المسار : في مخيمات النزوح لا تُقاس المعاناة بفقدان المأوى فحسب بل تتجسد بصورة أشد قسوة في غياب أبسط تفاصيل الحياة اليومية هناك حيث تتلاصق العائلات وتضيق المساحات يتصدر الماء قائمة الأزمات متقدماً على الطعام والدواء هنا لا يُقاس اليوم بالساعات بل بعدد المرات التي ينجح فيها الإنسان في الحصول على جرعة ماء تُبقيه على قيد الحياة.
▪︎ شح المياه في المخيمات
تعاني مخيمات النازحين من نقص حاد في المياه نتيجة جملة من العوامل أبرزها تدمير شبكات المياه والبنية التحتية ونقص الوقود اللازم لتشغيل محطات الضخ والمعالجة إلى جانب صعوبة وصول المساعدات الإنسانية والاكتظاظ الشديد داخل المخيمات وتجتمع هذه العوامل لتجعل الوصول إلى المياه النظيفة تحدياً يومياً شبه مستحيل يواجهه النازحون في ظل ظروف إنسانية قاسية.
▪︎ مئات الآلاف من النازحين يقفون في طوابير طويلة تحت أشعة الشمس الحارقة يحملون أوعية بلاستيكية فارغة بانتظار شاحنة مياه قد تصل أو لا تصل ، الأطفال الذين كانوا يركضون خلف اللعب باتوا يركضون خلف عربات المياه والنساء اللواتي كنّ يدبرن شؤون بيوتهن أصبحن يقضين ساعات يومياً في البحث عن بضع لترات تروي عطش ابنائهن وفي كثير من الأحيان ينتهي هذا الانتظار بخيبة أمل موجعة.
▪︎ بين الندرة والتلوث
لا تتوقف الأزمة عند قلة المياه بل تمتد إلى جودتها فالمياه المتوفرة غالباً ما تكون مالحة أو ملوثة نتيجة اختلاط مياه الشرب بمياه الصرف الصحي هذا الواقع يضع النازحين أمام خيارين أحلاهما مرّ إما العطش أو استهلاك مياه غير آمنة.
وقد أدى ذلك إلى انتشار أمراض متعددة خاصة بين الأطفال وكبار السن مثل النزلات المعاوية والالتهابات الجلدية في ظل غياب المنظومة الصحية والإمكانيات اللازمة.
▪︎ شهادات حية من المخيمات
“الماء أكبر معاناتنا ” هذا ما وصفته أم محمد وهي أم لخمسة أطفال نازحة بمخيم التلة بالمواصي قائلاً “أنتظر لساعات طويلة في طوابير المياه قد لا تصل الشاحنة أصلاً وإن وصلت لا تكفي الكمية ليوم واحد واحياناً تنفذ قبل أن يصل دوري.”
مشيرة الى ان رحلة البحث عن الماء تستنزف الوقت والجهد وتسرق من النساء قدرتهن على رعاية أسرهن في واقع يومي يفرض عليهن معركة جديدة مع العطش.
▪︎ طفولة منزوعة
“بدل اللعب نبحث عن الماء” يردد الطفل احمد الذي لا يتجاوز العاشرة من عمره نازح في مخيم النور ” كنت ألعب مع أصدقائي الآن أذهب مع أبي حاملًا عبئاً يفوق طاقتي لجلب الماء.”
هذه الشهادة البسيطة تختصر تحول الطفولة إلى مسؤولية قاسية في واقع لا يشبه أعمارهم.
▪︎ لا خيار آمن
نشرب ونحن نعرف أنه ملوث تقول إحدى النازحات في مخيم الخير ” الماء أحياناً له طعم غريب ورائحة سيئة لكن ماذا نفعل؟ نشربه رغم خوفنا من الأمراض.”
بين الخوف من العطش والخوف من الأمراض لا يملك النازحين خياراً آمناً.
هذه الشهادات الحية تُجسد بوضوح حجم المعاناة التي يعيشها النازحون داخل المخيمات حيث تتحول تفاصيل الحياة اليومية إلى صراع مستمر من أجل البقاء وتصبح أبسط الاحتياجات انعكاساً لأزمة إنسانية متفاقمة.
في مخيمات النزوح لم يعد الماء مجرد حاجة يومية بل تحول إلى خط الحياة الأخير في معركة بقاء صامتة بين ركام البنية التحتية المنهارة وتحت ضغط الحصار وتراكم التلوث يصبح الوصول إلى قطرة ماء نظيفة فعل مقاومة يومي يخوضه النازحون بإنهاك لا يُرى لكنه يُعاش بكل تفاصيله.
إن استمرار شح المياه في المخيمات يضع أكثر من مليوني إنسان أمام هشاشة وجودية قاسية حيث يختلط العطش مع المرض واليأس بالانتظار في واقع يزداد انغلاقاً مع كل يوم بلا حل جذري ومع تعمّق الأزمة لم يعد الماء مجرد مورد نادر بل صار الحد الفاصل بين الحياة وما يشبهها كحياة تُؤجل يوماً بعد يوم وتُختزل فيها أبسط الحقوق إلى معركة يومية صامتة لا يُسمع فيها سوى صبرٍ مُنهك يثقل الانتظار.
كتبت … امنه الدبش
صحفية من قطاع غزة.
شح المياه في المخيمات صراع يومي لا ينتهي

