المسار : تحدث قائد ميليشيا “أبو شباب” عن أشكال التعاون مع الجيش الإسرائيلي في رفح، مشيرا إلى مراحل “تفكيك أنفاق ومنشآت سلاح حماس”. تحقيق ميداني مدعّم بتحليل بصري يبرز مؤشرات تمويه ومركبات بلوحات إسرائيلية تبيّن أشكال التعاون.
تواصل سلطات الاحتلال الإسرائيلي استخدام ميليشيا “أبو شباب” في رفح، ضمن مساعيها لتفكيك البنى العسكرية لحركة حماس جنوب قطاع غزة. وتشير تصريحات علنية لقائد الميليشيا والمعطيات الميدانية إلى توظيف هذه الميلشيا في سياق أهداف الاحتلال في حربه على غزة.
وفي هذا السياق، تحدث رئيس ميليشيا “أبو شباب”، غسان الدهيني، اليوم الأحد، إلى القناة 12 الإسرائيلية، متناولًا دور جماعته في ما وصفه بـ”تحييد” أنفاق حماس في مدينة رفح جنوبي قطاع غزة.
وقال الدهيني إن “المرحلة الأولى أوشكت على الانتهاء”، مضيفًا أن هذه المرحلة “تتعلق بحرمان حماس من أحد أهم وسائلها – الأنفاق”. وأشار إلى أن العملية لن تتوقف عند هذا الحد.
وتابع أن الخطوة التالية ستشمل، بحسب قوله، “تفكيك منشآت تصنيع السلاح، ثم الصواريخ، وأخيرًا الأسلحة الخفيفة”، معتبرًا أن “لا شيء يعمل سوى الضغط”، وأن حماس “لن تتخلى عن سلاحها من دون ضغط”.
وتابع: “نحن والجيش الإسرائيلي في رفح حققنا نتائج كبيرة، لأننا نعمل تحت ضغط الجيش عليهم. هم لا يفهمون إلا لغة القوة”، على حد تعبيره.
وأضاف “لغة الحوار مع الإرهابيين يجب أن تكون محظورة”، مضيفًا أن “حماس هي التي يجب أن تخاف منا، لأننا لا نوفر أي جهد للقضاء عليها”، مدعيًا أن “الناس في غزة معنا، حتى لو قالوا غير ذلك”.
وكان الدهيني قد أعلن، الخميس، عبر حسابه على “فيسبوك”، أن ميليشيا “أبو شباب” بدأت بالفعل تفكيك أنفاق حماس في رفح، وكتب أن “في مارس سيبدأ تنفيذ خطة نزع السلاح، ومع إطلاقها سيبدأ توسيع قوة الاستقرار”.
وبحسب ما نشره، فإن الميلشيا “بدأت بتفكيك الأنفاق تدريجيًا، ثم ستعطل منشآت تصنيع السلاح، وبعدها الصواريخ، وأخيرًا الأسلحة الخفيفة”، مضيفًا أنه “لن تدخل أي أسلحة إلى رفح خارج إطار القانون، وستُعالج عمليات التهريب بالقوة”.
من “أيديولوجية داعش” إلى رعاية الاحتلال
ووُلد غسان الدهيني في الثالث من تشرين الأول/أكتوبر 1987 بمدينة رفح جنوبي قطاع غزة، وينتمي إلى قبيلة الترابين البدوية، إحدى أكبر القبائل العربية جنوب فلسطين، والتي يتوزع أبناؤها في فلسطين ومصر والأردن.
وتُعد الترابين القبيلة ذاتها التي ينتمي إليها ياسر أبو شباب، القائد السابق للميلشيا.
وشغل الدهيني سابقًا منصب ضابط في الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية برتبة ملازم أول، قبل أن ينضم لاحقًا إلى فصيل “جيش الإسلام”، وهو تنظيم مسلح تمركز في غزة وارتبط بخلفيات أيديولوجية قريبة من تنظيم “داعش”.
ومع تصاعد حرب الإبادة الإسرائيلية على القطاع بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، برز اسم ميليشيا “القوات الشعبية” بقيادة ياسر أبو شباب عام 2024، وقدّر عدد عناصرها بين 100 و300 مقاتل، ونشطوا في مناطق قريبة من مواقع عسكرية إسرائيلية، في ظل ما وُصف بإشراف إسرائيلي مباشر على تحركاتهم.
وتتركز أنشطة الميليشيا شرق رفح قرب معبر كرم أبو سالم، الذي شكّل لفترة طويلة نقطة العبور الأساسية للمساعدات إلى القطاع، إضافة إلى انتشار وحدة أخرى غرب المدينة قرب نقطة توزيع مساعدات مرتبطة بالولايات المتحدة وإسرائيل.
وفي 30 كانون الثاني/ يناير الماضي، أعلنت الميليشيا عبر صفحتها على “فيسبوك” تعيين الدهيني قائدًا جديدًا لها خلفًا لياسر أبو شباب الذي قُتل في الرابع من كانون الأول/ديسمبر 2025، متعهدًا بـ”مواصلة عمليات الجماعة ضد حركة المقاومة الإسلامية (حماس)”.
أدلة ميدانية على التعاون
في السياق ذاته، أبرزت تقارير صحافية حجم التنسيق ميداني بين ميليشيا “أبو شباب” والجيش الإسرائيلي، علما بأن وسائل الإعلام الإسرائيلية وتصريحات رسمية أكدت أن الجيش الإسرائيلي يمد هذه الميلشيا بالمعدات والسلاح والغطاء الجوي.
وبيّن تحقيق لـ”التلفزيون العربي” أن مقطع فيديو مدته 17 ثانية، نشر في 29 كانون الثاني/يناير الماضي على “فيسبوك” عبر حساب يحمل اسم “نادر الوصف القبلي”، أظهر صورًا لصاحب الحساب إلى جانب الدهيني وعدد من المسلحين، إلى جانب مركبات رباعية الدفع وشاحنة تبريد بيضاء.
ولفت التحقيق إلى أن إحدى مركبات الدفع الرباعي ظهرت وهي تحمل لوحة ترخيص إسرائيلية.
كما أظهر تحليل مقاطع سابقة نُشرت في التاسع من كانون الثاني/ يناير عبر الحساب ذاته، ظهور مركبة مماثلة من الطراز واللون، لكن من دون لوحة تسجيل، بما يتوافق مع النمط المعتاد لآليات الميليشيا.
وبمقارنة المعالم الجغرافية الظاهرة في المقاطع مع صور أقمار اصطناعية وخرائط “غوغل”، خلص الفريق إلى أن اللقطات صُوّرت أمام مبنى في مدينة رفح يُستخدم كمركز لعمليات الميليشيا.
وفي مقطع آخر نُشر في 26 من الشهر الماضي عبر حساب “أبو حسن الترباني” على “تيك توك”، ظهرت المركبة نفسها وهي تحمل لوحة إسرائيلية جرى طمسها جزئيًا بإشارة بيضاء، إلا أن التحقيق وباستخدام أدوات متخصصة، حدد الرقم الكامل المؤلف من ثمانية أرقام: 239.04.001.
وبالرجوع إلى قواعد بيانات عامة للتحقق من المركبات في إسرائيل، تبين أن الرقم لا يعود إلى مركبة “تويوتا هايلكس”، بل إلى مركبة من طراز مختلف يُدعى “Volvo Burden”، ما يشير إلى أن اللوحة ليست أصلية للمركبة الظاهرة في الفيديو.
وطرح التحقيق تساؤلات حول سبب تثبيت لوحة إسرائيلية على مركبة تتحرك داخل قطاع غزة، ومصدر الحصول عليها، ودلالات ظهور أضواء طوارئ على المركبة، إضافة إلى مرافقتها بشاحنة تبريد مغلقة لا يُعرف محتواها.
وأشار فريق التحقيق إلى أن هذه المؤشرات مجتمعة تفتح الباب أمام فرضية استخدام المركبة لأغراض تمويه وتخفي، معتبرًا أن “الهوية المصطنعة” قد تكون جزءًا من أسلوب تشغيل ممنهج، وليس مجرد تفصيل عابر.

