المسار : في غزة، لا تُتابَع وسائل الإعلام بدافع الفضول، بل بدافع القلق على الحقيقة، فكل خبر، وكل صورة، وكل توصيف، قد يعني اعترافًا بالمعاناة أو إنكارها. وبين شاشات عربية متباينة، ومنصات عالمية مثقلة بالحسابات السياسية، يراقب الغزيون كيف تُروى قصتهم… وهل تُنقل كاملة أم مبتورة؟!.
رغم انقطاع الكهرباء وضعف الإنترنت، يحرص الغزيون على متابعة القنوات الإخبارية ووسائل التواصل الاجتماعي، بحثًا عن أي صدى لما يعيشونه. بات الهاتف المحمول نافذتهم الأساسية، تُتابَع عبره التغطيات المباشرة، والتحليلات، وردود الفعل الدولية. ففي غزة، لا يُشاهَد الخبر كما في أي مكان آخر؛ هنا، الخبر جزء من الحياة اليومية، وقد يكون عن البيت المجاور أو الشارع نفسه.
يتابع الغزيون الإعلام العربي والعالمي بعيون ناقدة، بحثًا عن الحقيقة لا عن العناوين وحدها، ويقارنون باستمرار بين ما يعيشونه على الأرض وما يُعرض على الشاشات. لا يكتفون بالمشاهدة، بل يُحلّلون ويُقارنون، ويتنقّلون بين قناة عربية وأخرى عالمية، وبين موقع إخباري ومنصة تواصل، لرصد الفروقات في اللغة والصورة وترتيب الأولويات، حتى بات كثيرون قادرين على تمييز الانحياز من خلال المصطلح، والاختزال عبر غياب التفاصيل.
الخبير في الإعلام الرقمي وهندسة أنظمة التأثير، سائد حسونة، يرى أن ثقة الغزيين بالإعلام الدولي ما تزال منخفضة ومشروطة. ويوضح أنها ليست قطيعة كاملة، لكنها ثقة حذِرة لا تُمنَح للمنصات بقدر ما تُمنَح للحظات نادرة من الصدق المهني، حين ينجح تقرير أو مراسل في كسر القالب السياسي السائد وتقديم الإنسان قبل الخطاب.
وأكد حسونة أن الإشكالية الأساسية تكمن في أن جزءًا كبيرًا من التغطية الدولية ما يزال خاضعًا للتوازنات السياسية أكثر من خضوعه للحقيقة الإنسانية.
ويقول في حديثه لـه إنّ الغزيين لا يشعرون بأن معاناتهم تُنقل بدقة كاملة؛ فالألم حاضر في الأخبار، لكنه غالبًا منزوع السياق، إذ تُعرض المأساة كأرقام ومشاهد منفصلة، دون تفكيك البنية التي تُنتج العنف وتُعيد تكراره. ويشير إلى أن هذا النمط يخلق شعورًا واسعًا بأن العالم يرى الدمار، لكنه لا يفهم أسبابه العميقة ولا استمراريته.
ويضيف أن التغطية الإخبارية المستمرة أثّرت بوضوح على الحالة النفسية للسكان؛ فالأخبار لم تعد مجرد مصدر معرفة، بل تحولت إلى عبء نفسي يومي يُولّد القلق والإنهاك، وأحيانًا نوعًا من الخدر العاطفي كآلية دفاع.
ورغم ذلك، يشدد حسونة على أن كثيرين يواصلون المتابعة، لأن الجهل بما يجري قد يكون أخطر من الألم الناتج عن المعرفة.
وأوضح أن الغزيين واجهوا التضليل وتناقض الروايات عبر تطوير وعي عملي مرتفع في التعامل مع الأخبار، يقوم على المقارنة بين المصادر، ومنح الثقة للشهود المحليين، وللصورة غير المعدّلة، والاعتماد على شبكات العلاقات المباشرة.
