المسار : تعتصر ذاكرة اللبنانيات ولا سيّما الجنوبيّات، مشاهد أليمة من موجات النزوح المتكرر وويلات الحروب والأزمات المعيشية، وقد صمدن في أحلك الظروف رغم الفقد والعوز.
في وقت تحتفي فيه الدول والشعوب والمنظمات والجمعيات باليوم العالمي للمرأة الذي يصادف في الثامن من مارس/ آذار من كل عام، تقف المرأة اللبنانية مجدداً في مواجهة قصفٍ عنيف ونزوحٍ مرير لا يفارق يومياتها. وممّا لا شك فيه أن العدوان الإسرائيلي على لبنان الذي توسع في مطلع مارس الجاري لم يكن العدوان الأول، وربما لن يكون الأخير، في تاريخ اللبنانيات اللواتي صمدن أمام ألم الفقدان وويلات الكوارث والأزمات والغارات المُعادية.
يختزل وجه الحاجّة آمنة عميص سنوات الحزن والقهر التي اختبرتها المرأة اللبنانية، ولا سيّما الجنوبية، طيلة عقودٍ متواصلة من الحروب الإسرائيلية والاشتباكات الداخلية والأزمات المعيشية. 75 عاماً من عمرها، كما تقول، وربما أكثر، تسرد تلك المسنّة تفاصيلها وقسوتها، وهي تنتظر تأمين صفٍ مدرسي يؤويها وأفراد عائلتها بعدما اضطروا جميعاً إلى النزوح من جنوب لبنان نحو العاصمة.
تقول الوالدة لثماني شابّات وشاب لـ”العربي الجديد”: “عشنا حروباً كثيرة لا تُعدّ ولا تُحصى، وأجبرتنا الظروف القاهرة على النزوح مراراً وتكراراً من بلدتنا جبشيت بمحافظة النبطية (جنوب)، وما زلنا حتى اليوم في رحلة ذهاب وإياب قسرية، وكأن النزوح والتهجير قدرٌ لا مفرّ منه”. تستذكر معاناتها خلال الحرب الأهلية اللبنانية، إذ كانت تقيم في منطقة النبعة في بيروت، قبل أن تنتقل لاحقاً إلى الجنوب، تلك المنطقة التي صارت ساحة مفتوحة للحروب الإسرائيلية المتتالية.
وتضيف الحاجّة آمنة: “قضيتُ كل سنوات حياتي في الحرب والتهجير، ولم أعد أذكر عدد الحروب ولا كم مرة هُجّرنا. كل ما أذكره معاناتنا الشديدة، إذ لا يمكنني أن أنسى الأيام والأشهر التي كنا نقضيها كل مرة في ملاجئ ومراكز إيواء متهالكة، كنا أسيرات الغرف الضيقة والحياة المعيشية المُزرية. وكان علينا نحن النساء أن نواصل رعاية أولادنا وأحفادنا وأن نحمل همّهم ونداوي أوجاعهم، من دون أن نكترث لأوضاعنا الصحية والنفسية المتدهورة”. تحاول آمنة، المسنّة اللبنانية، تذكر عدد أحفادها، وتقول ممازحةً: “هم 28 أو 30 حفيداً، لا يمكنني تعدادهم، فهم كُثر مثل الحروب”. وتتابع: “لا نريد اليوم سوى تهدئة الوضع الأمني والعودة إلى منزلنا، لقد ذقتُ الأمرّين طيلة سبعة عقودٍ وأكثر”.
على كرسيّ بلاستيكي في المعهد الفني الفندقي بمنطقة بئر حسن في الضاحية الجنوبية لبيروت، تجلس النازحة زينب فقيه برفقة أطفالها الخمسة، وتقول لـ”العربي الجديد”: “إنها الحرب الرابعة منذ ولادتي والحرب الثانية التي تمرّ عليّ مع أطفالي. لقد سبق أن هُجّرنا أكثر من مرة من بلدتنا خربة سلم (جنوب)، وخلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة التي استمرت 66 يوماً في العام 2024، نزحنا إلى المعهد الفني ذاته، وكنا نعتقد أن الحرب ستنتهي إلى غير رجعة، لكننا وجدنا أنفسنا مجدداً في باحات القهر والنزوح”.
