المسار :مضيق هرمز من أهم الممرات المائية الإستراتيجية في العالم، يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية وحوالي ثلث الغاز الطبيعي المسال. وأي توتر أمني في المضيق، يؤدي مباشرة إلى ارتباك سلاسل الإمداد العالمية وارتفاع أسعار الطاقة، ونقصاً في الغذاء والسلع الحيوية، وقد تؤثر على الأمن الغذائي العالمي فحوالي ثلث الأسمدة في العالم تمر عبر مضيق هرمز.
يدعي رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب حرصه على الأسواق العالمية، وعلى النظام التجاري العالمي، والرغبة في نفع دول العالم، حين يظهر أن مطالبته إيران فتح كامل لمضيق هرمز، إنما تأتي لصالح دول أخرى، وليس للولايات المتحدة إلا مصلحة محدودة جداً، وأنها لا تبالي بذلك الأمر. وحسب ترامب: إن الولايات المتحدة أصبحت الآن أكبر بلد منتج للنفط في العالم، ولذلك فهي لم تعد بحاجة إلى نفط منطقة الشرق الأوسط.
على عكس تصريحاته، تبين سياساته المتناقضة المدى السلبي الذي تؤثر في إحداث التوتر في الأسواق العالمية لاسيما في إشعال الحرب التجارية وفرض الرسوم الجمركية المشددة مما أدى إلى رفع تكاليف السلع وزيادة أسعارها، وتحميل عبئها للأسر والشركات، وأدت هذه السياسات إلى عرقلة سلاسل التوريد العالمية، وتباطؤ النمو الاقتصادي العالمي، وزادت من معدلات التضخم.
وبعد كل هذه الأضرار يدعي ترامب الحرص على استقرار الأسواق العالمية بالإصرار على الفتح الشامل لمضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، رغم أن إيران لم تغلق المضيق، بل اتخذت إجراءات محددة للعبور، بحكم أن مياهها الإقليمية تمتد في مضيق هرمز لمسافة 12 ميلاً بحرياً من أصل ما يعادل 21 ميلاً بحرياً تتقاسمه مع سلطنة عُمان، تؤكد إيران على ضرورة التنسيق معها بخصوص حركة مرور السفن في «أوقات الحرب» المفروضة عليها، وذلك لضرورات دفاعية أمنية.
يوم الجمعة 17/4 أي قبل أيام قليلة، أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، وفق اتفاق يتعلق بوقف العدوان الاسرائيلي على لبنان، أن مضيق هرمز بات مفتوحا كلياً أمام جميع السفن التجارية طوال الفترة المتبقية من وقف إطلاق النار، لكن تم إعادة تشديد القيود على المضيق بعد أقل من 24 ساعة على إعلان فتحه، رداً على القيود الأمريكية المفروضة على موانئ إيران، والتي أضرت الاقتصاد العالمي، ورفعت أسعار الوقود.
خلال ولاية ترامب الأولى، وفي العام 2018 أعلن ترامب عن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي بشكل أحادي، وأعاد فرض عقوبات مشددة، ويصرح ترامب أنه يريد عقد اتفاق أفضل من اتفاق 2015 حول البرنامج النووي الإيراني، مقابل رفع العقوبات الاقتصادية. في يوليو/ تموز 2015 تم توقيع الاتفاق النووي، بين إيران ومجموعة «5+1»، وهي «الدول الخمس دائمة العضوية بمجلس الأمن + ألمانيا».
وقد وصف ترامب اتفاق عام 2015 المنسوب إلى الرئيس أوباما، بأنه كارثي وأحادي، يمهد لإيران إنتاج سلاح نووي بعد فترة معينة. وقال: «إنه واحد من أسوأ الاتفاقات التي أُبرمت على الإطلاق بالنسبة للولايات المتحدة ومنطقة الشرق الأوسط، لأنه مهد الطريق أمام إيران للحصول على أسلحة نووية».
ليست تغريدات ترامب بجديدة والتي تتعلق بتحالف دولي للسيطرة على المضيق، في تغريدة نشرها يوم الاثنين 24 يونيو/ حزيران 2019، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للدول التي تستورد النفط من منطقة الخليج، إن عليها حماية شحنات النفط التي تشتريها من دول المنطقة، يقول: «لا حاجة لنا حتى أن نكون هناك.. ولا ينبغي التعويل على القوات المسلحة الأميركية لضمان حرية الملاحة في المياه المحاذية للسواحل الإيرانية». وقال ترامب في منشور على «تروث سوشال»، يوم الثلاثاء31 آذار على الدول المتضررة الذهاب إلى مضيق هرمز والسيطرة عليه. وأضاف مخاطباً الدول التي ترفض المشاركة بتأمين هرمز: «لن نساعدكم مجدداً». ويبدي حرصه الشديد على الدول التي تحتاج إلى نفط يقول ترامب: «إلى الدول التي لا تستطيع الحصول على الوقود، والتي يرفض الكثير منها المشاركة في إضعاف إيران والتي اضطررنا نحن القيام بذلك بأنفسنا، لدي اقتراح، أولاً: اشتروا النفط من الولايات المتحدة الأميركية لدينا منه الكثير جداً، ثانياً: تحلوا بالشجاعة الكافية، كان يجب فعل ذلك معنا كما طلبنا، اذهبوا إلى المضيق واستولوا عليه، احموه، استخدموه، لقد دُمرت إيران بشكل كبير، وانتهى الجزء الأصعب، لذا يجب أن يكون الأمر أسهل».