وبيّن أن الغزيين ينظرون إلى الإعلام المحلي بوصفه الأقرب إلى الواقع والأصدق في التفاصيل، لكنه محدود الانتشار ومحاصر، في حين يمتلك الإعلام العالمي تأثيرًا أوسع، لكنه أبطأ وأكثر حذرًا، وأحيانًا أكثر تسييسًا. لذلك، يعتمد الغزيون على الإعلام المحلي للفهم، وعلى الإعلام العالمي على أمل أن يصل صوتهم إلى الخارج.
من جانبه، قال رئيس تحرير وكالة “صفا” للأنباء في غزة، محمد أبو قمر، إنّ الثقة بالإعلام الدولي باتت موضع تساؤل واسع، مؤكدًا أن العمل الإعلامي، عربيًا ودوليًا، يقوم في جوهره على المصالح، ولا يوجد إعلام محايد بنسبة مئة في المئة.
وأضاف أبو قمر في حديثه، أن هذا الانحياز ظهر بوضوح خلال الحرب على قطاع غزة، من خلال موجة الاحتجاجات التي طالت تغطية عدد من المواقع والصحف الدولية، إضافة إلى استقالات صحفيين معروفين اعتراضًا على سياسات التحرير.
وأشار إلى أن جزءًا كبيرًا من التغطية الإعلامية الدولية انحاز بشكل واضح للرواية الإسرائيلية، مشددًا على أن اللوبي الإسرائيلي يمارس ضغوطًا مباشرة وغير مباشرة على غالبية وسائل الإعلام الدولية، في ظل وجود مراكز نفوذ وإمبراطوريات إعلامية تدعمها الحركة الصهيونية، ما ينعكس على طريقة نقل الأحداث وانتقائها.
وأوضح أن نقص المعلومات شكّل عاملًا إضافيًا في تشويه الصورة، خاصة مع منع الاحتلال إدخال الصحفيين الأجانب إلى قطاع غزة، الأمر الذي حال دون وصول الرواية الفلسطينية كاملة ودقيقة إلى العالم.
وأضاف أن التغطية الدولية، لو نقلت ما يجري في غزة بدقة وموضوعية، لكانت دفعت باتجاه تحرّك دولي أسرع لوقف الإبادة بحق الشعب الفلسطيني. وأكد أن الإعلام الدولي، لو أدى دوره المهني، لكان ساهم في تسليط الضوء الحقيقي على جرائم الاحتلال، بما يضغط على الرأي العام العالمي والحكومات والمنظمات الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة ومجلس الأمن، للتحرك المبكر، بدل ترك الفلسطينيين يواجهون حرب إبادة امتدت لعامين كاملين.
وفيما يتعلق بالتضليل الإعلامي وتناقض الأخبار، شدد أبو قمر على أن كل وسيلة إعلام يُفترض أن تمتلك أدوات تحقق مهنية، موضحًا أن نقل المعلومات المغلوطة لا يكون دائمًا نتيجة نقص الأدوات، بل في كثير من الأحيان نتيجة سياسات تحريرية مرتبطة بالتمويل والضغوط السياسية.
وحول الفرق بين الإعلام المحلي والعالمي، بيّن أن الإعلام المحلي يركز على التفاصيل الدقيقة وينقل الواقع كما هو، لكنه يبقى محدود التأثير خارج نطاقه الجغرافي، في حين يتمتع الإعلام العالمي بانتشار أوسع وتأثير أكبر، كونه يخاطب جمهورًا متعدد اللغات والثقافات.
وأشار إلى أن وسائل الإعلام الدولية تحصل على أخبار غزة عبر وكالات الأنباء الكبرى، والمراسلين والمتعاونين، إضافة إلى وكالات الأنباء العاملة داخل القطاع، ومنصات التواصل الاجتماعي، والمصادر المفتوحة التي باتت تلعب دورًا مهمًا في نقل المعلومات.
