأنفاق، وإعادة الحفر وطمس الآثار عميقاً من تحت الأرض. وأثبتت الأشهر الأخيرة في هذا الجانب بأنه حيثما عمل الجيش الإسرائيلي على الأرض بشكل دائم، سيصعب على حماس استعادة مسارات إرهابه من تحت الأرض.

إن قتل كمية كبيرة من المخربين، بخلاف حروب الماضي مقابل جيش لم يشكل عاملاً للنصر أيضاً في الحرب التي انتهت في أكتوبر الماضي، ضد منظمة إرهاب. كل شاب في قطاع غزة هو مخرب محتمل، كما يقدر الجيش الإسرائيلي أيضاً، ولا يهم إذا كان يحمل زجاجة حارقة من إنتاج بيتي أو كلاشينكوف. والقرار الذي اتخذته حماس في بداية الحرب لانسحاب معظم المخربين من الـ 24 كتيبة، والصدام مع جنود الجيش المناورين فقط في حالات قليلة من استغلال الفرص أو إطلاق النار من بعيد، أثبت نفسه. حسب تقديرات متحفظة في الجيش، نجحت حماس في حفظ ما لا يقل عن عشرة آلاف من مخربيها المسجلين الذين كانوا لها قبل اندلاع الحرب، إضافة إلى آلاف جندتهم في الحرب. من ناحية القادة ومراكز المعلومات، يكفي النظر إلى بلاغات الناطق العسكري من الشهر الأخير لنفهم بأن لحماس فضائل بشرية لا تزال تسير على الأقدام، ما يدل على جوانب القيادة والتحكم وتعاظم القوة، مثل قائد الكتيبة في مدينة غزة الذي حاول الجيش هذا الشهر تصفيته ولم ينجح في الرد على الخرق، ومسؤول كبير في وزارة المالية لحماس الذي صفي مؤخراً بالفعل وكان مسؤولاً عن تحويل عشرات ملايين الدولارات إلى غزة في السنة الأخيرة، وعدد آخر من النشطاء الذين كانوا ينسقون المعلومات ويشغلون وسائل قتالية.

أول أمس، أثبتت حماس مدى أهليتها للعمل بصيغة حرب عصابات ضد قوات الجيش الإسرائيلي حتى لو بقيت في منطقة فصل مكثفة. قائد القوة من لواء 188 الذي صفى 6 مخربين حاولوا زرع ساحة عبوات قرب استحكام بين رفح وخانيونس وتنفيذ نار مضادة، وافق أمس على أن الواقع الهادئ المخادع في جبهته يبدو واقعاً مزعوماً، وهذه أيضاً رسالة يحاول نقلها إلى قادته: “المخربون وصلوا مسلحين مع عتاد وحقائب على الظهر، لوحظوا بين الأنقاض خلف الخط الأصفر حتى مدى بضع مئات من الأمتار جواً من استحكام الجيش. كان ردنا سريعاً وعنيفاً كي ينتهي هذا 0:6. مقاتلونا هنا لمنع الكارثة التالية ويتمكن سكان الغلاف من النوم بهدوء. لا نعرف كيف وصل المخربون إلى هناك وهل كانوا أكثر من 6. نحن نتدرب ونستعد في مهمة الدفاع هنا لسيناريوهات أكثر تعقيداً”.

——————————————

هآرتس 15/1/2026

كهنة الأسرار الخفية: نحن أعلى من البشر.. وإلهنا يأمرنا بقتل الأطفال ليزداد حبه لنا

بقلم: يوسي كلاين

انظروا إلى الإخلاص في عيون فتى حريدي يرمي حجراً على شرطي، وإلى الخوف المقدس الذي يشعل فيه مستوطن النار في سيارة فلسطيني. كل ذلك في سبيل الله. لا تعتقدوا للحظة أن هذا مكسب شخصي. الفلسطينيون يحرقون فقط في سبيل إله قوات إسرائيل. ومن أجله فقط يقوم الحريدي بقتل سائق عربي. “التاريخ اختارنا لنكون رأس الحربة في القتال ضد العدو الذي يهين ويسيء ويشتم إله قوات إسرائيل”، هذا ما قاله العقيد عوفر فنتر لجنوده في جفعاتي.

عنف في “المناطق” [الضفة الغربية]؟ ما الذي تشتكون منه؟ عودوا إلى سفر يهوشع، كل شيء مكتوب هناك. كل شيء يتم بسلطة. إذاً سفر يهوشع هو القانون، وليس المحكمة. مصدر القانون هو إلهي. لا تجادل الله. المفسرون هم الحاخامات والسياسيون. الديمقراطية يمكنها أيضاً استيعابهم، شريطة الالتزام بقواعدها.

