«العلاقة الخاصة» بين كندا والولايات المتحدة تصل إلى نقطة تحول تاريخية

المسار : وصلت “العلاقة الخاصة” الممتدة لعقود بين الولايات المتحدة وكندا إلى نقطة تحول تاريخية وخطيرة، تحوّلت الى حرب اقتصادية واحتمالية انحدارها لتصل الى تصعيد عسكري بينهما.

فبعد أسبوع من تصاعد حدة الخطاب بين رئيس الوزراء الكندي مارك كارني والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي بدأ في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، الأسبوع الماضي، وبلغ ذروته بتهديد أمريكي مباشر من البيت الأبيض بشن حرب اقتصادية على كندا، دخل البلدان الجاران حاليا في حالة صراع دبلوماسي واقتصادي غير مسبوق.

اندلعت شرارة الأزمة الراهنة بين واشنطن وأوتاوا في 20 يناير/كانون الثاني الجاري، عندما ألقى رئيس الوزراء الكندي مارك كارني خطابًا ناريا ضد السياسات الأمريكية في عهد دونالد ترامب، لاقى استحسانًا واسعًا من قبل قادة العالم الحضور في منتدى دافوس الاقتصادي وحظي خطاب كارني، الذي تولى رئاسة الحكومة الكندية عن الحزب الليبرالي في آذار/مارس 2025، بتصفيق حارّ لما وصفه كثيرون بأنه “توبيخ” لسياسات الهيمنة التي تنتهجها الإدارة الأمريكية الحالية.

وبلغة تحدي وصراحة غير معهودة، أعلن كارني في خطابه أن “النظام الدولي القائم على القواعد” وعصر الهيمنة الأمريكية قد “انتهى”. وحثّ “القوى المتوسطة” على التكاتف لمقاومة الإكراه الاقتصادي من “القوى الكبرى” – في إشارة مبطنة إلى الولايات المتحدة في عهد الرئيس دونالد ترامب. كما أكد كارني مجدداً دعم كندا الثابت للدنمارك وغرينلاند، متحدياً بشكل مباشر تهديدات ترامب المتجددة “بالاستيلاء” على إقليم غرينلاند الدنمركي، ذي الحكم الذاتي بالقوة العسكرية.

وجاء رد واشنطن سريعاً ولاذعاً، حيث انتقد الرئيس الأمريكي ترامب، بكلمته في دافوس في اليوم التالي، تصريحات كارني، متندرا بأن “كندا تعيش بفضل الولايات المتحدة”. وعقب ذلك قام ترامب لاحقًا بسحب دعوة كان قد وجهها لكندا للانضمام إلى “مجلس السلام” الذي شكّله حديثًا، وبدأ سلسلة من الهجمات اللاذعة على رئيس الوزراء الكندي عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

وبلغ الصراع بين الجانبين ذروته السبت 24 كانون الثاني/ يناير الجاري، عندما هدد ترامب بفرض تعريفة جمركية بنسبة 100٪ على جميع البضائع الكندية الواردة الى الولايات المتحدة وهي السوق الرئيسة لنحو 75 في المائة من المنتجات الكندية. وكان الدافع وراء هذا التهديد الأمريكي هو “الشراكة الاستراتيجية” الأخيرة التي أبرمها كارني منتصف الشهر الجاري بين كندا والصين، والتي تتضمن تخفيضًا كبيرًا في التعريفات الجمركية للسلع التجارية المتبادلة بينهما، وفي مقدمة ذلك زيت الكانولا الكندي الى الصين والسيارات الكهربائية الصينية الى كندا. واتهم ترامب كارني بمحاولة تحويل كندا إلى “منفذ لتفريغ” المنتجات الصينية الى بلاده للالتفاف على الحواجز التجارية الأمريكية.

ويشكل التهديد الأمريكي بفرض تعريفات جمركية بنسبة 100 في المائة على المنتجات الكندية، أزمة وجودية للاقتصاد الكندي، نظرا لأن أكثر من 75 في المائة من الصادرات الكندية تتجه نحو الولايات المتحدة، وإن مثل هذه الخطوة “العقابية” ستؤدي فعليًا إلى عملية فصل بين اقتصاد البلدين الجارين في الشمال الأمريكي.

وقد سعى وزير التجارة الكندي، دومينيك لوبلان، الى بذل جهوده لمحاولة تهدئة التوتر، بين أوتاوا وواشنطن، موضحًا أن كندا لا تسعى إلى إبرام اتفاقية تجارة حرة شاملة مع بكين، بل إلى حل نزاعات تجارية محددة. ورغم ذلك، أكدت الحكومة الكندية على ضرورة تنويع كندا لشراكاتها التجارية الدولية لمواجهة حالة عدم اليقين مع الولايات المتحدة التي سادت في عهد الرئيس ترامب. وتُعدّ الاتفاقية الكندية مع الصين، التي بموجبها انخفضت الرسوم الجمركية على زيت الكانولا الكندي من 85٪ إلى 15٪، حجر الزاوية في هذه الاستراتيجية “البراغماتية” الجديدة.

وعلى ضوء هذا الصراع التجاري الأمريكي الكندي الحاد وتجديد ترامب تلويحه بضم كند الى الولايات المتحدة، برزت احتمالية مثيرة للصدمة في الأوساط السياسية الكندية وهي احتمالية وصول الوضع الى “النزاع العسكري” غير المتكافئ بين البلدين الجارين، واتخذ هذا الأمر كموضوع نقاش جاد في أوتاوا. فقد أجبرت “أزمة” غرينلاند مسؤولي الدفاع الكنديين على “التفكير في أمر غير متوقع” من ترامب تجاه كندا.

ويرى محللون سياسيون كنديون أنه في حال أقدمت الولايات المتحدة على غزو غرينلاند، ستكون كندا ملزمة، بموجب المعاهدات، بدعم حليفتها في الناتو، الدنمارك، مما قد يضع القوات الكندية والأمريكية في مواجهة مباشرة للمرة الأولى منذ حرب 1812 بينهما.

وقال مسؤول حكومي كندي لـ”القدس العربي”، مفضلاً عدم الكشف عن هويته: “عندما يهدد رئيس الولايات المتحدة بغزو حليف في الناتو، فقد حان الوقت لإعادة تقييم جوهرية لأمننا القومي الكندي”، في إشارة إلى تهديدات ترامب للاستيلاء على غرينلاند بالقوة.

وأوضح أن الوضع الثنائي لا يزال متوتراً حتى اليوم، فبينما تراجع ترامب عن استخدام القوة الفورية في غرينلاند، لا يزال التهديد بفرض تعريفات جمركية بنسبة 100 ٪ على كندا قائماً. واشار الى أن كارني قد وضع نهجه “المبدئي والبراغماتي” لمجابهة السياسة الأمريكية وهو ما وضع كندا في مسار تصادمي مع “استراتيجية نصف الكرة الأرضية” التي تنظر إلى القارة بأكملها كمنطقة نفوذ أمريكية.

وأكد أنه قد لا تصمد “العلاقة الخاصة” بين كندا والولايات المتحدة حتى نهاية العام الجاري، حيث تتطلع كندا نحو علاقات تجارية عميقة مع الصين وغيرها من القوى المتوسطة لتأمين مستقبلها في عالم أصبح فيه أقرب أصدقائها خصمها الأشد خطورة، في إشارة الى الولايات المتحدة.

Share This Article