الرُّز في فلسطين: عن الوجه النهري من حكايته (1/2)

المسار : انحصرت حقول الرز في الحولة، في الوقت الذي صار يُنظر فيه إلى برك المياه المشتول فيها الرز على أنها “مستنقعات” ومصدرًا للملاريا مع هيمنة خطاب الطب الاستعماري الحديث منذ مطلع القرن العشرين…

لم يعد بالإمكان تخيّل موائدنا التي سقط منها حتى الخبز من دون الرز، إذ يهيمن عليها هذا الأخير اليوم بمختلف أصنافه وشتى أعراف طبخه ونفخه. والرُز وليس الأرز، لأنه بلا همزة أصل تسميته، يظلُّ أخف على اللسان والمعدة معًا. ما من مأكول وقد تسلّل إلى موائدنا مثلما فعل الرز حديثًا، في السراء والضراء، في الولائم والمآتم، وحتى الذين قرروا مغادرة المنسف سعيًا وراء السوشي كان الرُز في انتظارهم.

للرز سردية تطول في خط الزمن إلى أن صارت كونية، إلا أن أساطير استنباته وشتله تظلُّ شرقية – آسيوية الموطن، اتصلت ببلاد الصين والهند، حيث شاع عن أصل الرز وموطنه فيهما. وقد أشار إلى حكاية منشأ الرز وموطنه رينيه مارتن في كتابه “الأرُز: التاريخ الكوني”. ثم صار الرُز كلما اتجه شمالًا ينفخ حكايته المحلية الخاصة به أينما حلّ، في إيران وتركيا ومصر واليمن من بلاد العرب، فلكل من هذه الأمم حكايتها مع الرز كما لو أنها أول من اشتهته وطهته. وكذلك بالنسبة لبلادنا من أرض سورية الشام التاريخية، حيث للرُز في فلسطين تحديدًا حكاية لها وجهان: الرز دخيلًا قادمًا من الساحل عبر البحر، والرز أصيلًا مستنبتًا في الداخل مع مجرى النهر.

ونحن ندّعي أن للرز في فلسطين ذاكرتين، (ساحلية) غربية حديثة، و(غورية) شرقية قديمة، وقد هيمنت الأولى بينما غُيّبت الثانية، وذلك لسببين: الأول، لأن الرز غربيًا اتصل بساحل فلسطين وحواضر مدنه الحاضرة على الدوام في ذاكرتنا حتى بعد نكبتها إلى يومنا، مثل يافا وحيفا. بينما الرز شرقيًا مغيّب، لأن مناطق الأغوار النهرية التي استُنبت الرز فيها مغيّبة بدورها من ذاكرتنا، مثل بيسان وطبريا والحولة. بالتالي، فإن حضور الرز من غيابه في تاريخنا ظلَّ منوطًا بحضور الجغرافيا من غيابها في ذاكرتنا أيضًا.

والثاني، لأن للرز صار كل هذا العز بعد طفرته المتصلة بوفرته دخيلًا مستوردًا عبر موانئ الساحل البحرية غربًا، كحبوبٍ للغذاء بالدرجة الأولى. فيما للرز في سيرته أصيلًا مستنبتًا في أحواض الداخل النهرية شرقًا ما هو سابق على كونه حبوبًا للغذاء، إنما حبًّا للدواء وطقوس البشرى والرجاء. ومن هنا، محاولتنا استعادة تاريخ الرز بوجهيه الداخلي والساحلي، أي النهري والبحري أو الشرقي والغربي، لجدلهما كسردية ممتدة للرز وذاكرته في فلسطين بدءًا من سيرته الشرقية – النهرية.