لكن ماذا يحدث عندما لا يلتزمون؟ هم ينفذون مذابح ضد العرب وسط احتجاجات ضعيفة من الصهاينة المتدينين. العنف حسب المؤرخ اوريئيل طال، لا يعتبر خللاً أخلاقياً بالنسبة لهم، بل ضرورة مقدسة عندما يخدم هدفاً دينياً ووطنياً. ماذا يحدث للعنف الديني عندما يتصادم مع العنف العسكري؟ كتب البروفيسور طال بأنه يتحرر من أي قيد بشري، قانوني وأخلاقي. “يصبح الخلاص التاريخي عندها أيديولوجيا القوة”. شئنا أم أبينا، نحن شركاء في أيديولوجيا القوة، التي اتخذت بعد من القداسة. فالله سيحبنا دائماً حتى عندما نقتل الأطفال. وقد كتب الحاخام إسرائيل هاس: “سيأتي اليوم الذي سيطلب منا فيه تنفيذ أمر الحرب هذا، وهو تدمير العماليق”. وأضاف طال: “إنه أمر إبادة جماعية”. ويستشهد البروفيسور طال بمصادر في “الصهيونية الدينية” تفيد بأن “بني إسرائيل أمروا أن يكونوا قديسين، لا أخلاقيين أو إنسانيين، وفقاً للمعايير المتعارف عليها. فتعاليم الأخلاق التي تقبلها البشرية من حيث المبدأ على الأقل، لا تلزم اليهودي لأنه اختير ليكون أعلى منهم”.

دين الإبادة الجماعية أنبت بصورة طبيعية دين الأمن. ليس كوسيلة بل كغاية. إنه دين لا يعرف أسراره الخفية إلا كبار كهنته – الجنرالات المتقاعدون والمحللون العسكريون الحاليون. أسرار مخفية وراء “الاعتبارات الأمنية”. نحن، كل الناس، لن نتمكن أبدا من فهم هذه الاعتبارات، لذلك نحن نبلعها ونستوعبها ولكن مع ذلك لا نفهمها. لن يشرح لنا المراسلون، لأنهم لا يعملون لصالحنا. لن يشرحوا لنا متى يكون العنف ضرورياً ومتى يكون استفزازاً سياسياً. نحن نشخص الآن الاستفزاز السياسي، لكننا ننساه بسرعة. لم تمر إلا أربعة أشهر على تجربة الصواريخ على قطر وتفجير المفاوضات حول الرهائن هناك – ها نحن نسينا الأمر. لم يمر إلا شهر واحد على توضيح فيلدشتاين بأن المراسلين يخدمون مصادرهم وليس مصالحنا –نسينا هذا أيضاً. ننسى أن كل تقرير عن إيران يبدو ظاهرياً بأنه موضوعي، لكنه دائماً يشتبه في تحيزه أو تضليله أو تلاعبه. لأن الكذب مسموح في دين الأمن.

عدوانية إيران نقبلها كظاهرة طبيعية. كعاصمة صيف وأمطار شتاء، لا نعرف ولا نسأل. ننسى أن إيران ليست الوحيدة التي تمتلك قدرة نووية وقادة متدينين ومتطرفين. نحن نثق بنير دبوري. ففي نهاية المطاف، تأتي المعلومات عن إيران مثل المعلومات عن غزة من مصادر مشكوك فيها، أي الحكومة والجيش. لا يخطر ببالنا حتى احتمال تحيز التقرير.

تربينا على الاعتقاد بأن القوة والحرب والعنف وحدها الكفيلة بإنقاذنا. القوة حلت مكان العقل. اليهودي الذي نجا من سنوات الشتات بالحكمة والحنكة، أصبح غبياً قاسي القلب، يحمل فأساً في يده ويبحث عن أحد ليتشاجر معه. تعلمنا التعايش مع هذا الشخص مثلما تتعايش العائلة مع ابن عنيف قرر التوبة فجأة. من غير المفرح أن تكون جزءاً من هذه العائلة. ومن غير المفرح أن تكون مواطن في دولة يمثل يانون مغين ومردخاي دافيد وبن غفير وجهها الجديد. كنا نرغب في أن نكون مواطنين في دولة تحب السلام ومجبرة على استخدام القوة فقط من أجل العيش بسلام. ولكننا لسنا كذلك. من يشتاق إلى الحروب المقدسة فليذهب إلى أنقاض المباني في مفترق طرق اللنبي – بن يهودا في تل أبيب، وليشاهد الثمن الباهظ الذي تفرضه هذه الحروب.

——————————————

إسرائيل اليوم 15/1/2026

إسرائيل لم تكن يوماً دولة ديمقراطية ليبرالية

بقلم: تال ألوفيتش

نشر البروفيسور أهارون باراك رسالة للمتظاهرين، مساء السبت الماضي، خلال التظاهرة الأسبوعية التي نُظّمت في إطار الاحتجاجات من أجل الديمقراطية، ضمن خطاب مطوّل قدّم تشخيصاً للثورة النظامية، ولقوة الجمهور، غير أن ما تصدّر العناوين كان سبع كلمات منه. سأل باراك وأجاب أن إسرائيل لم تعُد ديمقراطية ليبرالية، لكن متى كنّا كذلك حقاً؟

صُدم كثيرون عندما أعلن معهد الأبحاث Varieties of Democracies (V-Dem) خفض تصنيف إسرائيل من ديمقراطية ليبرالية إلى ديمقراطية انتخابية عرضة للخطر، في آذار 2023، لكن هذا التصنيف لم يفاجئ مَن يتأمل عن كثب. إن تآكل الديمقراطية الإسرائيلية هو مسار متواصل، بلغ ذروته فقط في الهجوم الأخير على الجهاز القضائي. وفي الواقع، إن توصيف “ديمقراطية ليبرالية” لم يعكس يوماً الواقع المركّب في إسرائيل بأمانة. ويكمن جذر المشكلة في الفجوة بين الصورة الذاتية التي غذّيناها على مدى أعوام، وبين التجاهل المزمن لتحدياتٍ جوهرية تمسّ بالطابع الديمقراطي للدولة، والتي يتم إخفاؤها بخطاب الوحدة.