يدعي الرئيس الأميركي دونالد ترامب: أن الولايات المتحدة ليست المتضررة من إغلاق مضيق هرمز، إذاً لماذا يجعل من مضيق هرمز مشكلة كبرى؟. هل لانتزاع ورقة المضيق القوية من يد إيران؟. تعتبر إيران هذا المضيق ورقة قوة استراتيجية في المفاوضات الدولية، أعلنت إيران فرض مسارات تحكّم خاصة للمرور من المضيق، وفرض رسوم على السفن العابرة رداً على الحصار الأمريكي لموانئها، ولتعويض خسائرها الجسيمة من الحرب العدوانية الصهيوأميركية، ففي حربين متتاليتين حرب 12 يوماً في حزيران/ يونيو 2025 وحرب الأربعين يوماً في 28 شباط/ فبراير 2026. استُهدفت البنية التحتية الإيرانية، لذا أعلنت إيران عن إجراءات جديدة، وأكدت أن الوضع في المضيق قبل الحرب لن يعود كما كان قبلها.
حث ترامب الدول المتضررة من إغلاق مضيق هرمز على الذهاب والسيطرة على هذا الممر الحيوي الذي يمر عبره خمس شحنات النفط والغاز حول العالم، وليس بينها ما يصل إلى الولايات المتحدة، يقول ترامب إن الولايات المتحدة لا تحتاج نفط الخليج، وأن لديها ما يكفيها من النفط، وإذا احتاجت للمزيد، تستورد النفط من كندا والمكسيك، واستيراد الولايات المتحدة للنفط من منطقة الخليج محدود جداً، حالياً لا تستورد من الخليج إلا نصف مليون برميل نفط يومياً بينما كانت تستورد مليوني ونصف برميل في عام 2003، قال ترامب: «إننا الآن مستقلون تماماً عن الشرق الأوسط، وأن الولايات المتحدة لا تستورد أي نفط تقريباً عبر مضيق هرمز ولا نحتاج إليه». يشكل نفط وغاز الخليج مركزاً مهماً من اهتمام الولايات المتحدة بمنطقة الخليج، ومضيق هرمز، يضاف لها حربه الاقتصادية على الصين، ومنافسة منتجاتها، وحجم الصادرات الأميركية إلى دول مجلس الخليج العربي، حيث تجاوز إجمالي صادراتها إلى المنطقة 50 مليار دولار في العام 2024، لذا تُعد الولايات المتحدة شريكاً تجارياً استراتيجياً رئيسياً لدول الخليج العربية. وللصين اهتمام كبير بمضيق هرمز، وتدرك الصين ومعها الدول التي لها مصلحة بمضيق هرمز، أن حرص الولايات المتحدة على سوق دولية ليس إلا لضمان تفوقها الاقتصادي لاسيما قوة الدولار، رمز الهيمنة الأميركية على الاقتصاد العالمي، ولهذا تتقلب سياستها بين نقيضين بين دعم «التجارة الحرة» في دعه يعمل دعه يمر، و«الحمائية»، في تدخل الدولة بشكل مباشر في التبادل التجاري، بما يخدم مصالحها القومية وأمنها الاقتصادي. وشهدت فترة الولاية الأولى للرئيس دونالد ترامب تحولاً جذرياً في السياسة التجارية الأمريكية الليبرالية، حيث تبنى نهجاً حمائياً تحت شعار تقليص العجز التجاري وإعادة الوظائف التصنيعية. يصف خبراء ظاهرة تباطؤ التجارة بأنها مفتعَلة بسبب «انتشار السياسات المقيّدة للتجارة» في العالم، أدت إلى حرب تجارية أشعلها الرئيس الأميركي دونالد ترامب في ولايته الأولى، استمرت في ولاية جو بايدن، وتصاعدت مرة أخرى مع عودة ترامب إلى البيت الأبيض، تحرص الولايات المتحدة على تصدير منتجاتها بفتح الأسواق الدولية أمامها، وهو ما يتماشى مع مفهوم «التجارة الحرة»، بينما فرض «رسوم جمركية» يعيق التجارة العالمية الحرة، وبذلك تختلط التكهنات حول سياسة ترامب الاقتصادية وفي ميله إلى الحمائية التجارية أم التجارة الحرة، إن ترامب لا يتبنى نهجاً محدداً، بل يتبنى ما يراه مناسباً يخدم المصالح الأميركية وفق مبدأ «أميركا أولاً»، فقد اقترح على إيران اقتسام أرباح الرسوم المفروضة على عبور السفن مضيق هرمز.

