صعود اليمين في أمريكا الحنوبية في عهد ترامب

المسار :  تحرير عرب 48 – تتألف أميركا اللاتينية من نحو 20 دولة ذات تاريخ وديناميات سياسية متمايزة، وقد لا ينتصر اليمين في نهاية المطاف في كل حالة. غير أنّ المنطقة شهدت، في محطات أخرى من تاريخها، لحظات تحرّك فيها المسار الإقليمي على نحوٍ متزامن..

كان فيدل كاسترو، منذ اللحظة التي دخل فيها مع جماعته من المتمرّدين الملتحين إلى هافانا عام 1959، وحتى وفاته لأسباب طبيعية عام 2016، الزعيم الأكثر رمزية في أميركا اللاتينية. فقد استطاع، بفضل زيه العسكري المميّز، وسيجاره النحيف من نوع “كوهيبا”، وخطاباته الماراثونية التي ذمَّ فيها “العم سام”، أن يأسر مخيّلة الثوار الطموحين وملايين آخرين حول العالم. ولم يكتفِ كاسترو بمجرد حكم كوبا، بل عمل بلا كلل على تصدير أفكاره. فتوسّعت شبكته العالمية من الحلفاء والمعجبين على مرّ العقود لتشمل قادة متنوّعين مثل سلفادور أليندي (Salvador Allende) في تشيلي، وهوغو تشافيز (Hugo Chávez) في فنزويلا، وروبرت موغابي (Robert Mugabe) في زيمبابوي، وياسر عرفات، رئيس منظمة التحرير الفلسطينية.

لو علم كاسترو أن الشخصيتين اللاتينيتين الأقرب اليوم إلى مكانته العالمية تنتميان إلى اليمين الأيديولوجي، لتقلَّب في قبره. فقد حظي خافيير ميلي، الرئيس الأرجنتيني الذي يصف نفسه بأنه “رأسمالي أناركيّ”، والذي استخدم المنشار الكهربائي رمزًا لحماسه في تقليص حجم الحكومة، ونجيب بُقيلة، الرئيس الملتحي للسلفادور من جيل الألفية، والذي يحظى بشعبية كبيرة في الداخل والخارج. وبدلًا من الهتاف الثوري الكوبي الذي انتشر في كل مكان “¡Hasta la victoria, siempre!” (إلى الأمام دائمًا نحو النصر!)، يظهر الآن شعار ميلي الليبرتاري “¡Viva la libertad, carajo!” (تحيا الحرية، اللعنة!) على القمصان في بعض الجامعات في الولايات المتحدة ويقتبسه الساسة في أماكن بعيدة مثل إسرائيل.

وكما كان الحال مع كاسترو في عصره، يتمتّع كلا الزعيمين بنفوذ يفوق بكثير حجم بلديهما على الساحة العالمية. وكان ميلي أول رئيس دولة يلتقي بالرئيس الأميركي دونالد ترامب بعد انتخابه عام 2024، إذ حظي باستقبال فخم في منتجع “مارالاغو” الخاص به. وصف ترامب ميلي بأنه “رئيسي المفضل”، ومدّد في تشرين الأول/أكتوبر 2025 حزمة إنقاذ بقيمة 20 مليار دولار للأرجنتين، وهي أكبر عملية إنقاذ من نوعها تنفذها الولايات المتحدة لأي دولة منذ 30 عامًا. كما أشادت زعيمة المعارضة المحافظة في المملكة المتحدة كيمي بادينوش (Kemi Badenoch)، ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، والعديد من الشخصيات الأخرى في اليمين الأوروبي، بنجاح ميلي في خفض البيروقراطية الحكومية والروتين الإداري، وهو ما أسهم في خفض معدلات التضخم في الأرجنتين من أكثر من 200 بالمئة عندما توليه منصبه عام 2023 إلى حوالي 30 بالمئة بحلول أواخر عام 2025، باعتباره نموذجًا يحتذى به. وقد جعله ذلك أيضًا بمثابة مرشد روحي لعمالقة وادي السيليكون الليبرتاريين مثل إلون ماسك، الذي استخدم منشار ميلي على خشبة المسرح خلال مؤتمر للمحافظين في الولايات المتحدة في شباط/فبراير 2025. في غضون ذلك، جعلت حملة بُقيلة على العصابات منه شخصيةً تحظى بشعبية جارفة في معظم أنحاء أميركا اللاتينية وخارجها، رغم تجاهله التام للمخاوف المتعلقة بالإجراءات القانونية الواجبة وحقوق الإنسان. (أظهر استطلاع رأي أُجري عام 2024 أن نحو 81% من التشيليين منحوا بُقيلة تقييمًا إيجابيًا، وهو أعلى من أي زعيم عالمي آخر وأكثر من ضعف تقييم رئيسهم). ويحظى بُقيلة بأكثر من 11 مليون متابع على منصة “تيك توك”، وهو عدد يفوق أي رئيس دولة آخر باستثناء ترامب.

يظهر الحماس الثوري الحقيقي في أميركا اللاتينية اليوم مع قادةٍ مصمّمين على تغيير ليس بلدانهم فحسب، بل المنطقة بأسرها، على نحوٍ أساسي، في اليمين الأيديولوجي. ومع فوز قادة محافظين مؤخرًا في عدد من الانتخابات، وتقدّمهم في انتخابات أخرى يُنتظر إجراؤها خلال العام المقبل، تبدو أميركا اللاتينية مهيّأة لتحوّلٍ نادر الحدوث، قد لا يتكرّر إلا مرة في الجيل، من شأنه أن يُحدث تغييرًا جذريًا في سُبُل تعامل الدول مع الجريمة المنظّمة، والسياسات الاقتصادية، وعلاقاتها الإستراتيجية مع الولايات المتحدة والصين، وغير ذلك. فقد أُعيد انتخاب الرئيس المحافظ للإكوادور، دانيال نوبوا (Daniel Noboa)، عام 2025، فيما حقّق حزب خافيير ميلي فوزًا كبيرًا وغير متوقّع في الانتخابات التشريعية النصفية الحاسمة في الأرجنتين، ما أضفى زخمًا إضافيًا على برنامجه. وشهدت بوليفيا نهاية ما يقرب من عشرين عامًا من الحكم الاشتراكي، مع انتخاب رودريغو باز بيريرا (Rodrigo Paz Pereira)، وهو إصلاحي وسطي. ويتصدّر المرشّحون الرئاسيون المحافظون استطلاعات الرأي في كوستاريكا والبيرو، فيما يقتربون من الصدارة في البرازيل وكولومبيا، في انتخابات يُفترض إجراؤها قبل نهاية عام 2026.

تتألف أميركا اللاتينية من نحو 20 دولة ذات تاريخ وديناميات سياسية متمايزة، وقد لا ينتصر اليمين في نهاية المطاف في كل حالة. غير أنّ المنطقة شهدت، في محطات أخرى من تاريخها، لحظات تحرّك فيها المسار الإقليمي على نحوٍ متزامن إلى حدّ ما؛ من ذلك الديكتاتوريات الرجعية التي اجتاحت جزءًا واسعًا من المنطقة في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي في أعقاب الثورة الكوبية، وموجة إعادة الدمقرطة الكبرى في الثمانينيات، ثم إصلاحات “إجماع واشنطن” المؤيّدة للسوق في التسعينيات، وما يُعرف بـ”المدّ الوردي” الذي أوصل هوغو تشافيز وغيره من اليساريين إلى السلطة في أواخر التسعينيات وأوائل الألفية الثانية. واليوم، يبدو أنّ إعادة تنظيم إقليميًا آخر من هذا القبيل آخذٌ في التشكّل، بما يتحدّى بعض الافتراضات الأساسية التي يحملها العالم الخارجي عن أميركا اللاتينية. وستكون النتيجة، على الأرجح، منطقةً تتبنّى في السنوات المقبلة سياسات أكثر تشدّدًا إزاء تهريب المخدرات وغيرها من الجرائم، وأكثر وديّة للاستثمارين المحلي والأجنبي، وأقلّ انشغالًا بقضايا تغيّر المناخ وإزالة الغابات، وتتوافق عمومًا مع إدارة دونالد ترامب في أولويات مثل الأمن والهجرة والحدّ من الوجود الصيني في نصف الكرة الغربي. وبالنظر إلى تاريخ التدخّل الأميركي في أميركا اللاتينية، كان من المتوقّع أن يؤدّي صعود رئيس أميركي متشدّد وقومي ويميني إلى تحفيز مقاومة يسارية في المنطقة. غير أنّ ما يحدث، على الأقل في الوقت الراهن، هو العكس؛ إذ إنّ قادة أميركا اللاتينية الأكثر استفادة من عودة ترامب ليسوا أولئك الذين يدينونه ويتحدّونه، بل الذين يُبدون إعجابهم به، ويتقرّبون منه، بل ويعملون على تقليده.

نحو اليمين

لا يبدو أنّ هذا التحوّل نحو اليمين مجرّد تأرجحٍ دوريّ طفيف أو قصير الأجل في سياسات المنطقة. إذ تشير قراءة متأنّية لاستطلاعات الرأي وسائر الاتجاهات الأساسية إلى أنّ الأفكار المحافظة وأولوياتها السياسية آخذة في اكتساب موطئ قدم في أميركا اللاتينية. فقد أفاد استطلاع سنوي يحظى بمتابعة دقيقة، شمل أكثر من 19 ألف مستجيب في 18 دولة، وأجرته مؤسّسة “لاتينوبارومترو”، وهي جهة إقليمية متخصّصة في استطلاعات الرأي مقرّها تشيلي، بأن نسبة سكّان أميركا اللاتينية الذين يعرّفون أنفسهم بأنهم يمينيون بلغت أعلى مستوياتها منذ أكثر من عقدين في عام 2024. كما أظهر الاستطلاع نفسه أن بُقيلة هو السياسي الأكثر شعبية في جميع أنحاء المنطقة، حيث بلغ متوسط تقييمه 7.7 على مقياس من عشر نقاط، أما الأقل شعبية، وبفارق كبير أيضًا، فكان نيكولاس مادورو، الديكتاتور الاشتراكي لفنزويلا، حيث حصل على 1.3 نقطة فقط.

لا تنبع معظم أسباب صعود اليمين من عوامل خارجية، بل من تحوّلات في الواقع الداخلي لأميركا اللاتينية. ويأتي في صدارة هذه الأسباب الإحباط المتزايد لدى الجمهور من تفشّي الجريمة، وهو تحدٍّ ليس جديدًا على المنطقة، لكنه ازداد حدّة على نحوٍ كبير في السنوات الأخيرة. ووفقًا لتقديرات الأمم المتحدة، فقد تضاعفت كميات الكوكايين المنتجة في أميركا اللاتينية ثلاث مرّات خلال العقد الماضي، ما وفّر للعصابات والكارتلات في المنطقة ثروةً وسلطةً غير مسبوقتين، وأسهم في تأجيج العنف المرتبط بالمخدرات. وتمثّل أميركا اللاتينية نحو ثمانية بالمئة من سكّان العالم، لكنها تسجّل قرابة ثلاثين بالمئة من جرائم القتل عالميًا. وفي العديد من البلدان التي ستُجرى فيها انتخابات خلال العام المقبل، بما في ذلك البرازيل والبيرو، تتصدّر الجريمة — وهي قضية انتخابية طالما رجّحت كفّة اليمين — استطلاعات الرأي بوصفها الشغل الشاغل للناخبين.

