المسار: شهدت الأروقة الدبلوماسية مؤخراً تصعيداً لافتاً ضد المقررة الخاصة للأمم المتحدة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فرانشيسكا ألبانيزي، حيث طالب وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو بإقالتها من منصبها. هذا الموقف قوبل بانتقاد حاد من عضو البرلمان الفرنسي أرنو لوغال، الذي اعتبر المطالبة رضوخاً لسردية الاحتلال وتزييفاً للحقائق التي تنطق بها التقارير الدولية.
ولم تكن ألمانيا بعيدة عن هذا المشهد، إذ انضم وزير خارجيتها للمطالبة باستقالة ألبانيزي، معبراً عن غضب بلاده من تصريحات المقررة الأممية. وتأتي هذه الموجة المنسقة تحت ذريعة ‘معاداة السامية’، وهو السلاح التقليدي الذي يُشهر في وجه كل من يوثق انتهاكات الاحتلال المنهجية وسياسات الفصل العنصري.
إن الاستهداف المباشر لألبانيزي لا يعود لجملة عابرة قيلت في منتدى إعلامي، بل يضرب جذوره في تقاريرها القانونية الرصينة التي أصبحت مرجعاً للمحاكم الدولية. فقد شكلت وثائقها مستنداً أساسياً لتجريم قادة الاحتلال أمام المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية، وهو ما أزعج القوى الداعمة لإسرائيل.
بدلاً من الانصياع لشرعة حقوق الإنسان، اختارت باريس وبرلين السير على النهج الذي يرهب المنظمات الدولية ويهدد استقلاليتها. هذا السلوك يعكس حالة من النفاق السياسي وازدواجية المعايير، حيث يتم التضحية بالعدالة الدولية من أجل حماية نظام استعماري يمارس الإبادة الجماعية في غزة.
لقد أسقط التعامل الغربي مع ألبانيزي القناع عن أنظمة تدعي حماية القانون الدولي بينما تصمت عن جرائم الحرب. هذا النهج الترهيبي يهدف بالدرجة الأولى إلى تغييب الشهود الدوليين وإفساح المجال أمام الاحتلال للإفلات من العقاب، وهو ما يتماشى تماماً مع التوجهات الأمريكية المتشددة تجاه المنظمات الأممية.
التحريض ضد ألبانيزي يذكرنا بالهجوم الإسرائيلي المستمر على الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش واعتباره شخصاً غير مرغوب فيه. إنها سياسة ممنهجة تهدف لتجريم العمل الإنساني والحقوقي، ومنع المؤسسات الدولية من كشف حقيقة ما يجري على الأرض في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
الموقف الفرنسي الألماني يُعد مخزياً بالنظر إلى حجم الضحايا في غزة والضفة الغربية، حيث تجاوز عدد الشهداء والجرحى ربع مليون إنسان. فبدلاً من معاقبة دولة الاحتلال على جرائمها، يتم توجيه السهام نحو من يطالب بإنصاف الضحايا ووقف آلة القتل والتهجير القسري.
المطالبة الفرنسية الألمانية بإقالة ألبانيزي تصب في الجهد الأمريكي والمسعى الإسرائيلي للإفلات من العقاب.
في المقابل، برز بصيص أمل من القضاء البريطاني الذي أصدر قراراً بتبرئة ناشطي حركة ‘فلسطين آكشن’ من تهم الإرهاب. هؤلاء الناشطون الذين استهدفوا شركات السلاح الموردة للاحتلال، انتزعوا اعترافاً قضائياً بشرعية احتجاجهم ضد الإبادة الجماعية، مما شكل صفعة للمتواطئين مع الجرائم الإسرائيلية.
إن براءة ‘فلسطين آكشن’ تمثل فضيحة أخلاقية للدول التي تحاول ترهيب ألبانيزي، وتؤكد أن الضمير الشعبي والقانوني بدأ يتململ من السردية الصهيونية. هذا الانتصار القضائي يعزز من مكانة المقاومة المدنية والقانونية للاحتلال في قلب العواصم الغربية التي دعمت العدوان طويلاً.
تظل وثائق المقررة الأممية كافية لاتخاذ مواقف دولية حازمة تلجم الإرهاب الإسرائيلي، بما في ذلك فرض العقوبات وقطع العلاقات الدبلوماسية. لكن التشدق الغربي بدعم السلام يظل فارغاً من محتواه ما لم يرتبط بإلزام إسرائيل بإنهاء احتلالها وتفكيك منظومة الأبارتايد التي وثقتها ألبانيزي بشجاعة.
إن محاولات تحريف الانتباه عن شعب يتعرض للإبادة الجماعية لن تنجح في طمس الحقيقة التاريخية التي تُكتب اليوم بالدم الفلسطيني. فالعالم الذي يشهد ترهيب المدافعين عن حقوق الإنسان هو نفسه العالم الذي يخرج فيه الملايين للتنديد بالاستعمار الصهيوني وقادته المجرمين.
فرانشيسكا ألبانيزي ستبقى نموذجاً فريداً للشجاعة في زمن النفاق الدولي، وقدرتها على الصمود أمام الضغوط الأمريكية والأوروبية تمنح الأمل للضحايا. إن معركتها ليست شخصية، بل هي معركة من أجل الحفاظ على ما تبقى من مصداقية للقانون الدولي في مواجهة شريعة الغاب.
إن استباحة القانون الدولي وتحويله إلى أداة لخدمة القوي لن يمر دون مقاومة قانونية وأخلاقية من أحرار العالم. وتبرئة حركة ‘فلسطين آكشن’ هي دليل قاطع على أن العدالة يمكن أن تنتصر حتى في أكثر الأنظمة القضائية تعقيداً وضغطاً سياسياً.
في الختام، ستبقى جرائم الاحتلال مخلدة في الذاكرة الإنسانية كواحدة من أبشع جرائم العصر الحديث، ولن يفلح الترهيب في إسكات صوت الحق. إن تفكيك السردية الاستعمارية قد بدأ بالفعل، والانتصار للعدالة في فلسطين هو انتصار للبشرية جمعاء ضد قوى الظلم والنفاق.

