في “مسافر يطا”.. حياة بتوقيت الإحتلال ونخرج إلى الأرض كأننا نودّعها

المسار: في ساعات الصباح الأولى، لا يبدأ اليوم في “مسافر يطا” جنوبي الخليل كما يبدأ في القرى الفلسطينية الأخرى. هنا، يسبق القلق صياح الديك، ويخرج السكان من بيوتهم وهم يتهيأون للأسوأ قبل أن يخططوا لأي شيء آخر.
تعيش التجمعات السكانية في المنطقة على هامش حياة غير مستقرة، حيث تتحول التفاصيل اليومية إلى معركة صامتة؛ فالطرق قد تُغلق في أي لحظة، والمراعي تُصادر فجأة، والبيوت تبقى مهددة بالهدم حتى وهي مأهولة بأصحابها.

الهذالين: نخرج إلى الأرض كأننا نودّعها

يقول المزارع عزام الهذالين (50 عامًا): “نخرج إلى الأرض وكأننا نودّعها. لا نعرف إن كنا سنعود إليها غدًا أم لا، بسبب الانتهاكات المستمرة من جنود الاحتلال والمستوطنين”.

ويضيف في حديثه : “التضييق هنا مستمر ومتعدد الأشكال؛ من منع الرعي، إلى ملاحقة الأهالي، والاستيلاء على المواشي، وحرق المزارع، وصولًا إلى التدريبات العسكرية التي تُجرى على مرأى من السكان”.

ويشير الهذالين إلى أن هجمات المستوطنين على المنازل باتت شبه يومية، ما يجعل الأطفال يعيشون في حالة خوف دائم، مضيفًا: “هنا يكبر الأطفال أسرع من أعمارهم”.

صالح: النساء يتحملن العبء الأكبر
من جهتها، تقول السيدة عهود صالح إن أبناءها يذهبون إلى مدارسهم وهم يحفظون الطرق البديلة تحسبًا لإغلاق الطرق الرئيسية.
وتوضح لـ”قدس برس”: “يتعلمون الصمت أكثر مما يتعلمون الدروس، بسبب ما يواجهونه يوميًا”.

وتتابع: “عاد بعضهم أكثر من مرة أدراجه لأن الطريق أُغلق، أو لأن وجود الجنود جعل المرور غير مسموح، أو لأن مزاج المستوطنين اليوم هو منع الحركة حتى أمام المنازل”.

وترى صالح أن النساء في “مسافر يطا” يتحملن العبء الأكبر، بين رعاية الأطفال، وتأمين المياه، ومحاولة الحفاظ على ما تبقى من استقرار داخل البيت.

وتختم حديثها: “نعيش في حالة ترقّب دائم. أصبح يومنا يُرتّب وفق المزاج العسكري لا وفق حاجاتنا. ورغم كل ذلك، سنواصل الصمود في منازلنا وأرضنا”.

تصاعد هجمات المستوطنين
تشير معطيات صادرة عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا” إلى تصاعد ملحوظ في هجمات المستوطنين على تجمعات *مسافر يطا* خلال السنوات الأخيرة.

فمنذ مطلع عام 2021 وحتى بداية 2025، وُثّق أكثر من 180 اعتداءً نفذها مستوطنون ضد السكان الفلسطينيين في المنطقة، شملت اعتداءات جسدية، وتخريب ممتلكات، واقتحام أراضٍ ومنازل.

وخلال عام 2025 وحده، سجلت المؤسسات الحقوقية ما لا يقل عن 22 هجومًا في “مسافر يطا”، أسفرت عن إصابة 17 فلسطينيًا، بينهم ستة أطفال، إضافة إلى أضرار مادية طالت عشرات أشجار الزيتون ومركبات وممتلكات زراعية.

وتُظهر المقارنة الزمنية ارتفاعًا حادًا في وتيرة الهجمات؛ فبعد أن كانت المنطقة تشهد هجومًا أو اثنين شهريًا، بات المعدل يصل إلى خمسة أو ستة اعتداءات شهريًا منذ عام 2023، في سياق تصعيد أوسع تشهده الضفة الغربية، خصوصًا في المناطق المصنفة “ج”.

وتندرج هذه الاعتداءات ضمن نمط أوسع من العنف؛ إذ وثّقت الأمم المتحدة أكثر من 1,700 هجوم للمستوطنين في الضفة الغربية خلال عام 2025، مع تركّز لافت في مناطق الخليل ونابلس ورام الله، وكانت “مسافر يطا” من أكثر المناطق تضررًا بفعل طبيعتها الزراعية ووجود تجمعات سكانية مهددة بالتهجير.

عن قدس برس

Share This Article