معهد بحوث الأمن القومي (INSS) 2/2/2026
مجلس السلام: مبادرة لقطاع غزة أم بديل للأمم المتحدة؟
بقلم: تامي كانر وبنينا شارفيت باروخ
مجلس السلام: من غزة إلى ولاية عالمية
لقد أُنشئ مجلس السلام كجزء من خطة الرئيس دونالد ترامب المكونة من 20 بندًا لإنهاء الحرب في قطاع غزة، والتي عُرضت في أيلول 2025، وكان الهدف منها أن تكون هيئةً لتنسيق ومراقبة تنفيذ الخطة. وقد استندت الخطة نفسها إلى قرار مجلس الأمن رقم 2803 الصادر في تشرين الثاني 2025، وحظيت بدعم واسع من معظم دول العالم، بما في ذلك جميع الدول الغربية التي رحبت بالقرار.
إلا أن النسخة الأخيرة من مجلس السلام، كما عُرضت في القمة الاقتصادية التي عُقدت في دافوس في كانون الثاني 2026، قوبلت بردود فعل متحفظة، بل ومعارضة شديدة من جهات عديدة في المجتمع الدولي. وينبع هذا الاعتراض من الفجوة بين الإطار الأصلي المحدود الذي وُضع للمجلس والترتيبات المنصوص عليها في الوثيقة التأسيسية (الميثاق)، والتي تحيد عن الولاية التي أنشأته، وتُنشئ تداخلًا، بل وتنافسًا مؤسسيًا مع الأمم المتحدة، وتمنح الرئيس ترامب، رئيس المجلس، سلطة مركزية واسعة.
أولاً وقبل كل شيء، يُثار جدلٌ مفاده أن إنشاء مجلس السلام بصيغته الحالية يُعدّ تجاوزاً للصلاحيات. فقد منح قرار مجلس الأمن رقم 2803 المجلس ولايةً محدودةً للتعامل مع إنهاء الصراع في قطاع غزة والسياق الإسرائيلي الفلسطيني. في المقابل، يُوسّع الميثاق صلاحياته كآلية عالمية لحل النزاعات خارج إطار الأمم المتحدة، دون الإشارة إلى غزة أو حصرها في هذا المجال. ويُنظر إلى هذا التوسع، في غياب قرار آخر من مجلس الأمن، على أنه انحرافٌ عن الولاية الممنوحة للمجلس والاتفاقيات التي شكّلت الأساس لدعم القرار.
إضافةً إلى ذلك، يبدو توسيع ولاية المجلس محاولةً لإنشاء آلية بديلة، وليست مجرد آلية تكميلية، للأمم المتحدة ومؤسساتها، التي ينصّ عليها ميثاق الأمم المتحدة باعتبارها الإطار المركزي لحفظ السلام والأمن في العالم. ورغم أن ميثاق مجلس السلام لا يذكر الأمم المتحدة صراحةً، إلا أنه يُشدّد على ضرورة الابتعاد عن “النهج والمؤسسات الفاشلة” وإنشاء هيئة دولية عملية “لبناء السلام”. يرى المعارضون أن مجلس السلام لا يُصلح إخفاقات النظام الدولي، بل يتجاوزه، في خطوة تُعتبر حلقةً أخرى في سياسة إدارة ترامب المُستمرة لإضعاف آليات الأمم المتحدة، إضافةً إلى الانسحاب من هيئاتها الرئيسية وخفض تمويلها. وقد لاقت هذه الخطوة معارضةً شديدة، لا سيما من الدول الغربية، لأنها تُقوّض ليس فقط مؤسسة الأمم المتحدة، بل أيضاً النظام العالمي متعدد الأطراف كما تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية، والذي تُوليه هذه الدول أهميةً بالغة.
كما وُجّهت انتقاداتٌ لآلية اختيار أعضاء المجلس. إذ يمنح ميثاق المجلس الرئيس ترامب سلطةً حصريةً لدعوة الدول للانضمام إليه، وتمديد العضوية، بل وحتى طرد الأعضاء الحاليين، فضلاً عن إنشاء المجلس التنفيذي والهيئات الفرعية الأخرى أو تغييرها أو حلّها. علاوةً على ذلك، فإن العضوية الدائمة في المجلس لأكثر من ثلاث سنوات مشروطةٌ بدفع مليار دولار. ووفقاً للمُنتقدين، فقد أدى ذلك إلى آلية عضوية انتقائية وغير متكافئة، قائمة على اعتبارات سياسية وشخصية واقتصادية. كل هذا، بالإضافة إلى العلاقة بالكيانات الاقتصادية التي عينها الرئيس ترامب في المجلس الاستشاري، يثير مخاوف بشأن إدخال اعتبارات تجارية وعناصر فساد في أنشطة المجلس.
ثمة قلق آخر يتعلق بتمركز السلطة في يد الرئيس ترامب، الذي يشغل منصب رئيس المجلس. فقد صيغ ميثاق المجلس بطريقة تجعله خاضعًا لسلطته بالكامل. ورغم أن قرارات المجلس تُتخذ بأغلبية بسيطة من الدول الأعضاء، إلا أنها تخضع لحق النقض (الفيتو) الذي يملكه الرئيس، والذي لا يُمكن تجاوزه إلا بأغلبية مؤهلة من الدول الأعضاء.
علاوة على ذلك، يُكرّس الميثاق تعيين دونالد ترامب شخصيًا رئيسًا للمجلس، وهو تعيين غير مشروط باستمرار ولايته الرئاسية. ولا تنتهي ولايته إلا باستقالته أو بعزله بالإجماع من جميع الدول الأعضاء. كما تم وضع آلية لخلافة ترامب تسمح له بتعيين خليفته. وبالإضافة إلى كون هذا التعيين الشخصي غير مقبول، فإنه يعني أن المجلس قد لا يُدار من قِبل الرئيس الحالي للولايات المتحدة، وهو ما يُثير الشكوك حول مكانته ونفوذه في تلك المرحلة.
استجابة المجتمع الدولي
نتيجةً لذلك، لم يتبقَّ في مجلس السلام سوى مجموعة صغيرة من الدول التي انضمت إليه لأسباب سياسية واقتصادية في المقام الأول، ورغبةً منها في الحفاظ على علاقات وثيقة مع واشنطن. أغلب هذه الدول غير ديمقراطية، وبعضها حتى من خصوم إسرائيل. من بين نحو 60 دولة تلقت دعوة شخصية من الرئيس ترامب للانضمام إلى المجلس، لم تستجب سوى 26 دولة حتى الآن. ومن بين الأعضاء: السعودية، والإمارات، وقطر، وتركيا، ومصر، والأردن، وإندونيسيا، والأرجنتين، والمجر، وبلغاريا. كما دُعيت إسرائيل وقبلت الدعوة، إلا أنها لم تحضر مراسم التوقيع في دافوس. أما روسيا والصين، اللتان لم تُبديا حماسًا لهيكل المجلس، الذي يُفترض أن يُخضعهما فعليًا للرئيس ترامب، فلم تُجيبا على الدعوة بعد. تجدر الإشارة إلى أن الرئيس ترامب ألغى دعوة كندا للمشاركة في مجلس السلام عقب الخطاب الحاد الذي ألقاه رئيس الوزراء الكندي في دافوس حول سلوك الولايات المتحدة على الساحة الدولية، وهي خطوة تُشير إلى وجود اعتبارات شخصية في دعوة الدول للانضمام إلى المجلس.
في المقابل، رفضت معظم الدول الغربية دعوة الانضمام إلى مجلس السلام، بما فيها بريطانيا وفرنسا وإسبانيا وألمانيا وإيطاليا. أيدت هذه الدول خطة ترامب المكونة من 20 بندًا والقرار 2803، الذي شكّل أساس إنشاء المجلس، نظرًا لقدرة ترامب على تحقيق وقف إطلاق النار، ولمصلحة أوروبا في استقرار قطاع غزة. إلا أنها غير مستعدة للانضمام إلى مجلس تتجاوز ولايته الاتفاقيات الأصلية، وتُعتبر خصائصه إشكالية. يُظهر رفض الدول الغربية عدم استعدادها للتوافق مع الإدارة الأمريكية ومنح الشرعية لآلية عالمية يُنظر إليها على أنها تتجاوز النظام العالمي متعدد الأطراف.
في ظل غياب الدعم من الأعضاء الدائمين الآخرين في مجلس الأمن، ودون تأييد يُذكر من الديمقراطيات الرائدة، الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة، تتضاءل شرعية المجلس الدولية، وتتقلص قدرته على ترسيخ نفسه كهيئة ذات سلطة واسعة. في الوقت نفسه، أوضحت الأمم المتحدة أن أي مشاركة لها في المجلس ستقتصر حصراً على سياق خطة ترامب لغزة، وفقاً لقرار مجلس الأمن. يُمثل هذا الموقف حداً واضحاً لمحاولة توسيع ولاية المجلس، ويُبرز عمق الخلاف المحيط بمستقبله، لا سيما مع وجود نية لتوسيع نطاق عمله ليشمل قضايا أخرى غير القضية الفلسطينية.
الآثار المترتبة على إسرائيل
كان انضمام إسرائيل إلى مجلس الأمن متوقعًا، نظرًا لطبيعة علاقاتها بإدارة ترامب، وتأثير المجلس المباشر على مصالحها. إضافةً إلى ذلك، يُعدّ المجلس خيارًا مفضلًا لإسرائيل على هيئات الأمم المتحدة التي دأبت على تبني مواقف معادية لها، وقد يُشكّل ثقلًا موازنًا للأطر الدولية التي تُعتبر تقييدية، حتى وإن لم يُصبح بديلًا حقيقيًا للأمم المتحدة.
