المسار :أصدرت الدائرة القانونية في الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين تقريرها القانوني الدوري السابع، الذي يوثق جملة من أخطر الانتهاكات الإسرائيلية المرتكبة خلال شهر كانون الثاني/يناير 2026، في سياق حرب الإبادة المستمرة على قطاع غزة، وما رافقها من استهداف ممنهج للعمل الإنساني والمنظومة الدولية، وفرض تشريعات تمييزية ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
ويرصد التقرير، استناداً إلى بيانات صادرة عن الأمم المتحدة وتقارير حقوقية دولية، تصعيداً خطيراً في السياسات الإسرائيلية الهادفة إلى خنق العمل الإنساني، وتقويض الحصانة الدولية، وتكريس نظام فصل عنصري، في ظل تحذيرات دولية متزايدة من أن استمرار الإفلات من العقاب يشكل تهديداً مباشراً للقانون الدولي والنظام العالمي القائم على المساءلة.
أولاً: خنق العمل الإنساني في قطاع غزة
أدانت الأمم المتحدة وعدد واسع من المنظمات الدولية قرار إسرائيل تعليق عمل 37 منظمة إنسانية دولية في قطاع غزة، ووصفت هذه الإجراءات بأنها تعسفية وغير قانونية. واعتبر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان أن هذه التدابير “مشينة” وتشكل انتهاكاً فاضحاً لالتزامات إسرائيل بموجب القانون الدولي الإنساني.
وأكدت وكالات أممية أن السماح بوصول المساعدات الإنسانية يُعد التزاماً قانونياً غير قابل للتعليق بموجب اتفاقيات جنيف، فيما طالبت مؤسسات حقوقية فلسطينية ودولية المحكمة الجنائية الدولية بإدراج جريمة منع المساعدات والتجويع كوسيلة حرب ضمن ملفات التحقيق الجارية.
—
ثانياً: استهداف الأونروا وتقويض الحصانة الأممية
شهدت الفترة المشمولة بالتقرير تصعيداً خطيراً ضد وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، من خلال تعديلات تشريعية إسرائيلية تهدف إلى تعطيل عمل الوكالة، وقطع الكهرباء والمياه عن منشآتها، ومصادرة ممتلكاتها.
وبلغ هذا التصعيد ذروته بهدم مقر الأونروا في حي الشيخ جراح بالقدس الشرقية، في سابقة خطيرة تمثل اعتداءً مباشراً على الحصانة الأممية. وقد أدان الأمين العام للأمم المتحدة هذه الخطوة، فيما حذّر المفوض العام للأونروا من أن استهداف الوكالة اليوم قد يطال غداً أي منظمة دولية أخرى في حال استمرار غياب المساءلة. كما أصدرت 11 دولة بياناً مشتركاً أدانت فيه الهدم وطالبت بوقف فوري لهذه الانتهاكات.
–
ثالثاً: تشريعات عنصرية وتهديد بالقتل القانوني
حذّر التقرير من خطورة مشاريع القوانين الإسرائيلية التي تطرح عقوبة الإعدام بحق الفلسطينيين في ظروف محددة، معتبراً أنها تمثل شكلاً من أشكال “القتل القانوني”. وقد أثارت هذه المشاريع موجة إدانة أممية واسعة، حيث أكد مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك أنها تنتهك بشكل صارخ القانون الدولي الإنساني واتفاقية جنيف الرابعة.
رابعاً: توصيف متزايد لنظام فصل عنصري (أبارتهايد)
أشار التقرير إلى ما ورد في تقرير رسمي صادر عن مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، أكد وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن إسرائيل تمارس نظام فصل عنصري في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية. وخلص التقرير الأممي إلى أن هذه السياسات تهدف إلى الإبقاء على الهيمنة والاضطهاد بشكل دائم، في انتهاك مباشر للاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري.
خامساً: تحركات قانونية دولية متصاعدة
وثّق التقرير تصاعداً غير مسبوق في التحركات القانونية الدولية ضد مسؤولين وجنود إسرائيليين، شملت دعاوى جنائية في النمسا واليونان والنرويج، إضافة إلى محاولات لمنع دخول شخصيات إسرائيلية إلى كندا. وفي هذا السياق، ألغى رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو مشاركته في منتدى دافوس، عقب تأكيد سويسرا التزامها بتنفيذ مذكرة التوقيف الصادرة بحقه عن المحكمة الجنائية الدولية.
سادساً: غزة بعد “وقف إطلاق النار”
رغم الإعلان عن وقف لإطلاق النار، أكدت الأمم المتحدة مقتل أكثر من 216 فلسطينياً، بينهم عشرات الأطفال والنساء، إضافة إلى وفيات ناجمة عن البرد وانهيار المأوى والخدمات الأساسية. وأشارت التقارير الأممية إلى أن أكثر من مليون شخص بحاجة عاجلة إلى مأوى، فيما تواجه نحو 230 ألف امرأة وفتاة قيوداً خطيرة على خدمات الصحة الإنجابية.
خلاصة
يخلص التقرير إلى أن ما يجري في الأرض الفلسطينية المحتلة لم يعد مجرد انتهاكات ميدانية متفرقة، بل يمثل هجوماً منظماً على القانون الدولي، والعمل الإنساني، وحصانة الأمم المتحدة. وتحذر الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان من أن استمرار الإفلات من العقاب يهدد بتقويض النظام الدولي برمته، ويحوّل الصمت الدولي من عجز إلى شكل من أشكال التواطؤ.