كانت زينب نائمة عندما بدأ القصف الإسرائيلي الأخير في جنوب لبنان فجر الأحد – الاثنين، في الثاني من مارس، فكان أن هرعت لإيقاظ أطفالها وتوضيب ما تيسّر من احتياجات أساسية قبل مغادرة المنزل. وتضيف: “لا شكّ أن معاناة المرأة أكبر من معاناة الرجل خلال الأزمات والحروب والنزاعات، ومسؤولياتها مضاعفة، إذ تقع عليها مهام رعاية الأطفال، ومحاولة سدّ جوعهم بأضعف الإمكانات المتوفرة، فضلاً عن تبديد مخاوفهم وصراخهم وبكائهم، وما ينتابهم من قلقٍ ليلي يحرم الأمهات من النوم أو حتى أخذ قسطٍ من الراحة”.
لا تتوقف هموم النساء عند الاهتمام بالأولاد، إنما تطاول الظروف المعيشية اليومية، بحسب زينب. وتتابع المرأة الثلاثينية: “نشأتُ خلال الحرب، تزوّجتُ وأنجبتُ خلال الحرب، ولم يُكتب لي العيش بهناء ورخاء، بل تتآكلني مشاعر القهر، وبين يديّ طفلان، واحد بعمر عامين والثاني بعمر ثلاثة أعوام، ما زالا بحاجة للحليب والحفاضات، إضافة لإخوتهم الآخرين الذين يقاسون بدورهم هلع الغارات والهروب، وعذابات النزوح، والنوم داخل السيارة، والازدحام الشديد الذي جعلنا عالقين تسع ساعات في مدينة صيدا (جنوب)، وحدها”. وتختم زينب بالقول: “كل ما أتمناه للنساء اللبنانيات اليوم أن ينعمن بحياة أفضل وأكثر أمناً وأماناً لهنّ ولأولادهنّ، كفانا ذلاً وحرماناً وكفى أولادنا صراخاً وبكاء”.
وفي 5 مارس الجاري، أعلن مكتب صندوق الأمم المتحدة للسكان في لبنان، أنّ “معاناة النساء والفتيات لم تتوقف بل ازدادت قسوة مع تصاعد حدة الصراع في البلاد. فقد أجبرت الغارات الجوية الإسرائيلية المكثفة على بيروت وجنوب لبنان ووادي البقاع 83,800 شخص على النزوح من منازلهم منذ 2 مارس، من بينهم 970 امرأة حامل. ويُضاف هؤلاء إلى 65 ألف شخص ما زالوا نازحين داخلياً جراء صراع العام 2024”. وكانت هيئة الأمم المتحدة للمرأة في لبنان أفادت العام الماضي أن “نزاع العام 2024 تسبّب في نزوح أكثر من 1.2 مليون شخص، وقد شكلت النساء والفتيات أكثر من 51% من النازحين”.
تعوّدت سميرة حجازي على الحروب التي رافقتها منذ أن فتحت عينيها وأبصرت نور الحياة، وتُخبر “العربي الجديد” بأن قدر المرأة اللبنانية مختلفٌ عن غيرها من نساء العالم، ولو أنه يتشابه مع بعضهنّ، وتقول: “بصفتي ابنة الجنوب، فقد عشتُ الحروب والصراعات والتشرد في الطرقات. ولعلّ من أبشع الذكريات اضطراري إلى النزوح عقب حرب يوليو/ تموز 2006 من منزلي في بلدة حاريص الجنوبية بواسطة (بيك آب) والدي نحو ساحة البلدة، وكنتُ حينها قد أنجبتُ طفلي، وكان لا يزال بعمر عدة أيام، قبل أن تحلّق طائرة إسرائيلية فوق رؤوسنا، وتصيبنا بالخوف والرعب. لم أقوَ حينها على الصراخ، إنما احتضنتُ طفلي ووضعتُ كتاب القرآن الكريم فوق رأسه، قبل أن نتمكن من النجاة والهروب نحو أحد الملاجئ”.
لا تنتهي مأساة المرأة خلال الحروب، بحسب ما تقول سميرة، فهي تحمل هموم أولادها وعائلتها وإخوتها وأهل زوجها وجميع أقاربها وأحبّتها. وتضرب مثالاً بذلك، إذ تقول: “وصلنا عند ساعات الليل إلى مدرسة عرمون الرسمية في محافظة جبل لبنان، بحثاً عن مركز إيواء آمن، لكنّني لم أستطع النوم، بل راودني القلق على شقيقتي التي وضعت مولودها قبل أيام من التصعيد الإسرائيلي، ولم تتمكن بعد من الوصول إلينا. شعرتُ أن السيناريو ذاته يتكرر، وأن المعاناة لا تفارق نساء عائلتنا”.