تتباهى إسرائيل بسِماتٍ ديمقراطية، مثل إجراء الانتخابات والاقتصاد المزدهر وأعضاء الكنيست العرب، وحتى الحقوق المتقدمة للمثليين. تخصصت “أمة الستارت – أب” في بيع كذبة الديمقراطية الليبرالية الإسرائيلية؛ إنهم أبطال في تسويق الصورة، لكن تحت السطح تغرق البنية القيَمية التي يُفترض أن تقوم عليها الديمقراطية الليبرالية.

عملياً، لم تنجح إسرائيل قط في مواجهة غياب دستور مكتوب بشكل جدي، يحمي حقوق الإنسان والمواطن، وامتنعت عن الحسم بشأن حدودها بشكل صارخ، وفيما يتعلق بطبيعة نظامها، وبمصير الفلسطينيين الخاضعين لسيطرة عسكرية مطولة. وهكذا، على سبيل المثال، نشأ وضع عبثي يجنَّد فيه أبناء الثامنة عشرة بصورة اعتيادية لمهمات السيطرة على سكان مدنيين، وما زالوا يعتقدون أنهم يعيشون في ديمقراطية سليمة. يمرّ شبان إسرائيليون في مناطق الضفة الغربية بتجارب تؤدي إلى مشكلة في الوعي، وتتعلق بالسيطرة العسكرية على سكان مدنيين، ويعتادون التفكير بمنطق “نحن وهم”. وتعود هذه التصورات لتتسرّب إلى الخطاب الإسرائيلي، وتؤثر في طريقة تصوُّرنا لقضايا حقوق الأقليات وحرية التعبير وفصل السلطات والخلافات السياسية.

فالفصل الزائف بين إسرائيل “المدنية” وإسرائيل “العسكرية” أتاح تجاهُل خطورة الوضع، إذ فضّل كثيرون إزاحة عدم حلّ القضية الفلسطينية إلى خارج الوعي، استناداً إلى قاعدة أن “ما يجري خلف الخط الأخضر يبقى هناك”. لكن مشكلة الديمقراطية الإسرائيلية لا تنتهي في أراضي الضفة الغربية. هل تعرفون ديمقراطية ليبرالية تُملي فيها الديانة سلوك الحيز العام؟ ديمقراطية ليبرالية، تمنعكم من الزواج الذي يتخطى المسارات الدينية؟ هل حرية التعبير لدينا، نحن كمواطنين، مقنّنة في أيّ قانون؟ وماذا عن حرية الصحافة؟

الإجابة عن هذا كله هي: لا، والطريق إلى تحويل إسرائيل إلى ديمقراطية ليبرالية ليست سهلة، وليست طريقاً نحتاج فقط إلى العودة إليها، حسبما يمكن أن يُفهم من بين سطور كلام البروفيسور باراك. ليس صحيحاً أنه حتى 4 كانون الثاني 2023، عشية خطاب ليفين، كنا ديمقراطية ليبرالية. لقد كنا ديمقراطية معطوبة، وعلينا أن نعترف بذلك.

إن رحلة إسرائيل نحو الديمقراطية الليبرالية تتطلب تغييرات من الأساس. نحتاج إلى دستور (أو إطار قوانين) مستنير يحمي حقوق الفرد، وإلى إيجاد حلّ للصراع الإسرائيلي – الفلسطيني، وإلى جهد صادق لتقليص الفجوات والتمييز.

ومع ذلك، على الرغم من الصعوبات فإن ثمة بصيص أمل. فالمجتمع المدني الإسرائيلي يُظهر التزاماً عميقاً إزاء فكرة الديمقراطية الليبرالية واستعداداً للإصلاح، وهذا دليل على أن الجمهور لم يفقد إنسانيته. إن كنا نبتغي الإصلاح فعلينا أن نستوعب أن الطريق إلى الديمقراطية الليبرالية تمرّ بدولة يكون فيها جميع المواطنين متساوين، وليس ديمقراطية ليبرالية لليهود وحدهم. ولا ديمقراطية تفقد صلتها بعد 15 كيلومتراً، شرق كابلان. وحده الالتزام العميق بالقيم الديمقراطية، والعمل المتّسق على ترجمتها إلى واقع عملي، داخل الخط الأخضر وخارجه، يمكن أن يضمن مستقبل إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية.

—————–انتهت النشرة—————–

Share This Article