مراقبون في الأردن … قرارات “كابينت” بشأن الضفة الغربية تحمل انعكاسات مباشرة وعميقة على الأردن وأمنه الوطني

المسار: أثارت مجلس الوزراء الأمني المصغر للاحتلال “كابينت” الإسرائيلي الأخيرة المتعلقة بالضفة الغربية موجة تحذيرات سياسية وأمنية في الأردن، وسط إجماع شخصيات سياسية وحزبية وبرلمانية ومحللين على أن هذه الإجراءات لا تستهدف الفلسطينيين وحدهم، بل تحمل انعكاسات مباشرة وعميقة على الدولة الأردنية وأمنها الوطني، بل وعلى مجمل منظومة الاتفاقيات السياسية القائمة في المنطقة.

ويؤكد مراقبون أن الأردن يجد نفسه أمام معادلة دقيقة بين التزاماتها الأمنية والدولية، ومتطلبات حماية أمنه الوطني وموقفه التاريخي من القضية الفلسطينية، في وقت تتآكل فيه مرتكزات “الحل السياسي” وتتراجع فرص “حل الدولتين” تحت وطأة الوقائع الميدانية.

ويرى القيادي الإسلامي والمحلل السياسي زكي بني إرشيد أن القرارات الأخيرة تعبّر بوضوح عن “طبيعة المشروع الصهيوني القائم على الاحتلال والتهجير والاستيطان والإحلال وطمس أي هوية غير الهوية الصهيونية”، مؤكداً أن ما يجري يمثل “رصاصة الرحمة على الاتفاقيات السلمية التي أبرمتها السلطة الفلسطينية ودول عربية مع الاحتلال”.

وأضاف بني إرشيد في تصريحات له، أن الاحتلال استثمر اتفاقيات السلام لفرض وقائع جديدة على الأرض وتعزيز تمدده ونفوذه، مشيراً إلى أن الإجراءات الجديدة تعني عملياً إلغاء اتفاقية أوسلو (بين منظمة التحريبر وتل أبيب عام 1993)، وتكريس سياسة تغيير الواقع الديموغرافي في الضفة الغربية عبر تسريع خطط التهجير القسري أو الصامت من خلال الهدم، وسحب الهويات، والتضييق المعيشي.

تهديد وجودي للأردن
وأكد بني إرشيد أن أخطر ما في القرارات هو انعكاسها المباشر على الأردن، إذ تشكل – بحسب وصفه – “اختراقاً للتفاهمات والاتفاقيات المبرمة بين الجانبين الأردني والإسرائيلي”، وتمثل خرقاً جسيماً لاتفاقية وادي عربة الموقعة عام 1994.

وشدد على أن أي موجة نزوح باتجاه الشرق ستفرض واقعاً سياسياً واجتماعياً ضاغطاً داخل الأردن، وقد تعيد إحياء فكرة “تصفية القضية الفلسطينية على حساب الأردن” بمنطق هندسة ديموغرافية طويلة المدى، بما يضرب الهويتين الأردنية والفلسطينية معاً، ويؤثر على التوازنات الداخلية وتماسك الدولة الوطنية.

كما حذر من أن الوصاية الأردنية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، وعلى رأسها المسجد الأقصى، باتت مهددة في ظل هذه التحولات.

مساس مباشر بالسيادة الأردنية

من جهته، أكد عضو مجلس النواب الأردني معتز الهروط أن القرارات الإسرائيلية تمثل مساساً مباشراً بالسيادة الأردنية وتستهدف النظام السياسي في المملكة، مشيراً إلى أن تهجير سكان الضفة الغربية إلى الأردن – إن تم – سيخلق واقعاً جديداً ضاغطاً سياسياً واجتماعياً.

واعتبر في حديث  له : أن هذه الإجراءات تتصادم مع قرارات الشرعية الدولية الصادرة عن مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، وتمهد لارتكاب جرائم جديدة بحق الفلسطينيين عبر إجبارهم على مغادرة أراضيهم تحت وطأة التهديد.

وأضاف أن هذه السياسات تعكس “حالة من الغرور والغطرسة السياسية المدعومة أمريكياً”، وتؤشر إلى عجز دولي متزايد في وقف الانتهاكات الإسرائيلية، ما ينذر بتوسيع دائرة الصراع داخل فلسطين وفي محيطها العربي، خصوصاً على المستوى الشعبي الرافض للتطبيع.

كما شدد الهروط على الموقف الأردني الموحد لجميع المكونات السياسية والاجتماعية الرافض لأي خطوات أحادية تقوض حل الدولتين أو تستهدف تهجير الفلسطينيين من أرضهم، مطالبا الحكومة الأردنية تكثيف تحركاتها الدبلوماسية والسياسية في الأمم المتحدة والهيئات الدولية لوقف إجراءات الضم وتثبيت الحق الفلسطيني.

الأردن تحت أعين العاصفة
بدوره، يرى الكاتب والمحلل السياسي حازم عيّاد أن القرارات الجديدة تأتي في سياق تحوّل واضح في البيئة السياسية داخل دولة الاحتلال، وصعود عقيدة لدى التيار المتطرف مفادها أن حل “المشكلة الديموغرافية” في الضفة يمكن أن يكون على حساب الأردن.

وقال عيّاد ، إن هذا التصور يضع عمّان “تحت عين العاصفة”، ويدفعها إلى قراءة التطورات باعتبارها خطراً حقيقياً لا يقتصر على الضفة الغربية، بل يمتد إلى الأمن الوطني الأردني.

وأشار إلى أن الأردن يتعامل مع سيناريوهات معقدة، ويرى أن الأسوأ قد يكون قادماً على المنطقة، لكنه ما زال يعوّل على الموقف العربي والإسلامي الرافض للتهجير، وعلى أدواته الدبلوماسية والسياسية في لجم اندفاعة الاحتلال.

وشدد عيّاد على أن عمّان بحاجة إلى دعم عربي حقيقي، سياسياً واقتصادياً، لمواجهة الضغوط المتصاعدة، مؤكداً أن أي تصعيد إسرائيلي إضافي سيضيق هامش المناورة الأردني، وربما يلغيه بالكامل.

وكان المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر “الكابينيت” قد صادق يوم 8 شباط/فبراير الجاري، على حزمة من القرارات التي تشمل تغييرات جوهرية في إدارة الأراضي والتخطيط والبناء في الضفة الغربية، بهدف إزالة ما تصفه الحكومة بعوائق تعرقل تطوير المستوطنات.

وتشمل الإجراءات إلغاء القانون الأردني الذي يحظر بيع العقارات لليهود، ونقل صلاحيات التخطيط في التجمع الاستيطاني داخل الخليل، بما في ذلك المسجد الإبراهيمي، إلى مؤسسات الإدارة المدنية، بما يسمح بتنفيذ إجراءات التخطيط دون الحاجة إلى موافقات فلسطينية، ومنح الإدارة المدنية صلاحيات بلدية كاملة لمعالجة شؤون المستوطنين.

وأدانت وزارة الخارجية الأردنية القرارات والإجراءات “الإسرائيلية” اللاشرعية التي أقرّتها حكومة الاحتلال الإسرائيلي، والتي تهدف إلى فرض سيادة غير شرعية، وترسيخ الاستيطان وفرض واقع قانوني وإداري جديد في الضفة الغربية المحتلة.

وقالت الوزارة في بيان صدر بعد سعات من صدور قرار الكابينيت، إن “هذه القرارات تمثل خرقًا فاضحًا للقانون الدولي وتقويضًا لحلّ الدولتين، واعتداءً على حقّ الشعب الفلسطيني غير القابل للتصرف في إقامة دولته المستقلة ذات السيادة على خطوط الرابع من حزيران عام 1967 وعاصمتها القدس المحتلة”، مؤكدة أنه “لا سيادة لإسرائيل على الأرض الفلسطينية المحتلة”.

المصدر: قدس برس

Share This Article