تختصر سميرة، الأم لثلاثة أولاد، تمنياتها بوقف الحرب وعودة النازحين إلى بلداتهم ومنازلهم، وتختم بالإشادة بصلابة المرأة اللبنانية التي ما زالت تكافح رغم الغارات والحروب والضائقة المعيشية، ورغم ما تبذله من جهود خلال شهر رمضان في إعداد وجبات الإفطار والسحور. فهي لا تتوقف عن نشر الأمل والفرح وسط أفراد عائلتها.
لا تُخفي شقيقتها لينا حجازي خوفها على أولادها الأربعة، وتقول لـ”العربي الجديد”: “قليلةٌ هي الأيام التي عشناها من دون استهدافات إسرائيلية أو من دون اشتباكات وأزمات داخلية، أو من دون شهداء ولحظات بكاء وحزن. فمنذ الحرب الأهلية اللبنانية (1975- 1990) مروراً بالحروب الإسرائيلية التي قاربت عشراً منذ العام 1948، نذوق الويلات. وُلدنا بالحرب، عشنا تفاصيلها، وما زلنا مكانك راوح. كل مرة تتضرر منازلنا، نرمّمها، نفقد أحبّة، نودّعهم وندفنهم، نتّشح بالسواد، وننهض من جديد، لكن الحرب لم تنتهِ، وراحة البال لدى اللبنانيات ما زالت بعيدة المنال”.
أما نوال نسر فتتحسر على أيامٍ مريرة قضتها النساء اللبنانيات على الطرقات، وتقول لـ”العربي الجديد”: “عشتُ الحرب منذ ولادتي في بلدة البازورية (جنوب)، تزوّجتُ وأنجبتُ خلال الحرب، كبر أولادي خلال الحرب، وما زلنا لليوم في عداد النازحين، بعدما هُجّرنا قبل ذلك من بلدة مركبا، وهي بلدة زوجي الحدودية، حيث دُمّر منزلنا”. تضيف المرأة الستينية: “كنا نقيم في بلدة خربة سلم قبل أن ننزح حديثاً إلى بيروت، وسط غياب أدنى مقوّمات الحياة”، وتروي الوالدة لشابّين وشابّتين والجدّة لستّة أحفاد، ذكرياتها الأليمة عن الحروب وموجات النزوح، إذ لا تفارق مخيّلتها دمعة مُسنّ مهجّر أو بكاء طفلٍ أو حرقة أمّ أو ضيق حال أبٍ لا يقوى سوى على النزوح.
صمدتْ الحاجّة دعد شمس الدين في بلدة مركبا الحدودية وعاشت كل الحروب قبل أن تُجبرها الغارات الإسرائيلية الأخيرة على النزوح نحو العاصمة. لم تُرزق بأولاد، لكنّها احتضنت أبناء الجنوب المقاتلين طيلة سنوات، حتى أنّها لُقّبت في البلدة بـ”أمّ الكل”، وتقول لـ”العربي الجديد”: “صبرتُ على المحن والعذابات، وأثبتُّ أسوة بغيري من نساء الجنوب أن المرأة اللبنانية عصية على الانكسار، تتمسك بكرامتها وعزتها، وتقاوم في أوقات الحرب والسلم، رغم انعدام أدنى مقوّمات الحياة”.
هُجّرت بتول معتوق ست مرات من بيروت خلال الحرب الأهلية اللبنانية، ومرات عديدة من الجنوب عقب الاجتياحات والحروب الإسرائيلية، وكانت كل حرب أصعب من سابقتها، وفق قولها. بتول، الأم لأربعة أولاد و11 حفيداً، وصلت أخيراً إلى مدرسة عرمون الرسمية نازحةً من بلدة القصيبة الجنوبية، تقول لـ”العربي الجديد”: “لا كلام يُقال بعد كل هذه المآسي، وكل آمالنا اليوم أن ينعم الجيل الجديد براحة البال، وأن تحظى النساء اللبنانيات بالسلام والاستقرار، خصوصاً أن المرأة تعاني أكثر خلال الحرب، فهي تتحمل شتّى المسؤوليات وتكون عاطفتها أقوى، وتتولّى مسألة الاهتمام بطعام أولادها ونظافتهم الشخصية وصحتهم، والوضع أصعب إنْ كانت حاملاً أو مُرضعة، تماماً كما هي حال ابنتي اليوم، وهي حامل في الشهر السابع، وكل ما أخشاه أن تلدَ ونحن ما زلنا في جحيم النزوح”.