أرزاز النهر

لطالما نشأ علم الآثار في فلسطين بوصفه فعلًا حفريًا – استعماريًا، وصار ما بعد نكبة عام 1948 حكرًا على الأركيولوجيا الإسرائيلية، كأداة في خدمة الرواية الصهيونية. بحسب مقالة بالعبرية للكاتب الإسرائيلي عاموس فينتر بعنوان “مع كثير من الأرز”، فإن حفريات أجراها الصهاينة على مدار عقود ما بعد النكبة في منطقة الحولة وغور الأردن تثبت بأن زراعة الرز في البلاد، ولو بكميات قليلة، تعود إلى مرحلة ما قبل الميلاد في العصر الهيلنستي. بينما في رواية أركيولوجية أخرى، بحسب فينتر، تقول إن الرومان هم أول من زرع الأرز على ضفاف نهر الأردن في فلسطين في القرن الأول للميلاد، خصوصًا إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن للرز حضورًا في الرواية التوراتية التي أشارت إلى زراعته في “فلسطين التوراتية” فيما يعرف توراتيًا بـ “عصر المشناه” الممتد من نهاية القرن الميلادي الأول إلى بدايات القرن الثالث للميلاد. وذلك في محاولة تبدو فيها الحفريات الأثرية – الصهيونية “مطابقة” لما جاء في التوراة عن الرز وشتله في البلاد.

إلا أن المصادر الجغرافية – العربية أوضح في روايتها عن زراعة الرز في فلسطين. ففي العصر الفاطمي (909-1171م) يشير المقدسي (ت 990م) في مؤلفه الجغرافي الشهير “أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم” إلى ارتباط الرز وزراعته بمدينة بيسان على ضفاف نهر الأردن بقوله: “بيسان بلد كثير نخيلٍ وأرزاز”. يذكر الرز في بيسان بصيغة الجمع “أرزاز” كما لو تعددت أصناف زرعه في بيسان. وبالنسبة للمقدسي في تعداده لأشهر محاصيل الشام في أشهر مدنها، فقد اعتبر “الأرز من بيسان” دون سواها. كانت زراعة الرز تتطلب مناخًا حارًا ورطبًا ومياهًا متبركة دائمة، وهي شروط غير متوفرة في فلسطين إلا في الأغوار على ضفاف نهر الأردن وحواف الأحواض المائية فيها مثل طبريا والحولة.

مع الحملات الصليبية على البلاد أواخر القرن الحادي عشر الميلادي، أصبح الرز البانياسي أحد أشهر أنواع الرز في بلاد الشام قاطبة، نُسب إلى مدينة بانياس الجولان، إلا أنه كان يُزرع في منطقة الحولة من غور فلسطين الأعلى تحديدًا. حيث كانت بانياس في حينه مدينة الحولة، تُعرف بها لتمييزها عن بانياس المدينة الساحلية في الشمال السوري، وكذلك كان يُطلق على الحولة حولة بانياس لتفريقها عن حولة حمص في سورية.

أما عن رز حولة بانياس (شمالي فلسطين)، فقيل “عليكم بالبانياسي” بحسب ما يذكر الذهبي (ت 1348م) في مؤلفه “تاريخ الإسلام”. والبانياسي الذي يعود إلى القرن الثالث عشر للميلاد هو أبو محمد البانياسي، أحد أكبر تجّار الرز في بانياس، كان يدّخر رز الحولة ثم يبيعه لتجار دمشق بحسب ما يروي الذهبي. فيما يؤكد غرس الدين خليل بن شاهين الظاهري (ت 1468م) أن بانياس الحولة كان يتبعها ما يزيد عن 200 قرية، منها قرى الحولة التي كان “يُزرع بها الأرز، ويُجلب منها إلى دمشق…”. واستمرت الحولة موطنًا لبرك ماء شتل الرز في التاريخ المملوكي كذلك، حيث غدت الحولة تتبع نيابة صفد، فهذا العثماني (ت 1378م) صاحب كتاب “تاريخ صفد” يشير إلى الحولة باسم بلاد الخيط “يزرع فيه الأرز والبطيخ ومغله جيد…”.

رز الطبيب والحليب

كانت الحولة، بحكم تشكيلها البيئي ووجود سبخات للماء المتبرك – اعتُبرت لاحقًا مستنقعات يجب تجفيفها – ما بين البحيرة والسهل، تتيح زراعة الرز فيها. تراجعت زراعة الرز في الحولة وغور بيسان مع التاريخ العثماني، على ما يبدو من المصادر، خصوصًا مع بدء استيراد الرز من مصر عبر الساحل. ومع ذلك، ظلت زراعته على تواضعها في الحولة وعلى ضفاف النهر في الغور قائمة حتى أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، وظلت زراعته ترتبط بقبائل وقرى بعينها في الحولة، مثل قبيلة الويسية المرتحلة بخيامها ما بين الجولان والحولة. وقد أشار إليها الكاتب السوري تيسير خلف في كتابه “المفصل في تاريخ الجولان” على أنها كانت تزرع الرز والدُخنة “الذرة” جنوبي الحولة مع مجرى النهر المؤدي إلى طبريا جنوبًا.

لم يكن الرز على مدار تاريخ استنباته وشتله في أحواض مياه أغوار فلسطين الشرقية من بيسان جنوبًا وحتى الحولة شمالًا يقتصر على استخدامه حبوبًا للغذاء. أو لنقل، لم يكن الرز يُعتبر طبقًا للأكل بذاته أساسًا، فقد استُخدم الرز لخلطه مطحونًا بطحين القمح للخبز، وكذلك باعه العطارون دواءً لبعض الأمراض في مدن الشام، فضلًا عن توظيفه في طقوس الاستشفاء والتشفع والرجاء باعتباره حبًّا مباركًا يرمزُ للوفرة والوفق والرزق.

وفي الوقت نفسه، كان للرز حمولة دلالية سلبية بوصفه دواءً للمرض، “فإذا سُئلت إحداهن عن سبب شراء الرز ردت: بعيد عنك عنا مريض، الله لا يدخّل الرز على بيتك”، بحسب ما يروي الكاتب اللبناني محمد نصار في مقالة قصيرة له منشورة على مدونة جبل عامل بعنوان “يوم كان العز للرز” عن الرز في مخيال فلاحي قرى مرج عيون وجبل عامل، حيث اعتُبرت الحولة تاريخيًا امتدادًا جغرافيًا لهما. يقول نصار: “كان الرز قليل الوجود بين إيدين الناس، ولا يدخل البيوت إلا في حالات نادرة، إما للعلاج أو لإقامة الولائم في السراء والضراء، فكانت الناس تستعمل خبز الشعير للأكل في بيوتها، بينما الرز للعلاج كدواء لا كغذاء”. وحتى ولائم الرز في حينه كانت تقتصر على فئة معينة من الزناجيل والأفندية ومُلّاك الأرض.

كان أشهر ما أسفر عنه الرز أكلًا في موطن استنباته على ضفاف وأحواض مياه نهر الأردن هو الرز بالحليب أو “البحتة”، فهذه الأخيرة يمكننا اعتبارها أهم ما تميز به مطبخ غور فلسطين تاريخيًا. وقد أشار الرحالة والطبيب الألماني أولريخ سيتزن عند مروره بالحولة عام 1805 ونزوله منها مع النهر باتجاه طبريا إلى بدو خيام النهر يأكلون الرز بالحليب والخبز، ويقدمونه ضيافة كلما مر بهم ضيف. وكذلك يقول الحاج رفيق التهتموني من بيسان في مقابلة شفوية معه على موقع فلسطين في الذاكرة عن الرز بالحليب إنه الأكلة الأشهى والأشهر في تاريخ مدينته بيسان حتى نكبتها عام 1948، حيث ظلت تقدم في الأعراس والمناسبات الدينية بلجون – من لجن أي وعاء – مع السمن البلدي.

منع الرز من نهره

ليس مرد انحصار استنبات الرز في غور بيسان والحولة لاستيراده أيام العثمانيين من مصر فحسب، إنما قيّدت سلطات الدولة العلية منذ مطلع القرن العشرين، وبفرمانات رسمية، زراعة الرز في الحولة والأغوار وسائر الأحواض المائية – النهرية في بلاد الشام. ففي عام 1909 صدر قانون عثماني رسمي قيّد زراعة الرز بشروط تنظيمية، منها وجوب تأمين صرف المياه من حقول الرز بشكل متناوب حتى لا تتكون “المستنقعات” وتكوّن بؤرًا لانتشار البعوض الذي ينقل الملاريا، بحسب ما جاء في دراسة “الرز: زراعته وآفاته” للباحث السوري ميشيل غزي.

انحصرت حقول الرز في الحولة، في الوقت الذي صار يُنظر فيه إلى برك المياه المشتول فيها الرز على أنها “مستنقعات” ومصدرًا للملاريا مع هيمنة خطاب الطب الاستعماري الحديث منذ مطلع القرن العشرين. وقد طاولت مشاريع التجفيف في الحولة والغور عمومًا الرز واستنباته بشكل أو بآخر، تمامًا كما طاولت موارد أخرى مثل البابير الذي كان ينبت في برك غاب الحولة، ومنه كانت تُصنع الحُصر في الحولة.

كثّفت منذ ثلاثينيات القرن العشرين الرواية الصحية الصهيونية، المحمولة بنبرتها الوقائية، من خطابها وموقفها من الماء المتبرك “المستنقعات” وضرورة تجفيفه. لا بل اعتبر الخطاب الصحي الصهيوني استنبات الرز بذاته تمكينًا لفكرة المستنقع الباعث على المرض. وما يزال أرشيف متحف مستوطنة يسود همعلا الصهيونية في الحولة يحوي أدبيات موثقة على شكل رسائل وقصاصات تعود إلى فترات مبكرة من تأسيس المستوطنة في أواخر القرن التاسع عشر، تتضمن موقفًا مما اعتبرته “آفة” حقول الرز في برك سهل الحولة وأثرها السلبي على البدن الصهيوني.

في الأخير

ما يزال “أبو الرز” طائر بحيرة الحولة يقصدها إلى يومها هذا، بالرغم من تجفيف بركها وبحيرتها، إلا أن سلامة النهر في مجراه ظلت تمثل دعوة للطير في موسم قدومه للحولة. يُطلق عليه الإسرائيليون، بعد تحويلهم الحولة إلى محمية طبيعية منذ خمسينيات القرن الماضي، بالعبرية اسم “كانيت أورز”. كان للرز واستنباته في سيرته النهرية من بيسان إلى الحولة ذاكرته وكذلك معجمه الذي ظل مسترخيًا في ذاكرة بدو وغوارنة النهر، تمامًا مثلما استرخت شتلة الرز في حقول ماء النهر، فظلَّ يقال “دار فلان كانوا في الحولة سمّاكة ورزازي” أي امتهنوا صيد السمك وزراعة الرز.

كما ظلت قصة عرب البواطي، العشيرة المهجرة التي كانت تقيم بمضاربها البدوية على ضفة الشريعة الغربية في قضاء بيسان، تُحيل في تسميتها إلى سِعة بواطي رزها، والتي يُقال إن باطية رز أعراس العشيرة ومناسبتها كانت “بتسع الزلمة” على حد تعبير الحاج إبراهيم محمد البواطي في مقابلة معه عن عشيرته عرب البواطي على موقع فلسطين في الذاكرة. ويقول إن مؤسس العشيرة كان يُلقب بـ “سنجاب الباطية” لسطوة سيفه وكرم باطية رزه على ضفاف النهر. “ترى الشاة تسير نحو القِدر، ثم لا تلبث أن تعود والبخار يتصاعد منها جاهزة ليأكلها الناس” هذا ما وصفه الرحالة الأميركي وليام تومسون في كتابه “الأرض والكتاب” حين نزل في ضيافة عرب البواطي في خمسينيات القرن التاسع عشر واصفًا بواطي رزهم في ديار بيسان.

لقد خبت ذاكرة الرز النهرية في تاريخ فلسطين الحديث في الوقت الذي صار فيه للرز ذاكرة أخرى بحرية، ليس مشتولًا في الماء هذه المرة، إنما محمولًا عبره بأكياس من خيش الجندرمة والجيش إلى فلسطين، وتلك حكاية أخرى

Share This Article