كتب م. غسان جابر… شارع الشهداء في الخليل: شارع تحوّل من قلب المدينة إلى قلب القضية

المسار : في مدن العالم، الشوارع الرئيسية تعني الحياة. تعني ضجيج الباعة، رائحة الخبز الطازج، وجوه الناس، وحكايات العابرين.

أما في الخليل… فهناك شارع رئيسي يعني الغياب.

شارع الشهداء ليس مجرد طريق بطول كيلومتر ونصف يربط شمال الخليل بجنوبها؛ إنه مرآة مكثفة للقضية الفلسطينية نفسها: أرض حية أُغلقت، اقتصاد نابض خُنق، وسكان باقون يُعاقَبون لأنهم ببساطة… موجودون.

حين كان الشارع مدينةً داخل مدينة

قبل عام 1967، كان شارع الشهداء الشريان التجاري الأهم في قلب الخليل القديمة.

نحو 400 محل تجاري مصطفّة على جانبيه:

محلات أحذية، أقمشة، حدادة، مواد غذائية، أسواق جملة، بسطات، ورش صغيرة، تجار من كل العائلات.

هناك كانت محطة الحافلات المركزية (الكراج)، وسوق الخضار، ومقر الشرطة.

كان الطريق الطبيعي المؤدي إلى الحرم الإبراهيمي الشريف، أي أنه جمع بين الاقتصاد والدين والحياة اليومية في مشهد واحد متكامل.

لم يكن شارعاً… بل نبضاً.

من مجزرة إلى عقاب جماعي

بعد مجزرة الحرم الإبراهيمي عام 1994، التي ارتكبها المستوطن المتطرف باروخ غولدشتاين، كان المتوقع أن تُفرض القيود على المعتدين.

لكن الذي حدث كان العكس تماماً.

أُغلق شارع الشهداء تدريجياً أمام الفلسطينيين، ثم أُفرغ من سكانه وتُجّاره، وتحول إلى ممر مخصص للمستوطنين، بينما أُغلقت مئات المحلات بأوامر عسكرية.

لاحقاً، ومع بروتوكول الخليل 1997، أصبح الشارع ضمن منطقة H2 الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية الكاملة.

ومع اندلاع الانتفاضة الثانية، مُنعت المركبات الفلسطينية، ثم مُنع المشاة أيضاً في أجزاء واسعة منه.

النتيجة؟

الشارع الوحيد في العالم الذي يُمنع أصحابه من السير فيه لأنهم ليسوا مستوطنين.

أرقام الخسارة… حين يُغلق الاقتصاد بالأقفال العسكرية

إغلاق شارع الشهداء لم يكن قراراً أمنياً عابراً، بل زلزالاً اقتصادياً طويل الأمد:

إغلاق أكثر من 512 محلاً مباشرة

تضرر ما يزيد عن 1000 محل في البلدة القديمة

فقدان آلاف العمال مصادر دخلهم

هجرة قسرية صامتة لعشرات العائلات

شلل أصاب أسواقاً تاريخية كاملة

ما كان مركزاً اقتصادياً حيوياً أصبح منطقة أشباح، أبوابها ملحومة، نوافذها مغلقة بالحديد، وكاميرات المراقبة تحرس الصمت.

الحياة تحت القيد

نحو 120 عائلة ما زالت تعيش في شارع الشهداء وتل رميدة.

حياتهم اليومية ليست طبيعية:

حواجز عسكرية ثابتة ومفاجئة

تفتيش وإهانات متكررة

اعتداءات مستوطنين تحت حماية الجيش

إغلاقات جماعية وحظر تجول، خصوصاً بعد 7 أكتوبر 2023

هناك أطفال يذهبون إلى مدارسهم عبر أسطح البيوت.

أمهات يحملن المشتريات عبر سلالم خلفية لأن الشارع “محظور”.