وتشمل العوامل الرئيسة الأخرى في صعود اليمين انتشار المسيحية الإنجيلية في أميركا اللاتينية، التي كانت كاثوليكية تقليديًا، وهو ما أسهم في تغيير المشهد السياسي في العديد من البلدان، وفي مقدّمها البرازيل، عبر دفع قضايا “الحرب الثقافية”، مثل الإجهاض و”أيديولوجية النوع الاجتماعي”، إلى صدارة النقاش العام. كما أدّت الانهيارات الاقتصادية والاجتماعية الحادّة، التي استمرّت لسنوات في فنزويلا وكوبا، إلى تقويض مصداقية السياسات الاشتراكية في أذهان جيل كامل من الناخبين في مختلف أنحاء أميركا اللاتينية، الأمر الذي أسهم في تراجع شعبية حتى بعض المرشحين اليساريين المعتدلين، الذين يُنظر إليهم، رغم ذلك، بوصفهم جزءًا من القبيلة الأيديولوجية نفسها. وأدّى نزوح السكان من هذين البلدين، ومن دول أخرى تعاني أزمات عميقة، مثل هايتي ونيكاراغوا، إلى موجة هجرة غير مسبوقة داخل أميركا اللاتينية ذاتها، ما أثار ردود فعل حادّة في البلدان المستقبِلة، مثل تشيلي وكولومبيا والبيرو، وهو ما سعى بعض المرشّحين اليمينيين إلى استثماره سياسيًا.

كما أدت الشهرة العالمية لميلي وبُقيلة، في الوقت نفسه، دورًا رئيسًا في هذا السياق. فحتى وإن لم يرغب معظم الناخبين في أنحاء أميركا اللاتينية في انتخاب نسخٍ مطابقة من ميلي وبُقيلة، اللذين يرى كثيرون أن سياساتهما متطرّفة، فإن مقاطع الفيديو المنتشرة للرئيسين وهما يُستقبلان استقبالًا حافلًا في البيت الأبيض، والتجمعات المرموقة مثل الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، قد أثارت قدرًا واسعًا من الفضول، وأسهمت في تعزيز الشعور بأن قادة اليمين يحرزون تقدّمًا ليس فقط في الداخل، بل أيضًا في الخارج.

المحافظة الجديدة

أُثقِلَت ارتباطات السياسيين اليمينيين في أميركا اللاتينية، لعقود طويلة، بإرث الديكتاتوريات التي سادت خلال حقبة الحرب الباردة. فمنذ ستينيات القرن الماضي وحتى ثمانينياته، أشرف دكتاتوريون مثل أوغستو بينوشيه (Augusto Pinochet) في تشيلي، وهوغو بانزر (Hugo Banzer) في بوليفيا، وإفراين ريوس مونت (Efraín Ríos Montt) في غواتيمالا على حملات قمع وقتل واسعة النطاق برعاية الدولة، غالبًا ما نُفِّذت باسم محاربة الشيوعية. وبعد موجة دمقرطة كبرى اجتاحت أميركا اللاتينية في ثمانينيات القرن الماضي، سعى معظم القادة السياسيين، بمن فيهم المنتمون إلى اليمين، إلى تجنّب أي ارتباط بتلك الأنظمة، وكانوا في العادة يتحفّظون على جعل قضايا القانون والنظام محورًا لحملاتهم الانتخابية، خشية أن يُنظر إليهم بوصفهم ذوي نزعة فاشية.

غير أنّ فكرة أنّ اليمين استبدادي بطبيعته فقدت كثيرًا من مصداقيتها في أميركا اللاتينية اليوم، إذ إنّ جميع حالات الديكتاتورية الصريحة الثلاث القائمة حاليًا تقع ضمن اليسار الأيديولوجي: كوبا ونيكاراغوا وفنزويلا. (أما بعض الدول الأخرى، بما في ذلك السلفادور وغواتيمالا والمكسيك، فهي تُصنَّف ضمن أنظمة هجينة، ليست ديمقراطية بالكامل ولا استبدادية بالكامل، وفقًا للمسح العالمي السنوي الذي تُجريه وحدة الاستخبارات الاقتصادية حول أوضاع الديمقراطية). وقد أسهم تعاقب رؤساء من يمين الوسط، ممن احترموا المؤسّسات الديمقراطية، في تخفيف ما تبقّى من انعدام الثقة تجاه القادة المحافظين، ومن بينهم ماوريسيو ماكري (Mauricio Macri) في الأرجنتين (2015–2019)، وسيباستيان بينييرا (Sebastián Piñera) في تشيلي (2010–2014 و2018–2022). ويصحّ القول أيضًا إنه مع تلاشي ذكريات الحرب الباردة وتزايد الإحباط من تفشّي الجريمة، فقدت التحذيرات من الحكم الاستبدادي جانبًا من قوّتها. ففي أحد استطلاعات “لاتينوبارومترو”، فضّل نحو 40 بالمئة من المستجيبين إمّا حكومة استبدادية، أو أبدوا عدم اكتراث بما إذا كانت الحكومة ديمقراطية أم لا، بزيادة تقارب عشر نقاط مئوية مقارنة بالعقد الماضي. كما أظهرت استطلاعات رأي في أجزاء أخرى من العالم الغربي تراجعًا مماثلًا في مستويات الدعم للديمقراطية.

وقد عمل اليمين في أميركا اللاتينية، خلال العقد الماضي، على دحض التصوّر السائد منذ زمن طويل بأنه غير مبالٍ بمصير الفقراء. ولم يُتخلَّ عن العقيدة الليبرالية الجديدة، الداعية إلى تقليص حجم الدولة، والتي وجّهت أجيالًا من القادة المحافظين، غير أنها خضعت لتعديلات، ولا سيما في أعقاب جائحة كوفيد-19. فقد أشرفت الحكومات اليمينية التي كانت في السلطة إبّان ذروة الجائحة على بعضٍ من أكثر التوسّعات طموحًا في الإنفاق الاجتماعي في أميركا اللاتينية، ثم حافظت، في ما بعد، على العديد من تلك المزايا. ففي تشيلي، على سبيل المثال، وهي دولة عُدّت لعقود نموذجًا يُحتذى به في الليبرالية الجديدة المؤيّدة للدولة الصغيرة والسوق، أنفقت حكومة سيباستيان بينييرا المحافظة على الإغاثة المرتبطة بالجائحة نسبةً تفوق ما أنفقته أي دولة أخرى في المنطقة. وفي البرازيل، أشرف الرئيس جاير بولسونارو (Jair Bolsonaro) على توسّع هائل في برنامج “بولسا فاميليا” (منحة الأسرة)، وهو برنامج معروف دوليًا لتحويل الأموال النقدية إلى الفقراء، كان قد هاجمه سابقًا بوصفه ضربًا من الاشتراكية المضلِّلة. بل إن بولسونارو رفع مدفوعات البرنامج بنسبة 50 بالمئة في الأشهر التي سبقت حملته الانتخابية الفاشلة لإعادة انتخابه عام 2022. وفي الآونة الأخيرة، في الأرجنتين، وحتى في الوقت الذي كان فيه ميلي يستخدم منشاره الكهربائي بحماسة في تقليص برامج حكومية أخرى، عمد إلى مضاعفة حجم التحويلات النقدية إلى فقراء البلاد، مما ساعد حكومته على الحفاظ على دعم الكثيرين من الطبقة العاملة وتجنّب الاضطرابات الاجتماعية الواسعة التي أدت إلى فشل حملات التقشف الأرجنتينية السابقة.

على الرغم من أن اليسار لا يزال يُنظر إليه في أنحاء أميركا اللاتينية على أنه أكثر سخاءً في إنفاقه الاجتماعي، فإن هذه الميزة لم تعد بالقدر نفسه الذي كانت عليه في السابق. ومن خلال تحييد جانبٍ من الانتقادات التي تُوجَّه إليه، والقائلة إن قادته نخبويون أو معادون للديمقراطية، تمكّن اليمين من تركيز خطابه على قضايا تصبّ في مصلحته. ولم تكن هناك قضية أكثر بروزًا من الأمن. فقد ازدادت قوّة عصابات المخدّرات وغيرها من جماعات الجريمة المنظّمة على نحوٍ كبير خلال العقد الماضي، ويُعزى ذلك جزئيًا إلى الزيادة الهائلة في عائداتها من تهريب المخدّرات. ووفقًا لمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدّرات والجريمة، بلغ حجم إنتاج الكوكايين عالميًا نحو 3700 طن في عام 2023، مقارنةً بـ902 أطنان في عام 2013. وتُنتَج تقريبًا كل كميات الكوكا في العالم، وهي المادة الخام لهذا المخدّر، في ثلاث دول في أميركا اللاتينية هي بوليفيا وكولومبيا والبيرو، فيما تُعدّ معظم دول المنطقة الأخرى أراضيَ عبور لعمليات التهريب، كما باتت، على نحوٍ متزايد، أسواقًا استهلاكية بحدّ ذاتها.

وفي الواقع، ينبع قدرٌ كبير من الغضب المتصاعد إزاء الجريمة في أميركا اللاتينية من التحوّلات التي طرأت على أنماط استهلاك الكوكايين ومراكزه. فقد غدت الفكرة القائلة إن الكوكايين يتدفّق شمالًا فقط، إلى روّاد الحفلات الأثرياء في برلين ولندن ونيويورك، أقل دقّة اليوم مما كانت عليه في أي وقت مضى؛ إذ بات هذا المخدّر يتحرّك، على نحوٍ متزايد، شرقًا وغربًا وجنوبًا أيضًا. وعلى الرغم من أن أميركا الشمالية لا تزال السوق الأكبر، إذ تمثّل نحو 27 بالمئة من الاستهلاك العالمي للكوكايين، تليها أوروبا بنسبة تقارب 24 بالمئة، فإن أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي باتتا تقتربان من هذا المستوى، بحصّة تبلغ نحو 20 بالمئة من الاستهلاك العالمي، وفقًا لتقديرات الأمم المتحدة. كما تُعد آسيا، بحوالي 14 بالمئة من الاستهلاك العالمي، وأفريقيا، بنحو 13 بالمئة، موطنين لأسواق سريعة النمو لهذا المخدّر.

وقد أدى التحوّل الجغرافي في أنماط استهلاك الكوكايين، بدوره، إلى تغييرات مهمّة في مسارات التهريب، ولا سيّما تلك المتّجهة إلى ساحل المحيط الهادئ، الأمر الذي حوّل دولًا في أميركا اللاتينية كانت تنعم بقدرٍ من الاستقرار النسبي، مثل تشيلي وكوستاريكا والإكوادور، إلى ساحات صراع تتنافس فيها عصابات المخدّرات على السيطرة على الموانئ البحرية وغيرها من مراكز العبور الرئيسة. وبفضل وفرة الأموال غير المسبوقة، وسّعت هذه العصابات نطاق أنشطتها ليشمل الابتزاز، وسرقة البضائع، والاختطاف، والتعدين غير القانوني، وقطع الأشجار في الأمازون، والاتجار بالمهاجرين المتّجهين إلى الولايات المتحدة.

وكانت العواقب صادمة، حتى بالنسبة إلى منطقة عانت طويلًا من تهريب المخدّرات والعنف. فقد انتشرت، عام 2024، صور لأفراد عصابات مسلّحين بالبنادق وهم يحتجزون صحفيين رهائن داخل محطة تلفزيونية في الإكوادور في مختلف أنحاء العالم. وتُعَد مدينة دوران الساحلية في الإكوادور، التي كانت مسرحًا لحرب عصابات بين شبكات ألبانية وكولومبية ومكسيكية، اليوم أخطر مدينة في العالم وفقًا لبعض المؤشّرات، إذ يبلغ معدّل جرائم القتل السنوي فيها نحو 150 لكل 100 ألف نسمة، وهو رقم يقترب من معدّل مدينة ميديلين في كولومبيا في أوائل تسعينيات القرن الماضي، إبّان حقبة تاجر المخدّرات سيّئ السمعة بابلو إسكوبار. كما أثار اغتيال ميغيل أوريبي (Miguel Uribe)، المرشّح الرئاسي اليميني في كولومبيا، في الآونة الأخيرة، مخاوف من أنّ عقدين من التقدّم في مجال الأمن في ذلك البلد آخذان في التلاشي. وأظهر استطلاع رأي أُجري عام 2023 أن أكثر من 85 بالمئة من التشيليين يتجنّبون الخروج ليلًا في بعض الأحيان، وأن 8 بالمئة فقط يشعرون بالأمان. وفي كوستاريكا، المعروفة منذ زمن طويل بكونها وجهة سياحية آمنة إلى حد أنها لم تكن بحاجة إلى جيش نظامي، ارتفعت معدّلات جرائم القتل بأكثر من 50 بالمئة منذ عام 2020، بعدما أصبحت البلاد إحدى أبرز نقاط إعادة شحن الكوكايين في العالم. وحتى في الدول القليلة التي انخفضت فيها جرائم القتل خلال السنوات الأخيرة، مثل البرازيل، لا تزال معدّلات الجرائم الأخرى، كالسّرقة، مرتفعة.

في ظل هذه الظروف، يتّضح سببُ المكاسب التي حقّقها نجيب بُقيلة وغيره من السياسيين الذين يتعهّدون باتّباع نهجٍ حازم إزاء الجريمة. فمنذ تولّي بُقيلة منصبه عام 2019، انخفضت معدّلات جرائم القتل في السلفادور بأكثر من 90 بالمئة، وبحسب بعض المقاييس أصبحت البلاد اليوم واحدةً من أكثر دول الأميركتين أمانًا، بحيث يضاهي معدّل جرائم القتل فيها نظيره في كندا. ولا يرى كثير من المراقبين في أميركا اللاتينية نهج بُقيلة—القائم على تعليق حقوق دستورية، مثل الإجراءات القانونية الواجبة وحرّية التجمّع، وسجن نحو اثنين بالمئة من السكّان البالغين—إشكاليًا على نحوٍ خاص. وحتى في تشيلي، التي تضم بعضًا من أقوى المؤسّسات الديمقراطية في المنطقة، وافق 80 بالمئة من المشاركين في استطلاع رأي حديث على أنهم سيدعمون “حالة الاستثناء” وتعليق بعض الحريّات المدنية من أجل مكافحة الجريمة. وبعد أن تحوّلت عملية شرطية في ريو دي جانيرو في تشرين الأول/أكتوبر 2025 إلى تبادلٍ فوضوي لإطلاق النار، أسفر عن أكثر من 120 قتيلًا، عبّرت منظمات المجتمع المدني البرازيلية عن صدمتها. غير أن استطلاعًا للرأي أُجري بعد أيام أظهر أن غالبية سكان المدينة يعتقدون أن المداهمة كانت ناجحة. وكان الدعم للحملة القمعية القاسية قويًا بالقدر نفسه بين المستجيبين في الأحياء الفقيرة كما في الأحياء الأكثر ثراءً. وعلى امتداد المنطقة، يستجيب حتى بعض القادة الذين يرفضون الإجراءات المتطرّفة للدعوة إلى نهجٍ أشدّ صرامة في التعامل مع الجريمة، وذلك عبر بناء سجون جديدة عالية التحصين، وتكثيف اعتقالات قادة العصابات.

ويواجه السياسيون الذين يعجزون عن فرض السيطرة على الوضع الأمني، في الوقت نفسه، خطرًا متزايدًا بفقدان مقاعدهم. إذ تشير استطلاعات الرأي في البرازيل إلى أن ضعف الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا (Luiz Inácio Lula da Silva) الملحوظ في التعامل مع الجريمة يشكّل عقبة رئيسة أمام مساعيه لإعادة انتخابه عام 2026. وفي المكسيك، أدى اغتيال رئيس بلدية عُرف بمواقفه الصريحة المناهضة للجريمة في تشرين الثاني/نوفمبر إلى موجة احتجاجات في الشوارع، وإلى انتقادات حادّة وُجّهت إلى الرئيسة كلوديا شينباوم (Claudia Sheinbaum)، التي، على الرغم من انتهاجها خطًا أكثر صرامة تجاه عصابات المخدّرات مقارنة بسابقيها، لا تزال تحصد أدنى تقييمات الناخبين في ملفّ الأمن مقارنة بسائر المجالات. أما في البيرو، ففي تشرين الأول/أكتوبر 2025، أطلق مسلّحون يستقلّون درّاجات نارية النار خلال حفل موسيقي، ما أسفر عن إصابة أربعة أشخاص. وقد شكّل هذا الهجوم القشّة التي قصمت ظهر البعير بالنسبة إلى الرئيسة البيروفية دينا بولوارتي (Dina Boluarte)، التي كانت معدّلات تأييدها متدنّية أصلًا، على خلفية مزاعم الفساد في حكومتها وتحدّيات أخرى. وبعد أيام قليلة من الهجوم، صوّت الكونغرس البيروفي بالإجماع (122–0) على عزلها من منصبها، مشيرًا إلى “عدم كفاءتها الأخلاقية الدائمة”.

تغيرات جذرية

لا شكّ في أنّ اليسار لا يزال حاضرًا، ويتمتّع بقدر من الحيوية والقدرة على المنافسة الانتخابية في معظم أنحاء أميركا اللاتينية. ومن المرجّح أن تجد رسالته، المتمحورة حول عدم المساواة الاقتصادية، صدىً دائمًا لدى الناخبين في منطقة تشهد أوسع فجوة في العالم بين الأغنياء والفقراء. كما يضمّ اليسار نصيبه من القادة المنتخبين ديمقراطيًا ممّن يتمتّعون بشعبية نسبية، مثل لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، الذي يعتزم الترشّح لولاية رابعة غير متتالية رئيسًا للبرازيل عام 2026، وكلوديا شينباوم، التي اكتسبت إعجابًا في الخارج بفضل إدارتها الهادئة والحازمة للمفاوضات الصعبة مع دونالد ترامب بشأن التجارة والهجرة. وفي بعض الحالات، قد يتقدّم اليمين في استطلاعات الرأي جزئيًا لأنّ اليسار هو من يتولّى الحكم حاليًا، ولأنّ شاغلي المناصب يواجهون صعوبة متزايدة في الفوز بالانتخابات، سواء في أميركا اللاتينية أو في معظم أنحاء العالم الديمقراطي. وعلى المنوال نفسه، يرى بعض المراقبين أنّ التحوّل الراهن لا يرتبط ارتباطًا مباشرًا بالاعتبارات الأيديولوجية التقليدية بين اليسار واليمين، بل يعكس تنامي حضور الشعبويين والمنبوذين سياسيًا من مختلف الاتجاهات.

وثمّة أسباب أخرى تدعو إلى التشكيك في إمكان حدوث موجة يمينية كاسحة في أميركا اللاتينية. فالحكومات اليسارية في كولومبيا وتشيلي تحظى بمعدّلات تأييد تتراوح بين 30 و40 بالمئة؛ وهي نسب ليست مرتفعة، لكنها ليست متدنّية إلى حدّ يستبعد إمكان تحقيق أحزابها نجاحات انتخابية مستقبلية. وإلى ذلك، قد يؤدّي تعدّد المرشّحين اليمينيين في كولومبيا والبرازيل إلى تشتيت الأصوات، بما يفضي إلى جولة إعادة انتخابية قد يرى فيها الناخبون أنّ المرشّح المحافظ متطرّف أكثر من اللازم، فتؤول النتيجة إلى فوز مرشّح من اليسار أو الوسط. كما أخفق رئيس الإكوادور دانيال نوبوا (Daniel Noboa) في تشرين الثاني/نوفمبر 2025 في تمرير استفتاء كان من شأنه السماح بإنشاء قواعد عسكرية أجنبية في بلاده، إلى جانب إصلاحات أخرى، وهو ما يشير إلى أنّ ثمّة حدودًا لما يمكن لقادة اليمين أن يراكموه من سلطة.

لعل من المفارقات أنَّ أحد أكبر المخاطر التي تهدد التحول المحافظ في أميركا اللاتينية هو ترامب نفسه. فقد أولى الرئيس الأميركي اهتمامًا مكثّفًا بالمنطقة في ولايته الثانية، في ما يعكس إدراكًا بأنّ بعض أولوياته الداخلية الرئيسة – وفي مقدّمتها مكافحة تهريب المخدّرات والهجرة غير النظامية – تتطلّب انخراطًا قويًا في أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي. غير أنّ استطلاعات الرأي تشير إلى أنّ ترامب لا يتمتّع بشعبية كبيرة في المنطقة. فقد سجّل أداءً ضعيفًا نسبيًا في استطلاع لاتينوبارومتر، إذ بلغ متوسّط تقييمه 4.2 فقط على مقياس من عشر نقاط، كما أثارت بعض سياساته ردود فعل عنيفة تهدّد بإضعاف حلفائه المحافظين هناك. فعلى سبيل المثال، أدّى قرار ترامب فرض بعضٍ من أعلى الرسوم الجمركية في العالم على البرازيل، إلى جانب مطالبته بإسقاط التهم الجنائية الموجّهة إلى جاير بولسونارو على خلفية محاولة انقلاب عام 2023، إلى تصاعد النزعة القومية البرازيلية، وتراجع الدعم لبولسونارو، وارتفاع معدّلات التأييد للويس إيناسيو لولا دا سيلفا. وعلى نحوٍ مماثل، أضرّ تعهّد ترامب بـ”استعادة” قناة بنما للولايات المتحدة بشعبية الرئيس البنمي خوسيه راؤول مولينو (José Raúl Mulino)، أحد أكثر السياسيين تأييدًا لواشنطن في أميركا اللاتينية.

ومع ذلك، فإنّ دور واشنطن في نصف الكرة الغربي يمثّل مجالًا آخر تبدو فيه الأرضية السياسية آخذة في التغيّر بطرق يصعب التنبؤ بها. فقد نُظر على نطاق واسع إلى خطة إنقاذ ترامب للأرجنتين على أنّها عامل حاسم في ضمان فوز حزب ميلي في انتخابات التجديد النصفي، وهو فوز جاء أكبر بكثير ممّا كان متوقّعًا. كما فاجأ كثيرين أن تُظهر استطلاعات الرأي دعمًا ملحوظًا في أنحاء أميركا اللاتينية للضربات العسكرية التي شنّها ترامب ضد قوارب يُشتبه في ضلوعها بتهريب المخدّرات، وأهداف أخرى في فنزويلا. وكانت الرسالة الواضحة من ذلك أنّ الغضب الواسع النطاق من عصابات المخدّرات في المنطقة، والرفض الشعبي العميق لنيكولاس مادورو، قد تغلّبا، مرّة أخرى، على سائر المخاوف العامة.

