المسار : في غزة، لم تعد المساعدات الإنسانية تُقدَّم بوصفها استجابة طارئة لحاجة ملحّة فحسب، بل باتت، في كثير من الأحيان، مرتبطة بالكاميرا والصورة والتوثيق العلني. يصل الغذاء أو المأوى مصحوبًا بعدسة، وبانتظار غير معلن من المتلقي أن يُظهر امتنانه، أو أن يقف شاهدًا على فقره. ما يُعرض كفعل تضامن، يبدو لكثيرين شكلًا من أشكال الانكشاف القسري.
هذا الواقع يطرح سؤالًا أخلاقيًا بسيطًا وواضحًا: هل الهدف من المساعدة هو حماية الإنسان وكرامته، أم طمأنة المانحين والجمهور البعيد؟
وفق القانون الدولي الإنساني، فإن تقديم المساعدة للمدنيين في مناطق النزاع هو حق، لا منّة. وعندما تصبح المعونة مشروطة بالتصوير أو العرض العلني، فإنها تفقد معناها الإنساني، وتتحول إلى عبء نفسي واجتماعي إضافي على من يعيشون أصلًا تحت ضغط الحرب والحصار.
اجتماعيًا، لا يمر هذا السلوك دون آثار عميقة. إظهار الفقر على الملأ يعيد إنتاج علاقة غير متكافئة بين من يقدّم المساعدة ومن يتلقاها، ويُضعف شعور الأفراد بالكرامة والاستقلال. الأطفال، على وجه الخصوص، يتحولون إلى رموز للمعاناة بدل أن يُنظر إليهم كأفراد لهم حق في الخصوصية والحماية.
اقتصاديًا، تعيش غزة انهيارًا شبه كامل. مصادر الدخل محدودة، الأسواق تعمل بشكل متقطع، والقدرة الشرائية وصلت إلى مستويات غير مسبوقة. في ظل هذا الواقع، لا يمكن الاكتفاء بتوزيع طرود غذائية متشابهة لا تراعي التنوع الغذائي ولا الاحتياجات الصحية، ولا تساهم في بناء أي استقرار طويل الأمد.
إن الاعتماد شبه الكامل على المساعدات العينية، دون دعم نقدي أو برامج تعافٍ اقتصادي، يعمّق التبعية ويُضعف قدرة المجتمع على الصمود. فالكرامة الاقتصادية ليست ترفًا، بل شرط أساسي للحفاظ على التماسك الاجتماعي ومنع تفكك المجتمع تحت ضغط الفقر المستمر.
في المقابل، تنتشر سردية مضللة تتحدث عن “حياة طبيعية” أو “مظاهر رفاه” في غزة، مستندة إلى وجود نشاط تجاري محدود أو أسواق صغيرة وسط الدمار. هذا الخطاب يتجاهل الواقع الأوسع: بنية تحتية مدمّرة، قطاعات إنتاجية مشلولة، وأحياء كاملة غير صالحة للسكن.
المدارس المؤقتة، والمرافق الصحية البدائية، وتكايا الطعام ليست مؤشرات تعافٍ، بل دلائل على البقاء في ظروف قاسية، وعلى فشل المجتمع الدولي في توفير حماية حقيقية للمدنيين أو أفق للخروج من الأزمة.
دعوة مباشرة
على المجتمع الدولي، والحكومات، والمؤسسات الإنسانية، أن تتوقف عن التعامل مع غزة كملف مساعدات دائم، وأن تنظر إليها بوصفها مسؤولية قانونية وأخلاقية عاجلة. المطلوب هو حماية كرامة المدنيين قبل تصوير معاناتهم، ودعم صمودهم الاقتصادي بدل تكريس اعتمادهم على المعونات، ووقف أي ممارسات تحوّل الجوع إلى مشهد علني.
غزة لا تحتاج إلى مزيد من البيانات أو الحملات الرمزية، بل إلى قرارات سياسية توقف الحرب وترفع الحصار، وتضمن إيصال المساعدات باحترام، وتفتح الطريق أمام إعادة بناء الحياة. فالصمت لم يعد حيادًا، والاستمرار في هذا النهج ليس مجرد تقصير، بل مساهمة في إدامة الأزمة.
بقلم: وسام فتحي زغبر
عضو الأمانة العامة لنقابة الصحفيين الفلسطينيين، وعضو
اللجنة المركزية للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين

