المسار : في وقتٍ يترقب فيه قطاع غزة مآلات ما يُعرف بـ “خطة ترمب” للانسحاب من غزة، تتكشّف على الأرض معالم واقعٍ مغاير لا يشبه وعود الانسحاب بقدر ما يعكس إعادة رسمٍ ممنهجة لخرائط السيطرة.
فبينما تُتداول التصريحات السياسية للمضي قدماً في تنفيذ بنود الاتفاق، تضرب “إسرائيل” خطة “ترامب” بعرض الحائط، وتمضي ميدانياً في اتجاه مختلف، عنوانه تثبيت حدود جديدة وفرض معادلات ديموغرافية قسرية تحت غطاء أمني.
إعادة التشكيل..
وفي هذا السياق، كشف تقرير نشره موقع Mediapart الفرنسي، اليوم الأحد، عن استحداث جيش الاحتلال الإسرائيلي نطاقًا جغرافيًا داخل قطاع غزة يُعرف بـ”الخط البرتقالي”، وهو منطقة عازلة غير رسمية تدَّعي الرواية الإسرائيلية أنها “ضرورية أمنيًا”، فيما يراها مراقبون خطوة عملية نحو تقليص الحيّز الفلسطيني وإعادة تشكيل الخريطة السكانية بالقوة.
وبعد جعل “الخط الأصفر” الذي يعزل 54% من مساحة القطاع شرقا أمرا واقعا، ظهر “خط برتقالي” إسرائيلي وهمي وغير معلن، يتقدم تدريجيا غرب القطاع ليحول ما تبقى من مساحات “آمنة” إلى مناطق قتل محققة، وفقا لتحقيق لغوينيل لونوار.
ووفقًا للتقرير، فإن هذه السياسة تهدف إلى دفع سكان قطاع غزة قسرًا نحو الغرب، ما يعني حصر أكثر من 2.3 مليون فلسطيني في أقل من نصف مساحة القطاع، في مشهد يعيد طرح أسئلة جوهرية حول حقيقة الانسحاب وحدود السيادة ومستقبل غزة.
ويكشف التقرير استخدام قوات الاحتلال القصف المدفعي والطائرات المُسيَّرة ” كوادكوبتر” لدفع السكان بعيداً عنه، مما يحول المناطق الواقعة بين الخطين إلى “مناطق محظورة” (No-Go Zones) يُقتل من يدخلها.
وفي تصريحات صحفية، وصف رئيس أركان جيش الاحتلال إيال زمير، هذه الخطوط بأنها “حدود دفاعية وهجومية جديدة”، في إشارة واضحة لنية البقاء الدائم.
وتأتي هذه التصريحات في وقت تُظهر فيه صور الأقمار الصناعية هدمًا ممنهجاً للمزارع والمباني شرق “الخط الأصفر”، وتحويلها إلى منطقة “أرض محروقة” تضم 13 موقعاً عسكرياً جديداً.
وبحسب “الموقع الفرنسي” فإن جيش الاحتلال فرض نظام “تنسيق أمني” على المنظمات الدولية لدخول المنطقة الواقعة بين الخطين الأصفر والبرتقالي، وهو تنسيق غالباً ما يُقابل بـ”الرفض”.
نزوح شبه يومي..
وتشير تقديرات الأمم المتحدة “أوتشا” إلى وجود أكثر من 14 ألف أسرة فلسطينية، أي ما يقارب 50 ألف شخص محاصرين في هذه المنطقة العازلة غير الرسمية.
وفي حي الزيتون، أُجبرت 500 عائلة على النزوح القسري تحت وطأة النيران من شرق طريق صلاح الدين إلى غربه، مما يشير إلى أن “الخط البرتقالي” قد بدأ يتماهى مع المسارات الحيوية للقطاع.
وفي أكثر من مرة، عمّقت “إسرائيل” منطقة “الخط الأصفر” التي تسيطر عليها في مختلف مناطق القطاع، وعمدت إلى إزاحة المكعبات الصفراء التي وضعتها كعلامات فارقة لتلك المنطقة.
وأظهرت صور التقطتها أقمار صناعية فضلا عن شهادات السكان أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي دمرت عشرات المباني وشردت الفلسطينيين في انتهاك لاتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، عندما نقلت كتلا ترسم الخط “الأصفر” الفاصل، بموجب الاتفاق المبرم مع حركة “حماس” إلى عمق أحد أحياء غزة في ديسمبر/ كانون الأول.
كما يصف الصحفي الفلسطيني رامي شريفي، الذي دُمر منزله في جباليا، هذه المأساة قائلا: “نحن نعرف أين يمر الخط البرتقالي بفضل الرصاص والقذائف التي تستهدف الأشخاص الذين يعيشون بالقرب من الخط الأصفر لدفعهم نحو الغرب، وأحيانا بفضل الدبابات التي تتقدم نحو هذا الخط.. ويتم دفع الناس للفرار تحت نيران المسيّرات والصواريخ”.
ما ردُ “إسرائيل”؟
ورغم ما تُثبته الوقائع الميدانية، يزعم جيش الاحتلال “نفيه” وجود “الخط البرتقالي” أو أي إجراءات فصل غرب “الخط الأصفر”.
فيما يُشدد “التقرير” على استحالة التحقق الميداني المستقل بسبب استمرار سلطات الاحتلال الإسرائيلي في منع دخول الصحفيين الأجانب إلى القطاع.
الناجون يُدفعون تدريجيًا إلى شريط ساحلي يضيق يومًا بعد يوم، في مساحة تختنق بالحصار والاكتظاظ، عالقين بين فكيّ الدبابات الإسرائيلية شرقًا ومياه البحر غربًا.
ولا يُشبه الواقع في غزة انسحاباً، بقدر ما يعكس تكريساً على الأرض معالم لواقع دائم يعيد رسم الحدود ويقضم الحيّز الحيوي المتبقي لسكان القطاع، ما يطرح تساؤلات عميقة حول معنى “الانسحاب” وحدود السيادة ومستقبل أكثر من مليوني إنسان.