إذا ما حدث تحوّل نحو اليمين، على النحو الذي توحي به الاتجاهات الراهنة، فقد تكون العواقب وخيمة. فآخر مرّة تحرّكت فيها سياسات أميركا اللاتينية على نحوٍ متناغم، خلال الموجة اليسارية في العقد الأوّل من القرن الحادي والعشرين، تقدّم مثالًا دالًّا على ما قد يكون ممكنًا. ففي تلك المرحلة، تمكّنت مجموعة واسعة من القادة المتحالفين، من بينهم هوغو تشافيز والرئيس الأرجنتيني نيستور كيرشنر (Néstor Kirchner)، ولويس إيناسيو لولا دا سيلفا، من إفشال اتفاقية تجارية كبرى كان قد روّج لها الرئيسان الأميركيان بيل كلينتون وجورج دبليو بوش، وهو ما أدّى إلى تغيير المسار الاقتصادي للمنطقة تغييرًا جذريًا لسنوات لاحقة. وفي السياق نفسه، طبّق رؤساء أميركا اللاتينية اليساريون سياسات اجتماعية أكثر قوّة، هدفت إلى ضمان توزيع ثمار طفرة السلع الأساسية في ذلك العقد توزيعًا أكثر عدالة، الأمر الذي أسهم في إخراج عشرات الملايين من سكّان المنطقة من دائرة الفقر، وتوفير موارد أكبر للتعليم والرعاية الصحية. كما أفضى قدرٌ من الإجماع الأيديولوجي إلى تجدّد الجهود الرامية إلى تعزيز التعاون الإقليمي، تُوِّج بإنشاء اتحاد دول أميركا الجنوبية عام 2008، وهو إطار سعى إلى تعزيز التجارة والتعاون الاجتماعي داخل المنطقة، وتوفير منصّة لصنع القرار الإقليمي تستبعد الولايات المتحدة. غير أنّ هذا الكيان جرى تفكيكه فعليًا في أواخر العقد الأوّل من القرن الحادي والعشرين، مع فقدان الحكومات اليسارية للسلطة، واعتبار خلفائها أنّ الكتلة شديدة الطابع الأيديولوجي.

يراهن كثير من المراقبين اليوم على أنّ تحوّلًا مماثلًا، ولكن هذه المرّة نحو اليمين، سيُفضي إلى موجة من السياسات الأكثر ملاءمة للأعمال في أنحاء أميركا اللاتينية. فبعد ما يُسمّى “العقد الضائع”، الذي لم تنمُ خلاله اقتصادات المنطقة بأكثر من واحد بالمئة سنويًا في المتوسّط بين عامَي 2014 و2023-وهو أبطأ معدّل نموّ بين الكتل الرئيسة في الأسواق الناشئة—يتعهّد عدد من السياسيين باتّباع نهج خافيير ميلي عبر خفض القيود التنظيمية وتقليص حجم الحكومة. وقد وصف رافائيل لوبيز ألياجا (Rafael López Aliaga)، عمدة ليما وأحد أبرز المرشّحين في انتخابات الپيرو، ميلي بأنّه “منقذ”. كما استعانت الصحفية اليمينية فيكي دافيلا (Vicky Dávila)، المرشّحة للانتخابات الرئاسية في كولومبيا عام 2026، بأكسل كايزر (Axel Kaiser)، المستشار السابق لميلي، للعمل ضمن حملتها الانتخابية (وكان شقيق كايزر، يوهانس كايزر (Johannes Kaiser)، مرشّحًا يمينيًا في انتخابات تشيلي عام 2025). أمّا خوسيه أنطونيو كاست (José Antonio Kast)، المرشّح المحافظ في جولة الإعادة للانتخابات التشيلية في كانون الأوّل/ديسمبر، فقد تعهّد بخفض الإنفاق الحكومي بمقدار 21 مليار دولار، إلى جانب تبسيط الإجراءات البيروقراطية، وهي خطّة قال إنّها ستساعد تشيلي على تحقيق نموّ اقتصادي سنوي بنسبة 4 بالمئة، أي ضعف معدّل النموّ في السنوات الأخيرة.

غير أنّ تاريخ أميركا اللاتينية الحديث حافل بإجراءات التقشّف وخطط تشجيع الاستثمار التي انتهت إلى الفشل، إمّا بسبب الاضطرابات الاجتماعية أو نقص الدعم السياسي. كما يخاطر المستثمرون بالمبالغة في تقدير قدرة أيّ سياسي على تجاوز التحدّيات الهيكلية الطويلة الأمد في المنطقة، مثل تدنّي مستويات التعليم والإنتاجية. ومع ذلك، تفاعلت الأسواق المالية مع احتمالات التغيير بحماس لافت؛ إذ ارتفع أحد المؤشّرات التي تحظى بمتابعة دقيقة، والذي يتتبّع أسعار الأسهم في أميركا اللاتينية، بأكثر من 30 بالمئة في عام 2025، في إشارة إلى توقّعات بزيادة وتيرة النموّ الاقتصادي وتحسّن أرباح الشركات في ظلّ قادة يميلون إلى اليمين. ويرى كثيرون أنّ وجود عدد أكبر من القادة المؤيّدين للسوق على رأس السلطة قد يمكّن المنطقة من استثمار إمكاناتها على نحوٍ أفضل كمورّد للمعادن الحيوية، بما في ذلك الليثيوم والمعادن الأرضية النادرة، فضلًا عن النفط والغاز. وفي هذا السياق، أعلن سام ألتمان (Sam Altman)، الرئيس التنفيذي لشركة “OpenAI”، في تشرين الأوّل/أكتوبر عن خطط للاستثمار في مراكز بيانات متعلّقة بالذكاء الاصطناعي ومشاريع أخرى في الأرجنتين، قد تصل قيمتها الإجمالية في نهاية المطاف إلى 25 مليار دولار، وهو ما يعكس الحماس الواسع في وادي السيليكون لميلي ونمط سياساته الاقتصادية عمومًا.