فيما يتعلق بقطاع غزة، يمنح انضمام إسرائيل إلى المجلس نفوذًا على تصميم آليات الأمن وإدارة القطاع، مع السعي في الوقت نفسه إلى الحد من المخاطر الأمنية والعملياتية، والحفاظ على قناة تنسيق مباشرة مع واشنطن. مع ذلك، فإن تركيبة الدول الأعضاء، وانضمام دول مثيرة للجدل إلى المجلس، كتركيا وقطر وحتى السعودية، قد يُؤدي إلى عزلة إسرائيل عند اتخاذ القرارات، ويُشكّل ضغطًا سياسيًا على قضايا حساسة، منها حرية العمل العسكري، وخطوط وتوقيت انسحاب الجيش الإسرائيلي، وتنفيذ عملية التسريح، وخطة إعادة الإعمار. يصدق هذا الأمر بشكل خاص في الحالات التي تتباين فيها مواقف إسرائيل مع مواقف الولايات المتحدة.
وبغض النظر عن القرارات المتعلقة بقطاع غزة، ومع توسع نطاق عمل مجلس السلام ليشمل نزاعات أخرى تتعلق بإسرائيل، مثل تصاعد التوترات مع سوريا ولبنان ودول أخرى في المنطقة، يبقى مدى تأثيره الفعلي على إسرائيل غير واضح في هذه المرحلة. فمن جهة، ونظرًا لاعتماد إسرائيل الكبير على الولايات المتحدة، يُتوقع منها الاستمرار في تبني مواقف الرئيس ترامب، الذي يُعدّ العامل الحاسم داخل المجلس أيضًا. ومن جهة أخرى، فإن مجرد وجود آلية متعددة الأطراف أخرى، إلى جانب هيئات الأمم المتحدة التي لا تزال قائمة، قد يُقيّد حرية إسرائيل الدبلوماسية ويُحدّ من نطاق المزايا والمرونة المتاحة لها في التعاملات الثنائية.
ويزداد هذا الأمر تعقيدًا بسبب تكوين المجلس، الذي يضم دولًا إقليمية ذات مصالح لا تتداخل مع مصالح إسرائيل. في الحالات التي تنشأ فيها مصالح اقتصادية أو استراتيجية مشتركة بين هذه الدول والولايات المتحدة، ثمة خطر من أن تجد إسرائيل نفسها معزولة داخل مجلس السلام، وأن تُجبر على التعامل مع ضغوط أو قرارات لا تتوافق مع مواقفها. إن غياب دول غربية رئيسية، كألمانيا وإيطاليا وبريطانيا، سيزيد من إضعاف قدرة إسرائيل على بناء ثقل موازن داخلي في المجلس، حتى في الحالات التي تتداخل فيها مصالحها مع مصالح هذه الدول بشكل واضح.
علاوة على ذلك، فإن مشاركة إسرائيل في المجلس تضعها في صف ترامب، وفي نفس المجموعة مع دول تُعتبر أقل ديمقراطية، مما يزيد من ابتعادها عن الدول الغربية.
الآثار المترتبة على تنفيذ الخطة في قطاع غزة
يُعدّ مجلس السلام الهيئة العليا التي تُوجّه جميع الآليات المُخصصة لتنفيذ خطة تسريح وإعادة تأهيل قطاع غزة، بما في ذلك المجلس التنفيذي لغزة، ولجنة التكنوقراط الفلسطينيين، وقوة الاستقرار الدولية. في هذا السياق، يبرز التساؤل حول التداعيات المحتملة لتقويض شرعية مجلس السلام كهيئة عالمية، فيما يتعلق بتنفيذ خطة غزة، التي تُدار فعلياً من خلال المجلس.
فور طرح الخطة المكونة من عشرين بنداً، وُجهت إليها انتقادات واسعة من قبل الرأي العام والسياسي، بدعوى أنها تُصوّر الصراع في غزة كمشكلة إدارية وأمنية واقتصادية، متجاهلةً البُعد الوطني السياسي للصراع الإسرائيلي الفلسطيني، فضلاً عن غياب أفق سياسي متفق عليه. وقد اشتدت هذه الانتقادات مع الكشف عن خطة إعادة الإعمار التي قدمها جاريد كوشنر في منتدى دافوس، والتي وصفها منتقدوها بأنها “منفصلة عن الواقع” وتخدم مصالح تجارية خارجية على حساب الشعب الفلسطيني. ويُصعّب غياب مشاركة دول غربية رئيسية في مجلس السلام إيجاد إطار من الشرعية الدولية يُمكنه احتواء هذه الانتقادات أو تخفيف حدتها.
أما فيما يخص التعاون الفعلي في تنفيذ الخطة في غزة، فالصورة ليست بهذه البساطة. من جهة، لا يستلزم عدم انضمام الدول الغربية إلى مجلس السلام انفصالها عن الخطة نفسها، إذ أن لهذه الدول مصلحة واضحة في تخفيف حدة الأزمة الإنسانية في قطاع غزة وتحقيق الاستقرار فيه، فضلاً عن منع التصعيد الإقليمي. ومن جهة أخرى، ثمة مخاوف من أن يُنظر إلى التعاون الوثيق على أنه شرط أساسي لنموذج مجلس السلام الواسع، الذي تعتبره هذه الدول تجاوزاً للنظام العالمي متعدد الأطراف. علاوة على ذلك، قد يُشكل نجاح المجلس في غزة سابقةً تُعزز موقفه وتشجع على توسيع نطاق أنشطته لتشمل مجالات أخرى، وهو سيناريو تسعى هذه الدول إلى تجنبه.
في ظل هذه الظروف، من المنطقي افتراض أن المشاركة الغربية ستظل محدودة وانتقائية: المشاركة في مشاريع المساعدات الإنسانية والبنية التحتية الملموسة، والعمل عبر قنوات الأمم المتحدة القائمة، مع تجنب الاندماج في الخطوات العامة لتنفيذ الخطة. ومع ذلك، على المدى القريب، لا يُتوقع أن يُلحق غياب الدول الغربية عن المجلس ضرراً كبيراً بالتنفيذ العملي لخطوات الخطة في غزة، إذ لن تُسند إليها أدوار مركزية في هيئات التنفيذ أو في التمويل الرئيسي على أي حال. مع ذلك، على المدى المتوسط والبعيد، يُثير الوضع الهش لمجلس السلام حالةً من عدم اليقين، وقد يُؤثر سلبًا على تنفيذ الخطة. من المتوقع أن يُعمّق فشل المجلس في غزة الانتقادات الدولية الموجهة إليه، ويُقلّل من رغبة الدول في دعمه، بينما قد لا يحظى النجاح إلا بشرعية جزئية يصعب الحفاظ عليها مع مرور الوقت. لذا، ورغم أن عواقب الرفض الدولي ليست فورية، إلا أنها تُلقي بظلالها على قدرة مجلس السلام على قيادة عملية مستقرة ومستدامة في قطاع غزة، لا سيما في الفترة التي تلي رئاسة الرئيس ترامب.
ملخص
يمثل مجلس السلام الذي أنشأه الرئيس ترامب محاولة أمريكية لإنشاء آلية بديلة للأمم المتحدة لإدارة النزاعات، إلا أنه يستند إلى شرعية دولية محدودة وهيكل مؤسسي مركزي وشخصي. ولا يعكس رفض الديمقراطيات الرائدة الانضمام إليه خلافًا تكتيكيًا محددًا، بل عدم قبول شرعية المجلس، نظرًا لأنه من المفترض أن يعمل خارج السياق الفلسطيني.
على المدى القريب، لا يُتوقع أن يُعرقل هذا الضعف تنفيذ بنود خطة النقاط العشرين في غزة بشكل كبير، والتي تعتمد أساسًا على الولايات المتحدة والجهات الفاعلة الإقليمية وآليات التنفيذ العملياتية. مع ذلك، على المدى المتوسط والبعيد، ولا سيما بالنظر إلى الطبيعة الشخصية للمجلس واعتماده على الرئيس ترامب، فإن تآكل شرعيته قد يُقلل من الرغبة في دعم العملية، ويُضعف قدرة آليات التنفيذ على الإنفاذ واستدامتها، ويُفاقم خطر أن يؤدي فشل المجلس أو تراجعه إلى “عودة الفلسطينيين”. “المسؤولية” التدريجية لإسرائيل عن قطاع غزة، سواء على أرض الواقع أو في التصور الدولي.
——————————————
هآرتس 2/2/2026
زمير بحث في الهجوم على ايران مع المسؤولين في واشنطن، ترامب: آمل في الاتفاق
بقلم: يونتان ليس وبن سموليس
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قال مساء امس بانه يامل ان تنجح ايران وبلاده في التوصل الى اتفاق. ترامب تطرق لتهديدات المرشد الإيراني علي خامنئي الذي قال امس بان أي هجوم على ايران سيؤدي الى حرب إقليمية. “نامل التوصل الى اتفاق، لكن اذا لم نتوصل فسنكشف اذا كان صادق أو لا”. رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو عقد مساء امس جلسة بشان التوتر مع ايران مع وزير الدفاع يسرائيل كاتس وكبار قادة جهاز الامن. النقاش كان استمرارية للمحادثات التي اجراها في واشنطن رئيس الأركان ايال زمير مع كبار قادة الجيش الأمريكي في نهاية الأسبوع بهدف تنسيق منظومة الدفاع بين إسرائيل والولايات المتحدة قبل الهجوم الأمريكي المحتمل على النظام في طهران.
“لماذا لا يقول شيء كهذا؟ من الواضح أنه سيقول. فقد ارسلنا اكبر واقوى السفن في العالم الى المنطقة، وأصبحت قريبة جدا”، قال ترامب للمراسلين في المنتجع في مار الاغو في فلوريدا وهو يتحدث عن خامنئي. وقال عراقجي في مقابلة انه “أنا أخشى من سوء التقدير والتحليل غير الصحيح، ولكني اعتقد ان الرئيس ترامب ذكي بما فيه الكفاية”.
