بقلم: آفي دبوش
محمد طه معمّر، وفهيم طه معمّر، وأمير شنران، وثائر فاروق حمايل، وفارع جودت حمايل، ومحمد حسن مرار؛ هؤلاء ستة أشخاص قُتلوا على ما يبدو بنيران مستوطنين في الضفة الغربية خلال الأسبوع الماضي.
إنه رقم قياسي سلبي جديد ضمن سلسلة مستمرة من الانهيار وهاوية من الإرهاب اليهودي الذي نعيشه خلال العام الأخير.
أحياناً تكشف التفاصيل العادية روتيناً من الشر والإرهاب أكثر من أي شيء آخر. آخر مرة وصلتُ فيها إلى خربة الفخيت الصغيرة في منطقة مسافر يطا كانت قبل نحو شهر، وقد جاء ذلك بعد أن تعرضت المنطقة لهجوم من عشرات اليهود الذين سرقوا مئات الأغنام واعتدوا بالضرب على الرعاة البدو ليلاً.
كل هذا حدث، بحسب الشهادات والتوثيق، بينما كان الجنود والشرطة الإسرائيليون موجودين في المكان ويتغاضون عما يحدث، وربما أسوأ من ذلك.
في الفخيت، أُصيبَ أحد السكان المحليين بجروح خطِرة بعد ضربه بالعصي والحجارة، وبقي في المستشفى عدة أيام.
وصلنا إلى هناك مع طرود غذائية وكلمات تضامن، وكان الشباب اليهود الذين رأيناهم في الوادي مع قطيعهم في طريقنا إلى القرية قد دخلوها فعلاً، وأحدهم قاد قطيعه إلى داخل حظيرة أغنام سكان الفخيت، وكانت الأغنام تأكل علف الفلسطينيين، بينما كان الشاب داخل الحظيرة يضايق أغنامهم.
عندما سألنا السكان إن كانوا يريدون أن نتصل بالشرطة، رفضوا، وقالوا إنه إذا جاءت الشرطة ثم غادرنا فسيتعرضون لاحقاً لانتقام أشد، لذلك فضّلوا خفض رؤوسهم والصمت.
تذكرت التعليم الديني الذي تلقيته، والشعارات التي تقول: “لتكن كرامة صديقك عزيزة عليك ككرامتك”، لكن في الضفة الغربية، يبدو أن القانون السائد هو الإهانة والمضايقة اليومية.
تمثل هذه القصة الجانب الأقل إيلاماً من سلسلة الإهانات والإرهاب اليومي.
ومع ذلك، فقد كسرت قلبي، كما الحالات التي أطلق فيها مستوطنون مسلحون النار علينا، أو عندما رَشَقَنَا شبان بالحجارة، أو عندما وصلنا لزيارة مجتمعات تعيش في حالة هلع بعد اعتداءات عنيفة تضمنت حرقاً وضرباً وإطلاق نار.
كشف الأسبوع الماضي الأبعاد المرعبة التي وصل إليها الإرهاب اليهودي؛ ففي قرية قصرة قرب نابلس، تعرض ناشطان كانا يشاركان في وجود وقائي لحماية السكان لهجوم، أحدهما يعمل في المنظمة التي أرأسها؛ “صوت الحاخامين لحقوق الإنسان”، وتم ضربهما بوحشية بالعصي، ونجوا بصعوبة، وسيحتاجان إلى أشهر من العلاج للتعافي من الكسور والإصابات.
لكن ذلك كان مجرد البداية، فخلال الأسبوع قُتل ستة فلسطينيين في ثلاثة حوادث متعددة، ويُعتقد أنهم قُتلوا بنيران مستوطنين، وفي حالتين على الأقل يُشتبه بأن الفاعلين ينتمون إلى فرق الحراسة في المستوطنات التي تستخدم أسلحة ومعدات للجيش الإسرائيلي وتتحرك أحياناً بالزي العسكري.
إن ما يحدث ليس أعمالاً فردية معزولة، ولا مجرد أشخاص أخذوا القانون بأيديهم، فالحكومة الحالية تبني مشروعاً واسعاً لنهب الأراضي عبر دعم مئات المزارع والبؤر الاستيطانية غير القانونية.
ومن زار الضفة قبل 7 تشرين الأول ثم عاد الآن سيرى بسهولة كم تغير الواقع: بؤر استيطانية على كل تلة، ومزارع تستولي على مئات الآلاف من الدونمات، ودفْع الفلسطينيين خارج “المناطق”. كان المشروع يركز سابقاً على المناطق “ج”، لكنه بدأ الآن يمتد إلى المناطق “ب” أيضاً.