قد تتّخذ أميركا اللاتينية ذات التوجّه اليميني موقفًا أكثر تشكّكًا تجاه الصين وتميل بدرجة أكبر نحو الولايات المتحدة. وكان جيل سابق من القادة المحافظين مترددًا في الاختيار بين القوتين العظميين؛ إذ تُعد الصين أكبر شريك تجاري للعديد من دول أميركا اللاتينية، بما في ذلك البرازيل وتشيلي والپيرو وأوروغواي، بينما تظل الولايات المتحدة أكبر مستثمر في المنطقة بفارق كبير. غير أنّ إدارة ترامب كثفت الضغط على الحلفاء للابتعاد عن بكين، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بالاستثمار الصيني في مجالات تعد حساسّة محتملة مثل الاتصالات والبنية التحتية للموانئ. وقد وصف وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت (Scott Bessent) حزمة الإنقاذ الأخيرة للأرجنتين بأنّها محاولة صريحة لمواجهة النفوذ المتزايد لبكين، معتبرًا إيّاها جزءًا من “مبدأ مونرو الاقتصادي” الجديد، في إشارة إلى الفكرة التي تعود إلى القرن التاسع عشر والقائلة إنّ القوى الخارجية غير مرحّب بها في نصف الكرة الغربي. وتكهّن بعض المراقبين بأنّ واشنطن ربما فرضت شروطًا على تلك المساعدات، من بينها مطالبة بوينس آيرس بتقليص أو إنهاء عقد إيجار بكين لمحطّة فضائية في جنوب الأرجنتين، تعتقد الولايات المتحدة أنّها قد تُستخدَم عسكريًا في نهاية المطاف. وعلى نطاقٍ أوسع، يبدو أنّ ترامب عازم على توجيه رسالة مفادها أنّه سيكافئ الحلفاء في أميركا اللاتينية بالمساعدات والمزايا الأخرى، في مقابل معاقبة الحكومات المعادية بالتعريفات الجمركية والعقوبات. ويبقى السؤال ما إذا كانت موجة جديدة من القادة ستستجيب لمثل هذه الحوافز أم ستواصل التمسّك بموقف عدم الانحياز.

وقد تعرّف جيلٌ من القادة اليساريين، منذ تسعينيات القرن الماضي، بعضهم إلى بعض على نحوٍ شخصي في فعاليات مثل منتدى ساو باولو، وهو مؤتمر للجماعات اليسارية أسّسه حزب العمّال البرازيلي، ما ساعد لاحقًا على تنسيق جهودهم إقليميًا. واليوم، يعمل كثير من المنتمين إلى “اليمين الجديد” في أميركا اللاتينية على بناء علاقات وثيقة مماثلة، من خلال فعاليات من قبيل مؤتمر العمل السياسي المحافظ، الذي انطلق في الولايات المتحدة في سبعينيات القرن الماضي، ثم انتشر إلى المنطقة في السنوات الأخيرة. ومن بين الضيوف خافيير ميلي ونجيب بُقيلة وأفراد من عائلة بولسونارو، إضافةً إلى خوسيه أنطونيو كاست من تشيلي. ويتفاءل بعض المراقبين في المنطقة بأن تُفضي هذه الروابط الاجتماعية إلى قدرٍ أكبر من التنسيق في قضايا مثل التجارة والبنية التحتية ومكافحة الجريمة المنظّمة.

وأخيرًا، قد يؤدي هذا التحول إلى تغييرات جذرية في طيفٍ واسعٍ من القضايا الأخرى أيضًا؛ فمن المرجح أن تكون أميركا اللاتينية الأكثر محافظة أقلّ اهتمامًا بتغير المناخ أو إزالة الغابات في الأمازون، ولا سيما إذا عاد اليمين إلى السلطة في البرازيل. وقد يسعى بعض قادة اليمين كذلك إلى إغلاق حدود بلدانهم أمام مزيد من الهجرة؛ إذ اقترح كاست بناء حاجز حدودي على غرار الولايات المتحدة، وترحيل المهاجرين غير النظاميين من هايتي وفنزويلا وأماكن أخرى. كما قد تكتسب القضايا الاجتماعية، مثل الإجهاض، وزنًا أكبر في السياسات الوطنية، في ظلّ تزايد نسبة الناخبين المسيحيين الإنجيليين في البرازيل وعدد من بلدان المنطقة. وفي إشارة محتملة إلى ما قد يحمله المستقبل، أسهم ميلي في تموز/يوليو في افتتاح أكبر كنيسة إنجيلية في الأرجنتين، تتّسع لعشرة آلاف شخص. وفي خطابه أمام المؤمنين، استشهد بالكتاب المقدّس، وماكس ڤيبر (Max Weber)، والاقتصادي المحافظ توماس سويل (Thomas Sowell)، لشرح الكيفية التي أثّرت بها “القيم اليهودية المسيحية” في سياسات حكومته.

في الواقع، تُعد أميركا اللاتينية اليوم منطقة لا يبدو فيها نبرةُ بعض الأحداث السياسية ولا مضمونها غريبين لو وقعا في تكساس أو نبراسكا؛ إذ يتحدّث قادة سياسيون بارزون بإشادة عن الانضباط المالي وحملات الشرطة القمعية، فيما يبدو أنّ المطالب بالعدالة الاجتماعية قد جرى تجاوزها، على الأقل في الوقت الراهن، بخطابٍ حادّ موجَّه ضد تجّار المخدّرات “الإرهابيين” والديكتاتوريين “الاشتراكيين”. وإذا تمكَّن جيل اليوم من قادة اليمين من الوصول إلى السلطة والحفاظ عليها، فإنّهم يعتقدون أنهم قادرون على خلق أميركا لاتينية تتخلص من سمعتها العالمية السيئة المرتبطة بالجريمة والركود الاقتصادي، وتتعاون تعاونًا أوثق مع الحكومات ذات التوجهات المماثلة في الولايات المتحدة وأوروبا، وتغدو في نهاية المطاف آمنة وازدهارًا – بحيث يرغب مواطنوها البقاء فيها بدلًا من البحث عن حياة أفضل في مكان آخر. لن يكون ذلك ثورة بالمعنى الذي استخدمه كاسترو في السابق، لكنّه سيكون، على أي حالٍ، تغييرًا جذريًا.

Share This Article