كتب “صالح شوكة” عندما تكشف ساعتان من الاعتقال حقيقة السجون

المسار :لم تكن الساعتان والنصف اللتان قضيتهما معتقلًا سوى تجربة قصيرة في الزمن، لكنها كانت كفيلة بأن تفتح أمامي نافذة صغيرة على واقعٍ قاسٍ يعيشه آلاف الأسرى الفلسطينيين.

ففي تلك اللحظات القليلة شعرت بثقل القيود، وبالإهانة التي يحاول الجندي فرضها على من يقع بين يديه، وبالخوف الذي يُراد له أن يتسلل إلى قلب المعتقل منذ اللحظة الأولى.

وربما كان الضرب والصراخ والتهديد جزءًا من تلك التجربة القصيرة، لكنها جعلتني أدرك أن ما يعيشه البعض لساعات قليلة، يعيشه غيرهم لسنوات طويلة خلف جدران السجون.

فإذا كانت ساعتان ونصف كفيلتين بأن تترك في النفس هذا الأثر، فكيف هي حال من يقضي شهورًا وسنوات في الزنازين؟ كيف تبدو حياة الأسرى الذين يبدأ اعتقالهم بالضرب والتنكيل في الشارع أو عند الحواجز، ثم يجدون أنفسهم في غرف التحقيق، قبل أن تبدأ رحلة طويلة من المعاناة داخل السجون؟

منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، شهدت قضية الأسرى الفلسطينيين تصعيدًا كبيرًا في حجم الاعتقالات والانتهاكات داخل السجون. فقد اتسعت حملات الاعتقال في الضفة الغربية والقدس بشكل ملحوظ، وترافقت مع إجراءات أكثر تشددًا داخل السجون، انعكست بشكل مباشر على حياة الأسرى وظروف احتجازهم.

وتشير المعطيات إلى أن عدد الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين في سجون دولة الاحتلال الإسرائيلي تجاوز 9500 أسير، بينهم 73 أسيرة وآلاف المعتقلين الإداريين المحتجزين دون تهمة أو محاكمة.

كما ارتفع عدد المعتقلين الإداريين إلى أكثر من 3400 معتقل، في ظل استمرار استخدام هذا الإجراء الذي يسمح باحتجاز الفلسطينيين لفترات طويلة دون تقديم لائحة اتهام.

وفي الوقت ذاته، شهدت أوضاع الأسرى داخل السجون تدهورًا كبيرًا منذ ذلك التاريخ، حيث فرضت إدارة السجون إجراءات مشددة شملت تقليص كميات الطعام، ومصادرة العديد من المقتنيات الأساسية، وتقليص ساعات الخروج إلى الساحات، إضافة إلى الحد من الزيارات والتواصل مع العالم الخارجي. كما تتكرر عمليات اقتحام الأقسام وتنفيذ حملات قمع بحق الأسرى، في ظل اكتظاظ كبير داخل الغرف والأقسام.

ولا تقف معاناة الأسرى عند حدود الظروف المعيشية القاسية، بل تمتد إلى الإهمال الطبي والضغوط النفسية المستمرة، إضافة إلى الاعتداءات الجسدية التي يتعرض لها الأسرى خلال التحقيق أو أثناء عمليات التفتيش واقتحام الأقسام.

هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات، بل هي حكايات إنسانية تختبئ خلف الجدران العالية.

فكل أسير يحمل قصة اعتقال، وكل زنزانة تختزن سنوات من الألم والصبر، في وقت يحاول فيه السجان كسر إرادة الإنسان الفلسطيني.

ورغم قسوة الواقع داخل السجون، بقي الأسرى الفلسطينيون عنوانًا للصمود والإرادة.

فقد تحولت الزنازين عبر العقود إلى مساحات للصبر والتحدي، حيث يواصل الأسرى الدفاع عن كرامتهم وحقوقهم الإنسانية رغم القيود والجدران العالية.

إن تجربتي القصيرة في الاعتقال لم تكن سوى لحظة عابرة مقارنة بما يعيشه آلاف الأسرى. لكنها كانت كافية لتكشف حقيقة مؤلمة: أن خلف هذه الجدران رجالًا ونساءً يدفعون سنوات من أعمارهم ثمنًا للحرية. وربما تستطيع السجون أن تقيد الأجساد، لكنها لم تنجح يومًا في كسر إرادة شعب ما زال يؤمن بأن الحرية حق لا يمكن أن يُدفن خلف القضبان.

Share This Article