كبار سن يعيشون في بيوت تحولت إلى جزر معزولة داخل مدينتهم.

“افتحوا شارع الشهداء”… صرخة سنوية ضد النسيان

منذ عام 2010، تُنظَّم فعاليات ومظاهرات سنوية بعنوان “افتحوا شارع الشهداء”.

الرسالة بسيطة:

نريد أن نعود إلى بيوتنا ومحلاتنا وشارعنا.

لكن الرد يكون في كل مرة غازاً وقنابل صوت واعتقالات، بينما يبقى الشارع مغلقاً، وكأن المطلوب ليس فقط السيطرة عليه، بل كسر رمزيته.

هل يمكن فتح شارع الشهداء؟ حلول واقعية لا شعارات

فتح الشارع ليس مستحيلاً، لكنه يحتاج نقله من كونه قضية احتجاجية إلى ملف سياسي–قانوني منظم.

أولاً: تحويله إلى قضية قانونية دولية

شارع الشهداء يمثل نموذجاً واضحاً لـ:

العقاب الجماعي

التمييز على أساس الهوية

انتهاك حرية الحركة والعمل والسكن

يمكن توثيق الملف قانونياً ورفعه عبر:

مجلس حقوق الإنسان

المحكمة الجنائية الدولية (ضمن سياق الاستيطان)

محاكم دول أوروبية وفق مبدأ الولاية القضائية العالمية

الهدف ليس قراراً فورياً، بل تراكم قانوني يحرج الاحتلال ويقيد حركته.

ثانياً: الضغط الدبلوماسي الموجه

بدلاً من البيانات العامة، يمكن:

مطالبة الدول التي تدّعي دعم حل الدولتين بزيارات رسمية لشارع الشهداء

ربط أي تمويل دولي لمشاريع في الخليل بضرورة احترام حرية الحركة في البلدة القديمة

إدراج الشارع في تقارير رسمية دورية كسابقة خطيرة للفصل العنصري الحضري

الاحتلال يتحسس من العزلة السياسية أكثر مما يتحسس من الشعارات.

ثالثاً: إعادة تعريف الشارع كقضية “حق مدني”

بدلاً من طرحه فقط كقضية وطنية، يمكن تقديمه دولياً كقضية:

حق في العمل

حق في السكن

حق في حرية الحركة

هذه اللغة يفهمها العالم أسرع من اللغة السياسية المجردة.

رابعاً: إحياء الوجود الفلسطيني حوله

حتى قبل فتحه كاملاً، يمكن:

دعم مشاريع سكنية وترميم بيوت في محيطه

دعم الحرفيين للعودة إلى البلدة القديمة

تحويل المناطق المحيطة إلى مراكز جذب سياحي وثقافي

الفكرة: كسر هدف الاحتلال بجعل المكان يموت بصمت.

شارع الشهداء… معركة قانون أم معركة وقت؟

نعم، يمكن أن يتحول شارع الشهداء إلى معركة قانونية بامتياز، بل يجب ذلك.

لأن المعركة الميدانية وحدها لا تكفي، والاحتجاج وحده لا يفتح الأبواب الملحومة.

القانون لا يفتح الشارع غداً، لكنه:

يوثق الجريمة

يراكم الإدانة

يحوّل الإغلاق من “إجراء أمني” إلى انتهاك مثبت بالأدلة

وهنا يخسر الاحتلال أهم سلاح لديه: الرواية.

نقول:

شارع الشهداء ليس مجرد شارع مغلق.

إنه سؤال مفتوح:

كيف يمكن لمدينة أن تتنفس ورئتها مغلقة؟

وكيف يمكن للعالم أن يتحدث عن “حياة طبيعية” بينما شارع كامل يُغلق لأن سكانه فلسطينيون؟

فتح شارع الشهداء ليس مطلباً خدمياً…

بل اختبار حقيقي لمعنى العدالة تحت الاحتلال.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر المسار

Share This Article