كيف هندست أمريكيا ملف قتلى الاحتجاجات في إيران إلى أداة ضغط لجرّ المنطقة إلى المواجهة؟

تحرير خالد الطوالبة

المسار: عن القدس العربي – لم يتحوّل ملف قتلى الاحتجاجات في إيران إلى قضية حقوقية فحسب، وإنما أصبح محورًا سياسيًا ضاغطًا في صراع إقليمي ودولي مفتوح، تُدار فيه الأرقام بوصفها أدوات تأثير، وتُوظَّف الروايات المتعارضة لرفع منسوب التوتر ودفع الشرق الأوسط نحو حافة مواجهة واسعة.

تبدأ القصة مع احتجاجات اندلعت في أواخر ديسمبر/كانون الأول بدوافع اقتصادية واضحة، قبل أن تتوسع رقعتها جغرافيًا وتتعقّد طبيعتها أمنيًا وسياسيًا.

وترافق اتساع الاحتجاجات مع تداول أرقام متباينة حول أعداد الضحايا، صدرت عن جهات غربية ومعارضة إيرانية في الخارج، مقابل أرقام رسمية أعلنتها مؤسسات إيرانية، ما فتح فجوة معلوماتية تحوّلت سريعًا إلى ساحة صراع سياسي وإعلامي.

تُظهر متابعة الخطاب الغربي أن أرقام القتلى تُطرح بوصفها بيانات توثيقية فقط، استُخدمت في سياق سياسي مباشر، يربط بين “حماية المدنيين” و“الردع العسكري”.

وترافقت هذه المقاربة مع تصريحات صادرة عن رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب ربط فيها مصير الخيارات العسكرية بما وُصف بـ“قتل المتظاهرين”، في إشارة صريحة إلى توظيف الملف الإنساني في رسم سياسات القوة.

تتصاعد حدة التوظيف السياسي مع تداول أرقام مرتفعة تتحدث عن مقتل ما بين 12 ألفًا و20 ألف شخص، وهي أرقام تُدعَّم بتحقيقات مستقلة أو آليات تحقق دولية، لكنها وجدت طريقها سريعًا إلى وسائل الإعلام الكبرى، وإلى دوائر صنع القرار.

ويقابل ذلك إعلان رسمي إيراني أفاد بمقتل 3117 شخصًا، بينهم أفراد أمن ومواطنون، في رقم يقلّ جذريًا عن الرواية الغربية.

يرى المحلل العراقي ليث القيسي أن “تضخيم الأرقام في مثل هذه الأزمات لا ينفصل عن حسابات الحرب النفسية”، موضحًا لـ“القدس العربي” أن “الأرقام حين تُفصل عن سياقها الزمني والميداني تتحول إلى وقود سياسي، يُستخدم لتعبئة الرأي العام الغربي وتهيئة البيئة الداخلية لقرار عسكري”.

ويضيف أن “تجارب العراق وليبيا تؤكد أن المعركة تبدأ بالأرقام قبل أن تبدأ بالصواريخ”.

تنتقل المعركة من الإعلام إلى الميدان العسكري مع إعلان واشنطن إرسال حاملة طائرات وقاذفات متقدمة إلى المنطقة، في خطوة فسّرها مراقبون على أنها رسالة ردع متعددة الاتجاهات.

وتزامن هذا الحشد مع تقارير صحافية أمريكية تحدثت عن نقاشات داخل الإدارة حول كفاية الجاهزية العسكرية، ومخاطر الرد الإيراني المحتمل، ما يكشف أن الأرقام المتداولة عاملًا أخلاقيًا فقط، عنصرًا في موازنة الكلفة السياسية والعسكرية.

يشرح الكاتب الدكتور جمال البواريد من وكالة الأنباء الأردنية أن “الملف الإنساني غالبًا ما يُستخدم كرافعة قانونية وأخلاقية لتجاوز تعقيدات القانون الدولي”، مشيرًا في حديثه  إلى أن “غياب تحقيق دولي مستقل يجعل الأرقام سلاحًا مرنًا، قابلًا للتكييف وفق مصالح الدول الكبرى”.

ويؤكد أن “خطورة هذا المسار تكمن في تحويل معاناة داخلية إلى ذريعة لإعادة رسم خرائط القوة”.

تتحرك طهران في المقابل على أساس قناعة بأن الهجوم الخارجي احتمال قائم، وتتعامل مع ملف الضحايا باعتباره جزءًا من حرب شاملة تستهدف شرعية الدولة واستقرارها الداخلي.

وتربط القيادة الإيرانية بين تصاعد الخطاب حول الأرقام وبين سيناريوهات التحريض الداخلي، معتبرة أن تضخيم الخسائر يهدف إلى تشجيع اضطرابات متزامنة مع أي ضربة عسكرية.

يُحلّل المحلل السياسي السعودي الدكتور علي الحارثي هذا المشهد بالقول إن “الأرقام هنا تؤدي وظيفة مزدوجة: ضغط خارجي وخلخلة داخلية”، مضيفًا :  أن “الولايات المتحدة لا تتحرك بدافع إنساني صرف، وإنما ضمن استراتيجية إدارة أزمات، تستخدم فيها حقوق الإنسان كأداة تفاوض أو تصعيد”.

ويرى أن “المنطقة تدفع ثمن غياب آلية دولية محايدة تضبط هذا النوع من الملفات”.

تتعمق خطورة المشهد مع غياب قنوات تواصل فعّالة قادرة على احتواء التصعيد، في وقت تتكاثر فيه التصريحات العسكرية والتحذيرات المتبادلة.

وتُظهر التجربة أن الأرقام، حين تُطلق دون تدقيق، تخلق واقعًا سياسيًا جديدًا يصعب التراجع عنه، لأن القرار العسكري يصبح محكومًا بسقف توقعات صنعته الرواية الإعلامية.

تنتهي الصورة إلى معادلة معقّدة، يتداخل فيها الإنساني بالسياسي، والإعلامي بالعسكري، حيث تتحول أعداد الضحايا من مأساة تستوجب المساءلة إلى أداة تُشعل صراعات أوسع.

ويظل غياب التحقيق الدولي المستقل، وتغليب الحسابات الجيوسياسية، عاملين رئيسيين في دفع المنطقة نحو مسار تصعيدي مفتوح، تُدفع كلفته من استقرار الشرق الأوسط ومستقبل أمنه الجماعي.

Share This Article