دبلوماسي إيراني قال لـ “واشنطن بوست” بان “ايران منفتحة على مفاوضات تقوم على الاحترام، لكنها لن تبدأ بمحادثات في ظل تهديد عسكري امريكي”. وأضاف الدبلوماسي: “لا مجال للمفاوضات في الوضع الراهن. فشروط ترامب للمفاوضات غير منطقية ولا يمكن مناقشتها”. وفي سياق متصل صرح وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، لـ “سي.ان.ان” امس بانه واثق من قدرة بلاده على التوصل الى اتفاق مع أمريكا بشان الملف النووي وقال: “نحن فقدنا الثقة بالولايات المتحدة كشريك تفاوضي. لكن تبادل الرسائل من خلال الدول الصديقة في المنطقة رسخ دعائم الحوار مع الأمريكيين”.
لقد رفض الوزير الإيراني التعهد بموافقة ايران على اجراء محادثات مباشرة مع أمريكا وقال “ان الحوار يجب ان يركز على القضايا الجوهرية وليس على الشكل”. وعندما سئل عن المشروع الصاروخي لبلاده، وامتدادات ايران في اليمن وفي لبنان، قال عراقجي بان محور الحوار يجب ان يكون على المشروع النووي. وأضاف “ليس لدينا ما نتحدث عنه بشان أمور غير ممكنة. وبالتالي، نفقد فرصة التوصل الى اتفاق عادل وقابل للتنفيذ يضمن عدم وجود سلاح نووي. هذا هدف يمكن تحقيقه في فترة قصيرة نسبيا”. مع ذلك، كرر عراقجي تصريحاته التي أصدرها في الأسابيع الأخيرة والتي تفيد بان ايران مستعدة للحرب في حالة فشل المفاوضات. وقد قال: “الحرب ستكون كارثية على الجميع”، وأضاف بان القواعد الامريكية في المنطقة ستكون اهداف مشروعة للجيش الإيراني.
في مقابلة سئل عراقجي عن قمع المظاهرات في ايران فقال ان “عناصر إرهابية” حصلت على أوامر من دول اجنبية حرضت على العنف. وعندما سئل عن الأيام الثلاثة التي وصل فيها القمع العنيف الذروة الوحشية بحسب الشهادات والتقارير قال عراقجي: “نحن نعتبر هذه الأيام الثلاثة امتداد لحرب الـ 12 يوم، وهي عملية قادها الموساد من خارج البلاد، وبالطبع نحن اوقفنا هذه العملية”. أيضا قال عراقجي بانه لم تكن هناك نية لاعدام المتظاهرين أو شنقهم، وقال: “نحن نحرص على ان ينال كل شخص يعتقل حقوقه كاملة”.
عندما سئل ترامب امس هل قرر مهاجمة ايران أجاب: “البعض يعتقدون انني قد قررت بالفعل. والبعض لا يعتقدون ذلك. ربما لن اخبركم. لكن لدينا سفن ضخمة وقوية تتحرك في هذا الاتجاه. أنا آمل أن يقدموا عرض يمكننا الموافقة عليه”. في غضون ذلك زار رئيس الوزراء ووزير خارجية قطر، محمد آل ثاني، طهران امس والتقى مع رئيس مجلس الامن القومي الإيراني علي لاريجاني. وصرح آل ثاني بعد اللقاء بان الهدف منه هو “بحث الجهود المبذولة لتخفيف حدة التوتر في المنطقة”. وفي نفس الوقت اجرى الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، محادثات امس مع نظيره المصري عبد الفتاح السيسي.
——————————————
هآرتس 2/2/2026
مستوطنون سرقوا، احرقوا وضربوا سكانا في قريتين والجيش وقف جانبا
بقلم: متان غولان
حتى رحلة الكارثة الجماعية التي تستغرق ست ساعات تبدأ بخطوات قليلة لرجل واحد، خطوات مستوطن من مزرعة ناحل عداشا الى داخل قرية خربة حلاوة في مسافر يطا في جنوب الضفة الغربية. بعد ظهر يوم الثلاثاء في الساعة الخامسة مساء عاد المستوطن من رعي الأغنام في الوادي اسفل القرية. احد السكان قال: “جاء مع الأغنام ووقف بجانب بيتي. دائما احرص على تصويره عندما يأتي. وقد قال لي: لماذا تلتقط الصور؟ ثم هاجمني، لكمني على فمي وضربني بعصا واخذ هاتفي وحطمه”. اندلع شجار بين المستوطنين والسكان المحليين. وحسب بعض الشهادات فانه عندما بدأ القطيع يبتعد سمعوه وهو يرفع الهاتف. بعد فترة قصيرة وصل عشرات المستوطنين والجنود.
ما حدث في اعقاب هذا الحوار في قرية حلاوة، وفي القرية المجاورة بحيت وعلى التلة المجاورة ما زال، يصعب على السكان استيعابه. فقد اجلت منظمة الهلال الأحمر ثلاثة فلسطينيين لتلقي العلاج الطبي المستعجل، بينما تلقى آخرون العلاج في الميدان، وسرقت قطعان للاغنام، واشعلت النار في الممتلكات – كل ذلك حدث بينما كانت قوات الجيش الإسرائيلي تتركز في قرية حلاوة اثناء هذه الاضطرابات. وحسب شهادات السكان فقد وقف الجنود مكتوفي الايدي بينما نهبت قطعان الأغنام في حلاوة. وفي القرى المجاورة هاجم المستوطنون السكان واضرموا النار بالممتلكات. لم تصل القوات الا بعد ذلك. وحسب الجيش الإسرائيلي فقد بدأ الحادث في حلاوة بعد بلاغ من إسرائيلي يفيد بان فلسطينيين هاجموه وسرقوا بعض اغنامه، لكن البيان لم يذكر أي اجراء لاعادة الأغنام لاصحابها. وأكدت نجمة داود الحمراء بان راعي إسرائيلي تم اخلاءه لتلقي العلاج الطبي، وعلمت “هآرتس” انه عاد الى المزرعة بعد بضع ساعات وهو بصحة جيدة.
بعد ان استدعى المستوطن من وادي عداشا اصدقاءه، يقول سكان حلاوة: “وصل عدد من المستوطنين واقتادوا الرجال. وصفعوا كل واحد منهم واتهموه بالاعتداء على المستوطن وسرقة اغنامه”. وحسب اقوال السكان فقد كان المستوطنون يرتدون ملابس مدنية وكان احدهم يحمل بندقية والاخرون يحملون هراوات. وكان بعضهم ملثمون. وأضافوا بانه بعد فترة قصيرة وصلت سيارة بيضاء فيها أربعة جنود من الدفاع الإقليمي. بعد ذلك تم تجميع سكان حلاوة على الأرض وامروا بالجلوس هناك لثلاث ساعات.
بعد وقت قصير من ذلك وصل الجنود. وأفاد السكان بان نحو خمسين مستوطن آخر وصلوا الى حلاوة. وفي نفس الوقت تم استدعاء قوة تتكون من عشرات الجنود النظاميين الى الموقع. وحسب اقوال السكان فقد وصل الجنود الى المنطقة في الساعة 6:30 مساء، لكنهم لم يمنعوا عمليات النهب. وقالت احدى سكان حلاوة بانها شاهدت، حتى قبل وصولهم، خمسة مستوطنين يتقدمون من منطقة وادي عداشا نحو القرية. وقالت: “شاهدتهم يقتربون فاخذت الأولاد والرضيع الى عند الجيران”. وبقي قريبها احمد إسماعيل في بيتهم. “كان احمد يقف قرب مدخل الحظيرة المغلقة. صرخ عليه مستوطن ليفتحها. احمد رفض فهاجمه المستوطن بعصا ولكمه في وجهه واقتحم المستوطن الحظيرة. وقفنا حول احمد الذي كان مرمي على الأرض. قلت للجنود: اليس هذا حرام ان تاخذوا اغنامنا؟”.
خلال اقتحام المستوطنين تجمع رجال حلاوة في نقطة معينة، وأصيب إسماعيل في موقع الهجوم في البداية. نساء القرية في البداية تمكن من صد سارقي الأغنام، لكن المستوطنين تمكنوا لاحقا من اخذها. السكان قالوا انهم شاهدوا المستوطنين يقودون عشرات الأغنام سيرا على الاقدام باتجاه وادي عداشا.
حسب اقوال بعض السكان فقد حاول بعض الجنود في البداية منع المستوطنين من دخول الحظائر ولكنهم قوبلوا بالازدراء. وفي النهاية سمحوا لهم بالتصرف كما يحلو لهم. وأضاف السكان بانهم شاهدوا جندية تطلب من جنودها السماح للمستوطنين بالدخول. وقد قال احد السكان: “سمعت مستوطن يقول للجنود: اذا لم تتركوني افعل ما اريد فسافعله بدونكم. ثم فتح الجندي الذي حاول منعه في البداية الحظيرة لهم وبدأ المستوطن في اختيار افضل الأغنام. لقد اخذوا كل اغنام جاري”. ساكن آخر شهد بانه بعد بضع ساعات عند اقتراب نهاية عملية النهب، قالت الجندية للمستوطنين: “هيا، خذوا ما تريدون بسرعة”.
احدى سكان حلاوة حاولت إعادة اغنام إسماعيل مع بنته وداد، التي امسكت بها الجندية، قالت “المستوطنون رشوا غاز الفلفل في عينيها وحاولت النزول الى الوادي مع باقي النساء ولكنها لم ترى أي شيء. اخذناها الى البيت. بعد ان تحسنت حالتها خرجنا لنجلس مع والادها المصاب. منذ بداية الحادثة حاول الجندي وخمسة جنود تكبيله. قلت لهم بانه كبير في السن فبدأوا يسخرون منه. في نهاية المطاف لم يقوموا بتكبيله بل هاجموا وداد بعقب بندقية واعتقلوها”.
عند جيران إسماعيل الوضع كان مشابه. فقد اعتقلت فاطمة، ام لطفل رضيع عمره خمسة اشهر، وشهد جيرانها بان النساء تمكن من إعادة بعض الأغنام الى الحظيرة، لكن الجنود وضعوا خمس نساء منهن مع عشرة من أولادهن في غرفة مغلقة. وكلفوا جندي بحراسة المدخل. وقال زوج فاطمة انها حاولت اخبار الجندي بان اليهود ذبحوا الأغنام. وبحسب أقواله قال الجندي بان فاطة قالت اذبحوا اليهود”، ووصفها بـ “الإرهابية” و”حماس”، ثم هاجمها الجنود ورموها على الأرض وهي مكبلة اليدين. وأضاف الزوج بان مسعف من الهلال الأحمر حاول اسعافها ولكن الجنود طردوه.
في النهاية لخص السكان ما حدث في ان المستوطنين هربوا عشرات الأغنام سيرا على الاقدام، وتم تهريب عدد اكبر منها في شاحنات صغيرة وحملت على شاحنة اتجهت نحو مركز متسبيه يئير، على طريق يحتوي على مسار مخصص لسيارات الامن فقط. في الساعة العاشرة والنصف مساء رصد فلسطينيون شاحنة تقوم بتفريغ الأغنام في مستوطنة سوسيا القريبة.
في نفس وقت سرقة الأغنام من حلاوة، حوالي الساعة 6:40، اقتحم مستوطنون ملثمون القرية المجاورة خربة بحيت. فقد وصل المستوطنون في شاحنة صغيرة مزودة بشبكة على الصندوق الخلفي مناسبة لتحميل الأغنام. فور وصولهم هاجم المستوطنون محمد (48 سنة) وأمه (73 سنة) وابنته، ورشوا غاز الفلفل في بيت العائلة بينما كانت هي في داخله. قالت زوجة محمد ان العائلة سمعت صراخ في منطقة حلاوة وشاهدت سيارة متجهة نحوهم. “افترضنا انهم أناس جاءوا للمساعدة، لكن فجاة توقفت السيارة امام بيتنا. سلط محمد ضوء المصباح عليها ونزل ثلاثة اشخاص ملثمين من السيارة وبدأوا بمهاجمته. اخذت الأولاد الى غرفة يمكن اغلاقها وابنتي بقيت في الخارج مع حماتي، وبدات تصرخ”.
حسب اقوال الزوجة فقد دخلت ابنتها الى المنزل بعد ان ضربها مستوطن بعصا على مؤخرة راسها. “بقيت ام محمد في الخارج تصرخ بينما كان ابنها يتعرض للاعتداء امام عينيها. المستوطنون حاولوا اقتحام الباب وحطموا النافذة وزجاج السيارة ورشوا غاز الفلفل في الداخل”. رجال الهلال الأحمر نقلوا محمد لتلقي العلاج وهو في حالة ذهول. ونقل الى المستشفى وهو مصاب بنزيف دماغي وكسور في الجمجمة، أيضا نقلت امه وهي مصابة بكسور في الاضلاع واصابة في يدها وراسها.
على التلة القريبة تعيش بضع عائلات، وفي اليوم التالي لاقتحام المستوطنين عثر على حجر في احدى السيارات المحطمة. عندما وصل فريق “هآرتس” سارع السكان الى اغلاق البيوت حتى تاكد احد الأولاد من عدم وجود اقتحام آخر. قال احد سكان التلة: “شاهدنا سيارات متجهة الى حلاوة وسمعنا صراخ من قرية بحيت. تجمعنا نحو 20 امراة وطفل من ثلاث عائلات في غرفة يمكن اغلاقها، الرجال بقوا في الخارج للحراسة وبعضهم ذهبوا الى القرية المجاورة تبان بسبب إبلاغ عن اقتحام آخر”.
قبل الساعة السابعة مساء سمع سكان بحيت والتلة صوت رشق حجارة، احدى النساء قالت انهن سمعن شيء مثل الامطار. “المستوطنون احرقوا الأشجار التي نتدفأ عليها في الشتاء ونطبخ عليها. لقد حطموا النافذة ورشوا غاز الفلفل”، قالت. وحسب قولها استمر الاقتحام لبحيت اقل من عشر دقائق وعاد الرجال ركضا وطردوا المستوطنين. الفتى الذي تاكد من ان طاقم “هآرتس” لا يقوم باقتحام القرية قال ان المستوطنين الذين جاءوا في تلك الليلة قاموا بجولة مسبقة في الظهيرة في اليوم السابق. سكان آخرون قالوا انه يبدو ان كل شيء كان مخطط له من البداية.
في الجيش قالوا: “في يوم الثلاثاء ذهبت قوات للجيش الإسرائيلي الى منطقة قرية خربة حلاوة في اعقاب بلاغ عن فلسطينيين هاجموا مستوطن إسرائيلي وسرقوا بعض اغنامه وممتلكاته الشخصية. في نفس الوقت تم تلقي بلاغ عن إسرائيليين وصلوا الى قرية خربة بحيت وهناك تطور احتكاك في نقاط مختلفة. قوات الجيش الإسرائيلي وشرطة مركز الخليل عملت على تفريق الاشتباكات وإعادة النظام الى المكان”. حول توثيق الجنود في القرية اثناء سرقة الاغنام قالوا في الجيش: “ان تصرف قوات الجيش اثناء تفريق الاشتباكات في المنطقة، خاصة الادعاء بالمساعدة في سرقة الأغنام او الوقوف مكتوفي الايدي يتم التحقيق فيه”.
——————————————
إسرائيل اليوم 2/2/2026
المسألة الإيرانية ليست فقط مسألة نووي، صواريخ، او نظام بل مسألة مصداقية
بقلم: العميد تسفيكا حايموفيتش
على مدى اكثر من عقدين ومسألة النووي والصواريخ الإيرانية ترافق الخطاب الدولي، فيما أن الفجوة بين التصريحات الرسمية وبين الواقع على الأرض آخذة في التعمق. هذه الفجوة ليست فقط مسألة تحليل أو انعدام ثقة متبادلة، بل أصبحت استراتيجية منهاجية – سواء من جانب النظام الإيراني أم من جانب الاسرة الدولية، الولايات المتحدة وإسرائيل. بعد حرب الـ “12 يوما” في حزيران 2025، وجد الامر تأكيدا له. فالرئيس ترامب الذي اعلن عن أن المشروع النووي “دمر تماما” هو الرئيس ذاته الذي يدعو في الأسابيع الأخيرة ايران للوصول الى اتفاق لوقف المشروع النووي. وها هو نتنياهو إياه الذي يكثر من الحديث من حزيران الماضي عن أننا أزلنا تهديدا وجوديا” من جانب إيران على دولة إسرائيل، عاد ليؤكد في الأسابيع الأخيرة على أن الصواريخ الباليستية الإيرانية هي تهديد وجودي على دولة إسرائيل.
نمط إخفاء وتشويش
ايران تعود لتشدد على أن برنامجها النووي مدني فقط، وانا لن توافق على التنازل عن تخصيب اليورانيوم في نطاقها. في سياق الصواريخ زعمها هو ان هذه وسيلة دفاعية ضرورية، على حد نهجها في ضوء التهديد الذي يحدق بها من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل. بالمقابل يفيد الواقع بنمط ثابت من الاخفاء، التشويش والتقدم الزاحف نحو الحافة النووية (بما في ذلك تقارير أخيرة عن محاولات ترميم مواقع النووي التي تضررت في حزيران الماضي)، تقليص التعاون مع مراقبي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وتطوير أجهزة طرد مركزي متطورة. كل هذه تخرج عن احتياجات مدنية معقولة.
في مجال الصواريخ، تبرز الفجوة اكثر: ايران تستثمر مقدرات هائلة في تطوير صواريخ باليستية لمديات آخذة في الاتساع، بعضها ذات قدرة على حمل سلاح متطور. بين تحسينات الدقة، زيادة الفتك، توسيع المدى بين القارات وتجارب شاذة – من الصعب تسوية هذا التطور مع زعيم “حماية إقليمية”. لكن الفجوة ليست من نصيب ايران وحدها. الاسرة الدولية هي الأخرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة وإسرائيل تتميز بتفاوت دائم بين الاقوال والافعال، بين التصريحات والاعمال، من تحديد “خطوط حمراء” وانذار نهائي وحتى “كل الخيارات على الطاولة” و “صفر تسامح عن الخروقات”.
موجة الاحتجاج الأخيرة، التي جاءت بتزامن مفاجيء ودقيق مع محاولات إسرائيل حمل الولايات المتحدة على الموافقة على إزالة تهديد الصواريخ الباليستية رفعت مرة أخرى مستوى التصريحات. هذه المرة تترافق هذه التصريحات وحشد للقوات لم يسبق له مثيل من الولايات المتحدة ورفع مستوى الخطاب اللفظي الى تهديدات لم تسمع في المنطقة منذ زمن بعيد. احد لا يعرف كيف تنتهي الازمة الحالية، لكن الفجوة المتواصلة بين التصريحات وبين الواقع تشجع ايران على مواصلة سياسة “فحص الحدود”، تضعف مصداقية الردع الاقليمي والدولي. وتدفع الدول للتفكير في سباق تسلح خاص بها.
المسألة الإيرانية ليست فقط مسألة نووي، صواريخ، ثورة او نظام بل مسألة مصداقية. طالما لا تسند التصريحات بسياسة ثابتة وبافعال واضحة، الفجوة ستواصل الاتساع. في الشرق الأوسط مثل هذه الفجوات تميل لان تغلق ليس بالدبلوماسية بل بمواجهات عسكرية.
——————————————
يديعوت احرونوت 2/2/2026
ائتلاف غير المرئيين
بقلم: ناحوم برنياع
في مظاهرة ضد وباء القتل في المجتمع العربي، ليلة السبت في تل أبيب، رُفعت العديد من الأعلام السوداء. هنا وهناك، رُفع علم إسرائيلي أيضًا، في يد متظاهر يهودي. تجولت في ساحة هابيما طولًا وعرضًا. إن لم أكن مخطئًا، لم يكن هناك علم فلسطيني واحد. في أول مظاهرة احتجاجية ضد الانقلاب، التي جرت في الساحة نفسها قبل ثلاث سنوات، رُفعت عدة أعلام مماثلة. سمحت الصور للقنوات الحكومية بالادعاء بأن ما يقلق المتظاهرين ليس مصير الديمقراطية، بل مصير فلسطين. وقد أدت هذه الكذبة إلى ظاهرةٍ مُرحَّب بها: فمنذ ذلك الحين، امتلأت جميع المظاهرات، سواءً ضد الحكومة أو لصالحها، بالأعلام الإسرائيلية.