الأمور واضحة للعيان، من السهل متابعة حسابات بتسلئيل سموتريتش على شبكات التواصل الاجتماعي، وهو الوزير المسؤول عن شؤون الضفة الغربية، إلى جانب كونه وزير المالية الذي فشل في معالجة غلاء المعيشة والاستثمار في البنية التحتية العامة، أو متابعة حسابات وزيرة الاستيطان أوريت ستروك، فهم يعلنون مراراً وتكراراً أنهم يقتلون فكرة الدولة الفلسطينية ويدفعون في اتجاه دفع الفلسطينيين إلى المناطق الحضرية الكبرى.
أمّا المرحلة التالية، وفقاً لما يُسمى خطة الضمّ، والطرد، واختبارات الولاء، فهي القتل والتدمير، سواء بالتشجيع أو بالصمت، وهما جزء من الأمر.
هذا الأسبوع، ساهمت المقابلة مع أحد قادة خطة نزع الملكية، إليشاع يَرَد، في كشف جزء من الصورة؛ إذ روى بفخر غير خفي ما نعرفه ونراه على الأرض في السنوات الأخيرة، في ظل التجاهل والاستخفاف من جانب السلطات، وحتى من جانب رئيس الوزراء، وأوضح أن الأمر لا يتعلق بمجموعة صغيرة، بل بآلاف كثيرة مدعومة من المستوطنات ورؤساء المجالس المحلية، وأن المزارع والبؤر الاستيطانية تحصل على التمويل والمعدّات، بما في ذلك الأسلحة، مباشرة من مكاتب الحكومة والجيش، كما شرح كيف أن “الاحتكاك” الذي نراه يومياً هو احتكاك متعمد هدفه إنشاء مبرر لإطلاق النار وقتل الفلسطينيين، وقد سمّى الإرهاب اليهودي القاتل “دفاعاً ذاتياً وقائياً”، وكرر ما نراه ونسمعه: تعريف كل عربي بأنه “عدو” والتعامل معه وفقاً لذلك. أمَّا نحن الذين نقف في الطريق، فننال جزءاً من هذا العنف لأننا اخترنا – في نظرهم – الجانب الخطأ.
لفترة طويلة يسود إحباط كبير بين آلاف الإسرائيليات والإسرائيليين الذين يرون الواقع ويحاولون الوقوف في وجه هذا الشر والإرهاب، لكنهم ينجحون في ذلك جزئياً فقط. في السنة الأخيرة، غادرت عدة تجمعات من الرعاة المناطق التي عاشوا فيها لأعوام طويلة، ومع ذلك، وكما قال الحاخام نحمان من بريسلاف: “هناك معنى لأن ينقلب كل شيء إلى الخير”.
ونحن نبحث عن تلك اللحظة التي يتضح فيها للإسرائيليات والإسرائيليين ما الذي يحدث في الضفة الغربية، ويتضح لهم الخطر الرهيب الذي يشكله علينا جميعاً الإرهاب اليهودي التدميري الذي يسعى للضمّ، فنقف معاً لوقف هذا الشر. وأنا أؤمن بأننا قريبون من تلك اللحظة.
أنا أحد الإسرائيليين الذين أغمضوا عينَيهم لأعوام طويلة، حتى عندما كان لدي ما أقوله عن الاحتلال، وعن الحاجة إلى السلام، وعن الحلول المناسبة، لم أعرف الواقع، ولم أرد أن أعرفه، إلى أن أخذتُ على عاتقي قيادة منظمة من الحاخامين ترى أن التزام حقوق الإنسان واجب، داخل إسرائيل وكذلك في الأراضي المحتلة.
وأنا أرى الخطر الواضح والمباشر، والعلاقة بين إباحة الدم وإهانة الإنسان في الضفة الغربية والقتل اليومي داخل إسرائيل، والعنف الجسدي واللفظي الموجه ضد الصحافيين والناشطين وقادة المجتمع المدني، كما أرى العلاقة بين ذلك وبين المكان الذي يُدفَع إليه كثير من شبابنا: الدعوة إلى الانتقام والابتهاج بالحرب والقتل.
إن الكلمات التي قيلت في سفر أستير، “لا تظني في قلبك أن بيت الملك سينجو”، تبدو وكأنها موجَهة إلينا اليوم، فكل من يتخيل أنه يستطيع الهروب إلى حياة مريحة ومستقرة سيكتشف أنه وأطفاله الهدف التالي لإرهاب اليهود، وكل من يفهم ذلك عليه أن يتخذ موقفاً، لكن الأهم أن يتخذ فعلاً عملياً يصحّح ويغيّر هذا الواقع على المدى الطويل.

