المسار: كانت ردود إسرائيل مؤثرة، لم نشاهد منذ زمن طويل مثل هذا التضامن مع شعب يرزح تحت وطأة الاستبداد. وكما هي العادة، كان نتنياهو هو من يحدد نبرة الخطاب، بما يليق بمنارة العدالة التي تنير العالم. “نحن في إسرائيل نتضامن مع نضال الشعب الإيراني وتطلعاته للحرية والعدالة”، هذا ما قاله في الكنيست، وتردد صدى أقواله في أرجاء العالم. وأضاف رئيس حكومة الطبقة العليا في معسكر النور لشعوب الحرية: “هناك صراع عالمي يدور هنا بين الدول التي تتمسك بقيمة الحرية والتقدم وبين الدول العنيفة”.
في الصيف، توجه نتنياهو مباشرة إلى “الشعب الإيراني الفخور”، وعندها ذرف الدموع بشكل طبيعي وقال: “لا مياه لسكان إيران”، وهكذا عبر عن الأسف، من يوفر المياه بسخاء لرعاياه في غزة والضفة الغربية. “العيش على هذا النحو ليس عدلاً، سواء لكم أو لأولادكم” قال بحسرة، وأضاف: “لكن لدي بشرى سارة لكم، إسرائيل تحتل المكان الأول عالمياً في تحلية المياه. نحن نعرف ما يجب فعله بالضبط”.
وزير المياه، نتنياهو، قال إنه أنشأ قناة في تلغرام باللغة الفارسية لتعليم الإيرانيين كيفية إدارة المياه. “إن عطش إيران للمياه لا يضاهيه إلا تعطشها للحرية”، قال “نلسون مانديلا الإسرائيلي” بأسلوب شمعون بيرس. “وهاكم النبأ السار: بمجرد أن تتحرر بلادكم سيتوافد خبراء المياه الإسرائيليون إلى كل مدينة في إيران”. وتحدث نتنياهو عن الأنهار والبحيرات في إيران التي ستمتلئ من جديد، والسير جنباً إلى جنب على ضفافها، هذا ليس حلماً، بل سيحدث في الغد أو بعد غد. يا له من قمع، ويا لها من وحشية!”، هكذا تنهد مارتن لوثر كينغ من بلفور بألم.
“أدعوكم إلى التحلي بالشجاعة والإقدام، وأن تتجرأوا لتحقيق الحلم. خاطروا من أجل الحرية، مستقبلهم وعائلاتكم. اخرجوا إلى الشوارع وطالبوا بالعدالة. احتجوا على الطغيان. اعرفوا أنكم لستم وحدكم. إسرائيل تقف إلى جانبكم… إيران للإيرانيين، قال هرتسل إذا أردتم فهذه ليست أسطورة. وأنا أقول لكم بأن إيران حرة ليست أسطورة”.
فقط تجرأوا على توجيه انتقاد لنتنياهو كطاغية، أو توجيه انتقاد لدولة إسرائيل بوصفها دولة مستبدة ضد شعب آخر. اليوم يقول نتنياهو “إيران للإيرانيين”، وفي الغد، ستكون “فلسطين للفلسطينيين”. لا تعتقدوا أن هذه هي رؤية نتنياهو التقدمية وحده. فمعظم الإسرائيليين مصابون بالصدمة مما يرتكب بحق المتظاهرين في إيران. تخيلوا إطلاق الرصاص الحي وقتل الآلاف! يا لها من وحشية! لقد خصصت “يديعوت أحرونوت” الثورية الصفحة الأولى لكلمات كتبتها المتظاهرة الإيرانية عزيتا من إيران قبل قتلها: “نناضل من أجل الحد الأدنى من الكرامة، نناضل ضد العقاب الجماعي، نناضل من أجل مستقبلنا”. كلماتها تظهر وكأنها كتبت على يد عزيتا من غزة.
لكن لو كانت عزيتا من قطاع غزة لما نشرت “يديعوت أحرونوت” كلمة واحدة من كلماتها، ولا حتى في الصفحة الأخيرة. عزيتا “قتلت في الشارع”، كتب من لا يستخدمون الجذر ق ت ل، عندما يقتل متظاهر فلسطيني في شوارع أخرى. انظروا، هكذا يبدو مقاتلو الحرية والنضال ضد الاستبداد. هكذا يظهر المتظاهرون في إيران، وهكذا يظهر المناضلون في قطاع غزة. معظم أهدافهم متشابهة. عندما اندلعت المظاهرات قرب الجدار الفاصل في قطاع غزة، أطلقت إسرائيل النار بلا رحمة. بالضبط مثلما يفعل حرس الثورة الآن. لقد قتل الجيش الإسرائيلي أكثر من 200 متظاهر بالرصاص، وأصيب 28 ألفاً من سكان غزة، 7400 من بينهم بنار القناصة. هل أصيب نتنياهو بالصدمة؟ هل نشرت “يديعوت أحرونوت” وصية أحد المتظاهرين؟
ثمة ذروة للنفاق: نفاق فوق نفاق. كيف يظهر اليسار في العالم تعاطفه مع الفلسطينيين وليس مع الشعب الإيراني. حتى لو كان في هذا القول شيء من الحقيقة، وهو كذلك، فإن الإسرائيليين آخر من يسمح لهم بانتقاد الآخرين على النفاق.
في الماضي، كنا نغني أغنية نحلم فيها ببراغ، والآن نغني أغنية نحلم فيها بطهران، أما الأغنية التي نحلم فيها بغزة، ربما لن نغنيها أبداً.