إن التوثيق – على التلفزيون والإنترنت – لا يُظهر لنا إلا ما هو موجود؛ أما التواجد في الموقع فيُتيح لنا ملاحظة ما هو غائب. وقد أوضح غياب الأعلام الفلسطينية حجم التغيير في أولويات المجتمع العربي. فالخطر على الحياة جسيمٌ للغاية، ومسؤولية الحكومة واضحةٌ وجليةٌ لدرجة أنه من المستحيل الاستمرار في سياسات الماضي. فالأنظار التي كانت مُوجَّهةً إلى رام الله أصبحت الآن مُوجَّهةً إلى القدس. كل شيء مُركَّز على قضيةٍ واحدة، على مأزقٍ واحد. رُفعت لافتاتٌ في المظاهرة المُناهضة للاحتلال وقتل المدنيين في غزة، لكن حامليها كانوا من اليهود اليساريين.
كانت هناك لافتاتٌ في المظاهرة ضد الاحتلال وقتل المدنيين في غزة، لكنها كانت من نصيب متظاهرين يهود يساريين.
لهذا التغيير معنى سياسي عظيم.
في نهاية عامٍ شهد رقماً قياسياً في جرائم القتل – 252 جريمة في العام 2025 و23 كانون الثاني هذا العام – يبدو أن كل مواطن عربي يُدرك أن الحكومة الحالية، في أحسن الأحوال، تتخلى عنه، وفي أسوأ الأحوال، تُعتبر شريكة في الجريمة. يعلم أن سلامة الفلسطيني في نابلس والخليل، فضلاً عن عمّان في الأردن، أهم من سلامته في سخنين ووادي عارة، ومن سلامة زوجته، ومن سلامة أطفاله. يعلم الهوة السحيقة التي تفصل بين الطيرة وكفار سابا، وبين الناصرة ونوف هجليل. يعلم أن ولاية أخرى لبن غفير في الشرطة ونتنياهو في الحكومة لن تُؤدي إلا إلى تعميق هذه الهوة.
الحكومة الحالية مُحصّنة ضد الاحتجاجات. فبعد أن تعلمت التغريد عن احتجاجات عائلات المختطفين، لن تُثير احتجاجات المواطنين العرب أي اهتمام. تكمن أهمية الاحتجاج في الرسالة التي يوجهها إلى الداخل، إلى المجتمع العربي، وإلى معارضي الحكومة في الرأي العام اليهودي.
ماذا تقول لمليوني مواطن عربي في إسرائيل؟ تقول، في ظل تصاعد الجريمة، أمامكم خياران. الأول هو العدمية: الهجرة إلى الخارج، والتحصن في الداخل، والاستسلام للخاوة، وفقدان كل ثقة وأمل في أن تفعل الدولة شيئًا حيال شؤونكم؛ والثاني هو الواقعية: استنفاد كل ما تقدمه لكم العملية الديمقراطية، وربما للمرة الأخيرة، والتوجه بأعداد غفيرة إلى صناديق الاقتراع ومحاولة إحداث التغيير. إن إزاحة بن غفير ونتنياهو لا تضمن حلاً، ولكن طالما هما في السلطة، فلن يكون هناك حل.
تبنى منصور عباس النهج الواقعي منذ سنوات. فقد اقترح الاندماج بدلاً من المقاطعة، والتأثير بدلاً من الاحتجاج. وقد عززت أحداث 7 أكتوبر وتصاعد الجريمة الدعم لهذا الرأي.
يفتقر المجتمع العربي إلى قيادة سياسية متفق عليها. فهو منقسم إلى أربعة أحزاب، وأربعة رؤى عالمية، ورواسب تاريخية، وصراعات داخلية. ولكن كما هو الحال مع أحزاب المعارضة اليهودية، فقد فات الأوان لتغيير الصفوف. أجبرت احتجاجات الشارع قادة الأحزاب على الموافقة على توحيد شكلي. ويُفترض أن يُشعل هذا التوحيد الحماسة ويُركز الجهود، ما سيرفع التمثيل العربي في الكنيست المقبل إلى 15 أو 16 مقعدًا.
تدخل بوادر التغيير في المجتمع العربي أحزاب المعارضة اليهودية في شرك. قادتها – بينيت، ولبيد، وإيزنكوت، وليبرمان، وغانتس – يتابعون استطلاعات الرأي. وتُشير هذه الاستطلاعات إلى أن نسبة كبيرة من الناخبين اليهود يرون في مشاركة حزب عربي في الحكومة خيانة للوطن. وقد قرّب 7 أكتوبر الناخبين العرب من بعضهم البعض، بينما نفّرت الناخبين اليهود. ويواجه قادة المعارضة معضلة: فهم يعلمون أن منصور عباس هو الشريك الأنسب والأكثر موثوقية لحكومتهم في حال تشكيلها، لكنهم مقتنعون بأنه يُمثل خطرًا على الحملة الانتخابية. ويُعد يائير جولان الوحيد الذي تواصل مع عباس، بينما يُثني عليه الآخرون في أحاديثهم الخاصة، ويتجنبونه علنًا. إنهم يخدعون أنفسهم بأنهم سيحققون أغلبية لتشكيل حكومة بدون الحريديم، وبدون العرب، وبدون الليكود، وبدون بن غفير وسموتريتش.
يتحدث بينيت عن “تحالف خادمي العلم”، من أنصار ميرتس إلى الحريديم القوميين. من المشكوك فيه أن يستمر هذا التحالف حتى الانتخابات؛ فالمعارضة الحقيقية لحكم نتنياهو هي “تحالف المهمشين” – كل أولئك الذين لم ترهم الحكومة يوم قيامها: سكان قطاع غزة والحدود الشمالية، والمقاتلون، والعلمانيون، والليبراليون، والصهاينة المتدينون، واليمين المعتدل، وبالطبع العرب. هذا هو أساس الأغلبية التي لديها فرصة لإنهاء الحكم كاهاني في إسرائيل.
قد يُحسم هذا الأمر قبل الانتخابات. وفي أسوأ الأحوال، قد يُقصي الائتلاف جميع القوائم العربية أو بعضها، ويتخذ خطواتٍ تُقيّد حرية الاختيار في صناديق الاقتراع في الوسط العربي. هذه ليست نظريات مؤامرة، بل أفكارٌ من هذا القبيل مطروحةٌ حاليًا على طاولة الحكومة والكنيست.
هناك جهاتٌ عديدةٌ في المجال العام تعمل حاليًا على ضمان نزاهة الانتخابات وشفافيتها. السؤال هو: ماذا ستفعل أحزاب المعارضة عندما يُطلق لفين وروتمان حملةً للقضاء على الصوت العربي؟ أين سيكونون في يوم الأمر؟.
——————————————
معاريف 2/2/2026
زيارة رئيس الاركان الاسرائيلي الى واشنطن
بقلم: افي اشكنازي
الزيارة السرية لرئيس الأركان الفريق ايال زمير الى واشنطن الى جانب سلسلة من الضباط، وبينهم قائد سلاح الجو المرشح العميد عومر تشلر ورئيس شعبة التخطيط اللواء هدي زلبرمان الذين شغل منذ قبل بضعة اشهر منصب ملحق الدفاع للجيش الإسرائيلي في واشنطن تواصل اثارة الأسئلة بشأن هدف الرحلة.
حسب مصادر إسرائيلية، تحدث رئيس الأركان مع رئيس الأركان في الجيش الأمريكي دان كين، الرجل الأقوى الى جانب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. في إسرائيل فهموا بانهم ملزمون بالايضاح بقيادة الإدارة الامريكية ما هي تداعيات هجوم أو عدم هجوم في ايران. بالتوازي، عرضت إسرائيل على الأمريكيين آخر المعلومات.
ليس كل شيء واضحا. الاعمال التي ينفذها الجيش الإسرائيلي في الأيام الأخيرة، ضمن أمور أخرى في استضافة قائد المنطقة الوسطى للجيش الأمريكي، والزيارة العاجلة لرئيس شعبة الاستخبارات اللواء شلومي بندر في بداية الأسبوع الماضي لدى رؤساء البنتاغون تلمح بما يجري في الاتصالات بين الولايات المتحدة والإيرانيين. وحسب مصدر إسرائيلي، جاء ترامب مع عصا بلا جزرة، ومطالبه، كما نشرت امس واضحة جدا: تسلم الـ 400 كيلو غرام من اليورانيوم المخصب، وقف المشروع النووي، تفكيك الصواريخ الباليستية ووقف البرنامج وكذا وقف الدعم للوكلاء في اليمن، العراق، سوريا ولبنان.
في إسرائيل يفهمون بان الإيرانيين لن يكونوا مستعدين للبحث في كل واحد من البنود على حده، فما بالك فيها جميعها معا. وعليه فالحديث يدور في هذه اللحظة عن تمديد الوقت فيما هو واضح انه يوجد خياران – إما السير الى الحرب، او لا؛ إما ان يتراجع ترامب ويتبين أنه ليس اكثر من “مدفع رمضان”، او يأمر بالهجوم.
ما الذي يقف خلف التسويف في اتخاذ القرار: هل هي فرائص الرئيس الأمريكي ترتعد؟ هل هي حاجة الأمريكيين لحشد مزيد من القوات؟ هل هي مناورة دبلوماسية أمريكية لتبرير خطوة عسكرية؟ يحتمل أن تكون كل الأجوبة صحيحة وهذا ما سنعرفه بعد وقت ما. في إسرائيل يخشون من أن يتراجع الامريكيون في اللحظة الأخيرة أو يفعلوا ما فعلوه ضد الحوثيين في اليمن، حين تراجعوا وانسحبوا في منتصف الهجوم.