وفي ختام حديثه، قال أبو قمر إن العالم في بداية الحرب لم يكن يدرك حقيقة ما يجري في غزة، لكن مع طول أمد العدوان بدأ الفهم يتشكل تدريجيًا، وهو ما انعكس في اتساع رقعة التظاهرات العالمية، حتى في دول لطالما تبنّت مواقف سلبية من القضية الفلسطينية، كالولايات المتحدة وبريطانيا.
وأضاف أن هذا الوعي المتزايد تُرجم في تغيّر بعض المواقف السياسية، واعتراف عدد من الدول بدولة فلسطين، ورفع قضايا قانونية ضد الاحتلال.
بدوره، يرى خالد أبو زبيدة، أحد رواد مواقع التواصل الاجتماعي، أن ثقة كثير من الغزيين بالإعلام الدولي ليست كاملة، إذ تُقرأ أخباره بحذر ويُستمع إليه مع مساحة شك مفتوحة.
وقال أبو زبيدة في لقاء صحفي إن التجربة علّمت الغزيين أن الصورة كثيرًا ما تصل منقوصة، أو تُقصّ أطرافها قبل أن تعبر الشاشات. وأضاف: “غالبًا ما نشعر أن ما يُنقل هو ظلّ المعاناة لا جسدها، وأن الألم حين يصل إلى الخارج يكون قد خسر شيئًا من ثقله الحقيقي، كأن الواقع أثقل من قدرة الكاميرا على حمله”.
وتابع: “الأخبار هنا ليست مادة اطّلاع فقط، بل اختبار يومي للأعصاب والقلوب؛ بعضها يوقظ القلق، وبعضها يعيد فتح جراح لم تُغلق، وبعضها يُرهق الروح من فرط التكرار والقسوة”.
وأكد أن الناس يتعاملون مع التضليل بحسّ يقظة قاسٍ؛ يقارنون الروايات، ويعودون إلى شهود العيان، ويثقون بما يرونه بأعينهم أكثر مما يسمعونه، ويتركون كثيرًا من العناوين معلّقة إلى أن تتكشّف الحقيقة.
وشدد على أن الإعلام المحلي يُنظر إليه كصوت أقرب إلى النبض اليومي، يعرف الأزقة والأسماء والوجوه، بينما يُخاطَب الإعلام العالمي باعتباره نافذة واسعة لكنها بعيدة، ترى المشهد من ارتفاع لا من داخل الركام.
وأشار إلى أن الأخبار تصل إلى الغزيين عبر مصادر متعددة، تشمل المراسلين المحليين، والصفحات الميدانية، وشهادات الناس، والتسجيلات الحيّة، إضافة إلى بعض المنصات العالمية التي تُتابَع مع قدر عالٍ من التدقيق.
وختم أبو زبيدة بالقول إن الثقة بالإعلام الدولي ليست مطلقة ولا منعدمة، بل هي ثقة مشروطة بالسؤال والمقارنة، وبإحساس داخلي يدرك أن الحقيقة في غزة تحتاج أكثر من زاوية واحدة، وأن الفجوة بين ما يُعاش وما يُفهم ما تزال واسعة، كأن الألم يُترجم بلغة أخفّ من ثقله الحقيقي، رغم كل ما يُقال ويُكتب.
وارتكبت “إسرائيل” منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 -بدعم أميركي أوروبي- إبادة جماعية في قطاع غزة، شملت قتلا وتجويعا وتدميرا وتهجيرا واعتقالا، متجاهلة النداءات الدولية وأوامر لمحكمة العدل الدولية بوقفها.
وخلفت الإبادة أكثر من 243 ألف فلسطيني بين شهيد وجريح معظمهم أطفال ونساء، وما يزيد على 11 ألف مفقود، إضافة إلى مئات آلاف النازحين ومجاعة أزهقت أرواح كثيرين معظمهم أطفال، فضلا عن الدمار الشامل ومحو معظم مدن القطاع ومناطقه من على الخريطة.
المصدر … قدس برس

