المسار: لم يعد ما يجري في الضفة الغربية مجرد احتلال تقليدي قائم على السيطرة العسكرية المباشرة، بل تطوّر إلى نموذج أكثر خطورة ودهاء، يمكن وصفه بـ”الاحتلال بلا كلفة”، نموذج يتيح للاحتلال أن يمارس كل أشكال القمع من قتل واعتقال ومصادرة للأراضي وتضييق على الناس، دون أن يدفع ثمناً حقيقياً، لا سياسياً ولا أمنياً ولا حتى اقتصادياً، في هذا الواقع، يتحرك الاحتلال بحرية شبه مطلقة، يقتحم المدن متى شاء، ينصب الحواجز حيث يريد، ويعيد تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا وفق مصالحه، بينما يُترك الفلسطيني وحيداً في مواجهة يومية مع منظومة قمع متكاملة.
الحياة في الضفة لم تعد تُقاس بمؤشرات الاستقرار الظاهري، بل بحجم الاختناق المتراكم في تفاصيلها الصغيرة، العامل الذي يُمنع من الوصول إلى عمله، الطالب الذي يُحتجز على الحاجز لساعات، المزارع الذي يُحرم من أرضه، والعائلة التي تعيش تحت تهديد الاقتحام في أي لحظة… كلها صور تعكس واقعاً مركباً، حيث لم يعد القمع حدثاً استثنائياً، بل تحوّل إلى حالة دائمة، اقتصادياً تتآكل القدرة على الصمود مع تضييق سبل العيش، واجتماعياً، تتعمق حالة القلق وعدم اليقين، فيما يتآكل الإحساس بالأمان في أدنى مستوياته.
غير أن خطورة هذا المشهد لا تكمن فقط في ممارسات الاحتلال، بل في البيئة السياسية التي تتيح له الاستمرار بهذا الشكل المريح، هنا يبرز الدور الإشكالي للسلطة، التي يفترض بها أن تكون خط الدفاع الأول عن المجتمع، لكنها تتحول إلى جزء من معادلة تخفف العبء عن الاحتلال، لا في تعزيز صمود الناس، حيث يتم تكريس واقع إداري وأمني يضمن استقرار السيطرة الإسرائيلية بأقل كلفة ممكنة.
هذا التحول يجعل الاحتلال أكثر قدرة على التمدد دون مقاومة منظمة أو ضغط حقيقي، إذ لم يعد بحاجة إلى الانتشار الدائم أو تحمّل تبعات إدارة السكان بشكل مباشر، طالما هناك من يقوم بهذه الوظيفة بالنيابة عنه، وهنا تتجلى المفارقة القاسية: شعب يعيش تحت أقسى أشكال السيطرة، في ظل بنية سياسية عاجزة عن حمايته، بل وتساهم – بشكل مباشر أو غير مباشر – في إعادة إنتاج هذا الواقع.
إن أخطر ما في “الاحتلال بلا كلفة” أنه لا يكتفي بإدامة السيطرة، بل يعمل على تفكيك المجتمع من الداخل، عبر إنهاكه اقتصادياً ونفسياً، وضرب ثقته بكل الأطر القائمة، ومع استمرار هذا النموذج، تصبح المواجهة أكثر تعقيداً، لأن التحدي لم يعد فقط في إنهاء الاحتلال، بل في تفكيك البنية التي تسمح له بأن يكون مريحاً ومستداماً.
في الضفة الغربية، لم يعد السؤال فقط كيف ينتهي الاحتلال، بل كيف أصبح بلا كلفة إلى هذا الحد، وبين احتلال يزداد تغولاً، وسلطة تتآكل وظيفتها شرعيتها، يقف الفلسطيني أمام معادلة قاسية: إما كسر هذا الواقع بكل تعقيداته، أو الاستسلام لتدريجية الخنق التي لا تقتل دفعة واحدة، بل تستهلك الحياة ببطء حتى آخر نفس.
نقلا عن وطن للأنباء
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر المسار الإخباري