في مثل هذه الحالة سنجد الشرق الأوسط في وضع أخطر بكثير مما هو عليه اليوم. اذا شعر نظام الشر في ايران بانه اقوى تجاه الداخل وتجاه الخارج، فستصبح ايران مصدرة الإرهاب في العالم. حزب الله والحوثيون في اليمن سيتعززون بتمويل إيراني، وليس هم فقط. الوكلاء في العراق، في سوريا، في الضفة وفي غزة هم أيضا.
محظور التشوش، فايران لا تعتزم تغيير وجهها. في طهران يحيون الان 47 سنة على الثورة الشيعية. الهدف الاسمى لديهم هو تصدير الثورة. هم يرون أنفسهم يدوسون على دول الخليج العربية – السعودية، الكويت، البحرين، اتحاد الامارات، الأردن ومصر. هم يفهمون بانهم اذا نجوا من التهديدات الامريكية فانهم سيصبحون القوة العظمى الأقوى في المنطقة، باسناد من قوى عظمى مثل روسيا، الصين وكوريا الشمالية. وبالتوازي ستفهم الدول العربية مكانها وضعفها امام التهديد من طهران.
تفهم إسرائيل بانه توجد الان فرصة لمرة واحدة لاعادة تصميم أنظمة العالم. المفتاح لذلك يوجد في يد الرئيس الأمريكي. من هنا زيارات الجنرالات الإسرائيليين الى واشنطن. إسرائيل الصغيرة والشقية تمنح ظهرا للامريكيين الكبار والاقوياء. فهي تحاول عمل ذلك بحساسية وبحكمة، فيما أن الجميع هنا يتخذون جانب الحذر من لمس كرامة الرئيس الأمريكي. لكن بالتوازي، صحيح حتى أمس يحذرون من توقع الموعد الذي يحسم فيه الامر لدى ترامب حول الاتجاه الذي سيقرره في نهاية المطاف.
——————————————
هآرتس 2/2/2026
رسالة الدولة العميقة: لماذا كانوا خائفين جدا في حزب الليكود؟
بقلم: نوعا ليمونا
في منتهى السبت وصلت رسالة حول حملة الانتخابات القادمة. فقد جاء في بيان رسمي للحزب الحاكم ان “حملة مطاردة غير قانونية ومتعمدة تهدف الى اسقاط الحكومة اليمينية تجري حاليا”. وتقود هذه الحملة “الدولة الإسرائيلية العميقة وعملاؤها في النيابة العامة وفي قسم المستشار القانوني وفي الشرطة، الذين يعملون على اسقاط الحكومة”. واختتم البيان بدعوة للتحرك: “لقد حان الوقت لوقف جريمة الفساد التي ترتكبها الدولة العميقة”.
لو ان الانتخابات كانت نزيهة وعبر الشعب عن الاستياء من حكومة الإهمال والكذب والفساد في صناديق الاقتراع لكانت آلة التضليل ستنطلق بكامل القوة برسالة مشوهة مشابهة. فالمستشارة القانونية للحكومة، النيابة العامة، وسائل الاعلام والشركاء الآخرون الوهميون في نظرية المؤامرة، تشاركوا معا للتدخل في الانتخابات والاسقاط غير القانوني لحكومة اليمين، وبالتالي، يجب رفض النتائج. يبدو ان حزب الليكود يامل ان يستوعب أنصاره هذه الفكرة حتى لايكون من الضروري بذل جهود كبيرة لتحريضهم على معارضة النتائج اذا لزم الامر.
الدولة العميقة ليست الا كذبة عميقة. فما هي الجهات الفاعلة والخفية والمتنفذة التي يعتمد عليها الحزب الحاكم منذ عقود؟ هذا استيراد شخصي من حزب الليكود بنسخته البيبية، المنقولة عن دونالد ترامب. في العام 2021، كما تذكرون، أدت خطابات الرئيس الأمريكي الى اقتحام مبنى الكابتول بعد هزيمته في الانتخابات امام جو بايدن.
نتنياهو انخرط بالفعل في حملته الانتخابية، ويتضح ذلك من الهجوم المتجدد على عائلات المخطوفين. وقد زعم غال هيرش في الأسبوع الماضي بان المظاهرات التي تطالب بإعادة المخطوفين خلقت حالة من الاستعجال غير المبرر الذي خدم حماس. ووصف عيناف تسنغاوكر بانها بلطجية عنيفة قامت بمهاجمته. أيضا مشاركة نتنياهو في جنازة ران غوئيلي هي جزء من حملة لتشويه الحقيقة – من تخلى عن المخطوفين اعادهم الى البيت.
مع ذلك، يجب علينا التساؤل: لماذا صدر بيان التحريض من حزب الليكود في منتهى السبت وبهذه السرعة؟ لقد كان يتوقع ان يصدر بيان دفاع واتهام حسب النمط المعتاد ردا على ما حدث – على التحقيق الذي نشر، أو فتح تحقيق جديد، لكن لم يحدث أي جديد يتجاوز الأمور التي نغرق فيها حتى النخاع.
هل يمكن ان تكون رسالة “الدولة العميقة” رسالة مشفرة، وموجهة لعناصر في جهاز انفاذ القانون، بعيدا عن عيون الشعب الإسرائيلي؟.
هل هي رسالة تهديد على شاكلة المافيا الكلاسيكية – اذا قمتم بعملكم فستوصفون كجزء من “الدولة العميقة” وستعاملون وفقا لذلك؟. هذه ليست احتمالية مستبعدة. في قضية “اللقاء الليلي” يقول ايلي فيلدشتاين بان تساحي برفرمان قد حذره من تحقيق يجري في قضية التسريب لـ “بيلد”، بل وقدم له قائمة بأسماء المشتبه فيهم وقال له بانه “يمكنه وقف التحقيق”. الشكوك تشير الى ان أعضاء مكتب نتنياهو توجد لهم مصادر في الجيش والشرطة والشباك.
هل يمكن ان يكون “المواطنون الإسرائيليون” هم الجهة الموجهة اليها الرسالة المتعلقة بالانتخابات، لكن المتلقين الرئيسيين لها هم الذين يملكون حاليا تفاصيل القضية الحالية؟.
——————————————
هآرتس 2/2/2026
إسرائيل.. دولة التجارة بالجثث: نتبع قانوناً بريطانياً
بقلم: أسرة التحرير
يحتجز الجيش الإسرائيلي قيد التجميد في بضعة مواقع في البلاد 520 جثة فلسطيني (وبضعة مواطنين أجانب)، أسماؤهم معروفة لعائلاتهم وللمنظمات الفلسطينية التي تطالب بإعادتهم. معظمهم قتلوا على أيدي قوات الأمن في ظروف مختلفة: في أثناء تنفيذ عملية – بالنار وحتى رشق الحجارة – أو للاشتباه، أو بحجة أنهم ينوون تنفيذ عملية.
88 من الجثث تعود لمساجين كانوا بحراسة الجيش الإسرائيلي ومصلحة السجون وماتوا بعد الحرب بسبب ظروف حبس وحشية وعنيفة مثبتة من السجانين. 82 من جثث لفلسطينيين قتلهم جنود أو شرطيون في العام 2025 في الضفة الغربية واختطفوهم – ثلث العدد الإجمالي للقتلى في تلك السنة.
وثمة جثث أخرى غير مشخصة هي الآن قيد التجميد، بينها عشرة على الأقل لسجناء آخرين، ماتوا بعد الحرب، وعدد آخر غير معروف من الجثث لمن شاركوا في هجوم 7 أكتوبر. في أربع مقابر إسرائيليين، في قبور مرقمة دون ذكر اسم، تدفن جثث أخرى ليس معروفاً عددها. 256 ميتاً معروفة أسماؤها، لكن ليس معروفاً مكان دفن الجميع. كل هذا بسبب عدم الحرص على التسجيل والصيانة.
من أقوال مصدر أمني تحدث مع “هآرتس” كان يمكن فهم أنه لا مكان للقلق. هناك ما يكفي من الأماكن في غرف التبريد في معسكرات الجيش لجثث الفلسطينيين التي ستتزايد على أي حال. كل هذا لأن سياسة الحكومة تقضي بعدم إعادتهم إلى عائلاتهم للدفن.
في العام 2017 قرر الكابنيت بأنه لا ينبغي إعادة جثث رجال حماس وجثث من نفذوا عملية إرهاب “شاذة على نحو خاص”. في العام 2020 وسع الحظر وكاد ينطبق على كل الجثث دون صلة بالانتماء التنظيمي للموتى. من قتل، من جرح، من حمل سلاحاً نارياً أو بارداً وبينهم قاصرون لم يشكلوا خطراً على الجنود.
لقد جندت الحكومة كل دول العالم من أجل كرامة الميت اليهودي – مدنياً كان أم جندياً – ومن أجل حق العائلات في دفن القتلى. والآن، في الوقت الذي لم يعد فيه مخطوف واحد في قطاع غزة حياً أو ميتاً، لا تبدي الحكومة أي مؤشر على نيتها البدء بالإعادة المنتظمة لجثث تحتجزها.
إن حيازة جثث فلسطينيين كأوراق مساومة أو كأدوات ضغط كانت متبعة في إسرائيل دائماً. لكن من سياسة غير ثابتة، أصبحت حيازة الجثث اليوم وسيلة للثأر والتنكيل بالعائلات الفلسطينية. لقد عادت محكمة العدل العليا وصادقت على هذه السياسة، التي لشدة المفارقة، تستند إلى أنظمة الطوارئ من عهد الاحتلال البريطاني.
يجدر بمحكمة العدل العليا أن تتوقف من الآن فصاعداً عن أن تقر بشكل تلقائي ميل الحكومة المرضي لمحبة الجثث.
——————————————
معاريف 2/2/2026
الحرب الوشيكة على إيران: ترامب يريد النفط
بقلم: تسور شيزاف
أقسم أنني أعجز عن فهم شبه اللامبالاة والتجاهل الإسرائيلي للكارثة التي تواجهنا؛ الولايات المتحدة، بقيادة دونالد ترامب، تحشد قوات هائلة في مواجهة إيران، بينما تُعِد إيران صواريخها.
ولا توجد منظومة واحدة من منظومات الحماية الأميركية مخصصة للدفاع عن إسرائيل، بينما اتصل بنيامين نتنياهو الحقيقي مذعوراً بالرئيس ترامب وطلب منه، قبل أكثر من أسبوعين، ألّا يهاجم الآن لأننا غير مستعدين، وغير محميين.
مَن قال إننا لم نستخلص العِبر من هجوم “شعب كالأسد”؟ في الحقيقة، لا يعرف أي واحد منا حجم الضرر الحقيقي الذي لحِق بالمنشآت الأمنية والبنى التحتية الإسرائيلية جرّاء الضربات الإيرانية في تشرين الأول 2024، وفي حزيران 2025، نحن نعرف فقط ما يستحيل إخفاؤه: معهد وايزمان دُمِّر، والمستشفى الكبير والوحيد في النقب تضرّر بشدة، ولم تتم إعادة تأهيله بعد، وقاعدة الاستخبارات القريبة منه تلقّت ضربة قاسية، ولم ترمَّم، وهناك كتل من المباني في أنحاء البلد ما زالت أنقاضاً. قاعدة نيفاتيم الجوية أصيبت بعشرات الصواريخ الثقيلة، وسلسلة من المنشآت الإسرائيلية الأُخرى تعرضت لهجمات، بينما أعادت إيران ترميم كلّ ما دُمّر لديها وأنتجت مزيداً.
هذا كله، بينما وُجّه معظم الصواريخ إلى أهداف عسكرية وأمنية تم إخلاء جزء منها مسبقاً قبل نصف عام، كعبرة ممّا تلقّته في تشرين الأول 2024.
فالمواطنون الإسرائيليون من عامة الناس، الذين لا يملكون منشآت هائلة تحت الأرض في أسفل جبال القدس، مكشوفون لوابل من الصواريخ الثقيلة والقاتلة…
وبما أن نتنياهو لا يتمتع بأيّ أهمية حقيقية، في نظر ترامب – وهو مع ذلك مَن لا يزال يُمسك بالكنيست – فلم يتبقّ سوى انتظار ضربة الفأس؛ فكلّ من يحيط بنتنياهو أصغر منه وأكثر حماقة.
لم يبقَ لنا سوى انتظار الضربة التي سنتلقاها دون القدرة على منعها، فربما حان الوقت لنفهم كيف تدحرجنا إلى حيث نحن، ولماذا بعد جولتين من القتال مع إيران، تباهينا بأننا انتصرنا انتصاراً كاسحاً، وجررنا الأميركيين معنا أيضاً – فجأة، وُلدت من العدم حرب اختيار جديدة، نكون فيها مجرد كومبارس عرضة للضرب، مع احتمال تلقّي ضربة لم نشهد مثلها من ذي قبل.
فلنرتّب الأمور. في سنة 1973، فرض العرب حظراً نفطياً على العالم، عقب حرب “يوم الغفران”، فنشأ نقص حاد في الولايات المتحدة.
الأميركيون – أكبر مستهلكي الطاقة والوقود في العالم – صُدموا، وقرروا ألّا ينقصهم النفط مرة أُخرى إطلاقاً، فسارعوا إلى ترتيب علاقاتهم مع دول الخليج.
ومنذ ذلك الحين تُعتبر الإنتاجات العربية الهائلة بمثابة احتياطي أميركي.
وكل مَن حاول زعزعة هذا النظام العالمي، مثل صدام حسين، حين غزا الكويت في سنة 1990، واجه بشكل فوري تحالفاً دولياً قادته الولايات المتحدة، التي انتزعت الكويت من يديه، وفصلت شمال العراق الغني بالنفط عن جسده، وبدأ الأكراد بنقل ثروات الموصل وأربيل وكركوك عبر أنبوب النفط إلى تركيا والغرب.
في سنتَي 1991 و2003، ما زال هناك قواعد وأعراف، لكن الخطأ الوحيد كان خسارة إيران لمصلحة الخميني والثورة الإسلامية في سنة 1978.
كانت الكراهية للأميركيين شديدة إلى درجة أن الإيرانيين رفضوا بيعهم النفط. وبمرور السنوات، اقتنع الأميركيون بأن أفضل طريقة هي خنق إيران بقدر الإمكان لإجبارها على الانضمام إلى منظومة الطاقة الأميركية؛ فأقنعهم نتنياهو بأن العقوبات هي الطريق، وظن أوباما أن الاتفاق أفضل، أما ترامب فلا يفهم إلّا لغة القوة.
لكن الإيرانيين التفوا على الحظر وصدّروا النفط عبر الاتحاد السوفياتي، وبعد انهياره، إلى الصين الصاعدة التي غذّت تحوُّلها إلى قوة عظمى، أمّا تركيا، فلأسبابها الخاصة، مدّت يد العون لإيران المنبوذة منذ أكثر من 25 عاماً، ومنعت العقوبات إيران من البيع للعالم، ومن استخدام النظام المصرفي الذي تديره الولايات المتحدة (سويفت).
كان الحل بسيطاً وقديماً: مقايضة الموارد، والذهب مقابل النفط، حيث تصل ناقلات إيرانية محمّلة بالنفط إلى الحدود التركية، ومن الجهة الأُخرى شاحنات تركية محمّلة بالذهب، وما زال الوضع على هذه الحال حتى اليوم؛ الأتراك يشترون بثمن بخس ويبيعون بثمن مرتفع، والإيرانيون لا خيار لديهم، ووضعهم صعب، والأموال، في معظمها، تذهب للأمن، والبلد يغلي ويحاول التخلص من الخمينيين.
يمكن إدراك سبب عدم حماسة تركيا للحرب ضد إيران؛ لأن هذا يعني نهاية النفط الرخيص.
من جهة أُخرى، حصلت على “الحلوى السورية” من الأميركيين الذين سمحوا للجيش الجهادي الوكيل المسمى “الجيش السوري”، بقيادة الشرع، بالسيطرة على دير الزور، وهو ما يضمن استمرار تدفُّق النفط الرخيص.
الجميع يحصل على شيء، حتى إسرائيل. لقد حصلت من أميركا على تركيا وقطر ومصر وغيرهم كمدراء في قطاع غزة، بينما هي لا تسيطر عليه، ولا رأي لها فيه، أي أن ما تحصل عليه إسرائيل خلال العام الأخير هو إملاءات أميركية، وهذا كله لكي يتمكن نتنياهو وزوجته وأولاده من السفر بحقائبهم المحمية إلى أميركا.
إن حرب ترامب ليست ضد إيران، وبالتأكيد ليست من أجلنا. فالحرب هي على الطاقة: مَن يسيطر على سلة الطاقة العالمية ويمنعها عن الصين.
منذ عشرين عاماً، تعمل الصين وروسيا وتركيا من أجل السيطرة على أكبر قدر ممكن من الموارد في أفريقيا وآسيا وأميركا الجنوبية، وكانت سيطرة الولايات المتحدة على فنزويلا إشارة إلى أن أميركا الجنوبية لها.
يهدف العدوان على إيران إلى إدخال طاقة الخليج الفارسي بالكامل ضمن دائرة النفوذ الأميركي.
لا تملك إسرائيل أيّ محرك، أو قدرة على إيقاف أميركا ترامب؛ فقد باع نتنياهو الغاز الإسرائيلي لكبار رجال الأعمال، ووعد الإسرائيليين بمستقبل أفضل، وهؤلاء بدورهم باعوه لشركات الطاقة الأميركية. هذا ما حدث فعلاً في عهد أوباما.
وإن ساوركم الشك في منطق القصة، عودوا أسبوعين إلى الوراء: مادورو وفنزويلا، حيث يوجد أكبر احتياطيات النفط والغاز في العالم، والتي كانت تزوّد به جزءاً كبيراً من الاستهلاك الصيني، ومن دول أُخرى لا تريد الاعتماد على مصادر خاضعة لترامب. انتهى الأمر.
هل سيهاجم ترامب إيران بعد حشد كل هذه القوى؟ قال ترامب لنفسه إنه إذا وقف الإيرانيون على رؤوسهم، وسجدوا واستسلموا له علناً، وضخّوا كل النفط إلى أميركا، فلن يمسّهم بسوء.
هل الانتفاضة الإيرانية الشجاعة والدامية مجرد ذريعة إعلامية تفوح منها رائحة النفط والدم؟ لا يمكن… هكذا تقولون؟ التاريخ لا يعيد نفسه؟ كل شيء نفط ومال وصراع بين أميركا ترامب والصين، ورئيس نرجسي أمّي فقد صوابه. ولدينا نحن؟ نرجسي آخر صغير، جبان، أناني، لا يعرف التخطيط، ولا يفكر أبعد من أنفه. إن دمارنا سيخدم تركيا. إسرائيل صغيرة وضعيفة – فكرة ممتازة. الجميع سيفرح. الجميع… إلّا نحن حين نتجول بين الأنقاض.
إلّا إذا كان الأميركيون، كما تفاخر ترامب، يمتلكون سلاح الصدمة “الفرط – الصوتي” الذي يضرب بموجات صوتية، فيدمّر ويذيب الاتصالات ومنشآت القيادة، ويمنع أي شيء من العمل، مثلما شرح بلغته المبهمة كيف اختطف الأميركيون رئيساً من منصبه في كاراكاس. ربما لهذا السبب، خاف نتنياهو من إرسال هرتسوغ إلى مؤتمر دافوس بدلاً منه.
مؤخراً، تحدثتُ مع صديق أميركي، مراسل حربي، أمضينا معاً أعواماً في العراق وأفغانستان قبل عقود.
كنت أشفق على الأكراد، ثم على الإسرائيليين الذين يُسحقون تحت ثقل الغباء المحلي وغباء ترامب، فقال لي: “أتظن أن لديكم مشاكل؟ نحن الأميركيين لدينا مشاكل أكبر كثيراً”. قلت له: “نعم، مشكلتنا هي عادتكم الغريبة بتصدير مشاكلكم بكل القوة إلى العالم كله”.
——————————————
N12 2/2/2026
فخ” غزة: مرحلة ثانية أم جولة قتال جديدة؟
بقلم: هرئيل حوريف
من المتوقع أن يتيح افتتاح معبر رفح عودة نحو 50 شخصاً إلى قطاع غزة يومياً، وفي المقابل، خروج 150 شخصاً إلى مصر، دون مرور بضائع.
وينتظر عشرات الآلاف الدخول إلى القطاع، بينهم طلاب وعائلات ممزقة وسكان عالقون خارج غزة منذ اندلاع الحرب، في حين تُظهر الاستطلاعات، باستمرار، أن مئات الآلاف من سكان غزة يرغبون في مغادرتها، سواء للعلاج الطبي، أو للهجرة المؤقتة، أو الدائمة.
لذلك، فإن العدد المحدود الذي يُتوقع عبوره المعبر لن يحلّ أزمة القطاع.
ومع ذلك، يُعتبر فتح المعبر محطة أولى في الجهد الدولي للانتقال من مرحلة الأزمة إلى مرحلة بلورة واقع جديد في قطاع غزة.
منذ وقف إطلاق النار تحسّن الوضع الإنساني في القطاع بشكل ملحوظ؛ إذ يتم إدخال نحو 24.200 شاحنة، أسبوعياً، محمّلة بالغذاء والدواء، بكميات تفوق حاجات السكان، والأسواق ممتلئة، والحياة تعود إلى طبيعتها جزئياً.
وفي موازاة فتح المعبر، من المفترض أن تبدأ حكومة التكنوقراط بإدارة القطاع، ومع ذلك فإن معظم أجزاء غزة مدمّر بالكامل، والأغلبية الساحقة من السكان تعيش، مؤقتاً، على أقل من نصف مساحة القطاع، بينما تسيطر إسرائيل على بقية المناطق، وأنظمة التعليم والصحة تخضع لإعادة تأهيل، لكنها لا تزال بعيدة عن توفير ظروف معقولة، وجزء كبير من النخبة الاقتصادية غادر القطاع خلال الحرب، ولذلك تضاءلت فرص إنعاش الاقتصاد في المستقبل القريب، أمّا الرغبة الأميركية في إنشاء ما يُسمى “رفح الخضراء”، كنموذجٍ لحياة أفضل في غزة، فهي لا تزال بعيدة عن التحقق، حتى لو بدأ البناء غداً، كما أن الوعود بضخّ مليارات الدولارات لإعادة الإعمار ما زالت مشروطة بتحقيق شروط يبدو احتمال تحقُّقها منخفضا في الوقت الراهن.
العقبة الأساسية أمام أيّ تقدُّم هي حركة “حماس”، ولفهم مدى استعدادها للموافقة على شروط خطة ترامب، يجب فهم تصوُّرها لنفسها، بصفتها الجهة الوحيدة الجديرة بقيادة الفلسطينيين، بصرف النظر عن حجم التضحيات التي يدفعها المجتمع من حولها، وتنبع سياساتها من هذا التصور الصلب الذي عبّرت عنه قيادات “حماس” طوال أعوام: اعتبار السكان وأملاكهم والبنية التحتية العامة أدوات لحماية مقاتلي الحركة، ورفض أي تسوية تتعلق بنزع السلاح، أو التراجع عن موقع القوة الفعلية.
في نظر “حماس” يمثّل الانتقال إلى المرحلة الثانية الوصول إلى قاع الأزمة، ومنها فقط يمكن إعادة البناء.
لقد سبق أن خاضت الحركة هذه التجربة: ففي سنة 2004، قضت إسرائيل على معظم قادة الحركة العسكريين والسياسيين، لكن خلال أعوام قليلة فقط، أعادت “حماس” بناء نفسها، ومن تنظيم مسلح يضم نحو 1500 عنصر، تحولت الذراع العسكرية، بقيادة أحمد الجعبري، إلى جيش صغير، قوامه نحو 20 ألف مقاتل، تمكّن من تنفيذ عمليات استراتيجية، مثل خطف جلعاد شاليت (2006)، ثم السيطرة الكاملة على القطاع في سنة 2007.
أهداف “حماس”
حالياً، تسعى “حماس” لتحقيق ثلاثة أهداف رئيسة:
– ضمان بقائها كقوة سياسية واجتماعية، مع الاندماج في النظام الذي سيُشكَّل بعد الحرب، وهي تستمد الثقة من وضعها المستقر في استطلاعات الرأي، في مقابل تراجُع شعبية السلطة الفلسطينية و”فتح”.
– فتح القطاع لإعادة الإعمار الاقتصادي وضخّ الموارد، بهدف السيطرة عليها، على غرار ما تفعل بشاحنات المساعدات حالياً.
– الإبقاء على ذراعها العسكرية من دون تفكيك، وهذا الهدف مرتبط بالثاني: فتمويل المقاتلين يتطلب السيطرة على مصادر المال، وفرض هذه السيطرة يتطلب وجود السلاح.
وفي هذا السياق، تطالب الحركة بدمج نحو 10.000 من عناصرها في قوة الشرطة المستقبلية.
وفي الوقت عينه تعيد الحركة بناء أُطرها العسكرية التي تضررت في القتال، وتجنّد عناصر جدُداً، وتعيّن قادة ميدانيين.
لا يمكن تفسير تصرفات “حماس” سوى بأنها سعيٌ للحفاظ على قوتها الفعلية خلف حكومة التكنوقراط وآليات الرقابة الدولية، والدليل الواضح على ذلك هو أن المسؤول الأمني في حكومة التكنوقراط، سامي نسمان، سيضطر إلى العمل من منطقة رفح غير الخاضعة لسيطرة “حماس”.
نسمان – وهو من رجال السلطة الفلسطينية – حكمت عليه محكمة “حماس”، غيابياً، بالسجن أعواماً بتهمة تصفية وتعذيب عناصر من “حماس” و”الجهاد الإسلامي”، وخشيته من العمل داخل القطاع تعكس فهمه العميق لمن سيبقون أصحاب القرار الحقيقيين على الأرض، وسواء بالزي الرسمي، أو من دونه، ستبقى “حماس” هي الحاكم الفعلي للقطاع، والتكنوقراط يدركون ذلك جيداً.
تكتيكياً، قد تقدّم “حماس” إشارات وخطوات مضللة، مثل: تسليم رمزي لبعض الأسلحة، والتخلّي عن السلاح الثقيل، وتفكيك منشآت لوجستية محدودة، وتسليم عدد من الأنفاق، وربما نفي بعض عناصرها طوعاً، لكن استراتيجياً ليس لديها نية التخلي عن غزة، وأثبتت في سنة 2007 أن السلاح الخفيف كان كافياً لانتزاع السيطرة على القطاع من قوات السلطة الفلسطينية، فكيف الحال اليوم في غياب قوة مُنافسة حقيقية؟ كذلك تستمد الحركة تشجيعاً من دعم راعيتَيها، قطر وتركيا، اللتين تسعيان لإقناع الرئيس ترامب بقبول هذا الواقع.
هل ستعود الحرب؟
في ضوء هذه النيات، يبرز السؤال: ما هو احتمال عودة إسرائيل إلى القتال؟ والإجابة أن الاحتمال مرتفع؛ فالفجوة بين مطالب إسرائيل والولايات المتحدة في المرحلة الثانية، وبين ما تستعد “حماس” لتقديمه فعلياً، غير قابلة للجَسر، وهنا توجد نقطة غالباً ما تهمَل: لا يكفي نزع سلاح “حماس”، بل يجب أن يشمل التفكيك الحقيقي لقدرتها العسكرية والسلطوية حلّ بنيتها التنظيمية بالكامل، الرسمية وغير الرسمية: من الكتائب والسرايا العسكرية، إلى البلديات وشبكات الدعم الاجتماعي والدعوي، فمن دون ذلك لا توجد إعادة إعمار، ولا تفكيك كامل للأنفاق، ولا عمليات “نزع تطرّف” حقيقية، وهي أمور لا يمكن أن تنجح إلّا في بيئة استقرار طويلة الأمد، لا مصلحة لـ”حماس”، كحركة جهادية عقائدية، في بقائها، بعد أن تنتهي من إعادة بناء قوتها.
يكرر رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، تعهُّده بأن “حماس” ستُجرَّد من سلاحها “طوعاً، أو بالقوة”، لكن ذلك يعتمد، إلى حد كبير، على الموقف الأميركي الذي يرى غزة جزءاً من استراتيجية إقليمية أوسع تشمل توسيع “اتفاقيات أبراهام”، وكجزءٍ ضمن إطار محورٍ إقليمي في مواجهة الصين؛ قبل 3 أشهر، صرّح سفير الولايات المتحدة في الأمم المتحدة، مايك وايلز، بأن الاستراتيجية الأميركية الأساسية هي توسيع “اتفاقيات أبراهام”.
وفي رأيه، ليس من المستحسن أن تعود إسرائيل إلى قطاع غزة، خشية الإضرار بالعملية.
ومع ذلك، لا تزال جوانب كثيرة من هذه النيات الحسنة غير ناضجة، وعلى رأسها التطبيع مع السعودية الذي يبدو كأنه يتراجع، وواشنطن تدرك أن نافذة الفرصة لتغيير واقع غزة ضيقة، وأنه لا يمكن تنفيذ خطة ترامب دون تفكيك “حماس”.
ومنذ زيارة نتنياهو إلى مارالاغو، تصاعدت نبرة التهديد الأميركية، مع تحذير صريح بأن “حماس” ستُمنح شهوراً قليلة فقط في المرحلة الثانية لنزع سلاحها.
إن السؤال ليس عمّا إذا كانت الحرب ستعود، بل متى، وبأيّ شدة؟ وأيّ تسوية لا تفكك “حماس” كتنظيم حاكم ومسلح، ستتحول إلى مرحلة انتقالية في إعادة بنائها، وإذا انتهت المرحلة الثانية و”حماس” لا تزال مسلحة، منظمة، ومموَّلة، فإن الجولة المقبلة لن تكون فشلاً للتسوية، بل نتيجتها الحتمية.
—————–انتهت النشرة—————–

