المسار :يبدو أن ترامب ينظر إلى النظام السياسي الإيراني من زاوية مبسطة تقوم على فكرة أن هذا النظام يعتمد أساساً على حكم الفرد، وأن رأس الهرم هو الذي يمسك بكل الخيوط. ووفق هذا التصور، فإن اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي قد يؤدي إلى انهيار النظام أو على الأقل إدخاله في حالة ارتباك تفتح الباب أمام سقوطه. غير أن هذا الفهم يتجاهل طبيعة البنية المؤسسية والسياسية التي قامت عليها الجمهورية الإسلامية منذ قيامها في عام 1979.
فالنظام الإيراني، رغم تمركز السلطة الرمزية والدينية في موقع المرشد، ليس نظاماً يقوم على شخص واحد بالمعنى التقليدي، بل يقوم على شبكة معقدة من المؤسسات الدينية والعسكرية والسياسية التي تم تصميمها أساساً لضمان الاستمرارية في حال غياب أي شخصية قيادية. ولهذا، فإن مجرد التفكير في أن اغتيال خامنئي يمكن أن يؤدي إلى انهيار النظام يكشف عن سوء فهم عميق لطبيعة النظام نفسه وللثقافة السياسية التي تشكلت داخل بنية الدولة الإيرانية.
وفي هذا السياق، يكتسب اسم مجتبى خامنئي دلالة رمزية وسياسية مهمة. فمجرد طرح اسمه أو تداوله داخل دوائر النفوذ في إيران يحمل رسالة واضحة مفادها أن غياب هذا المسؤول أو ذاك، سواء كان عسكرياً أو سياسياً أو حتى المرشد نفسه، لا يعني فراغاً في السلطة. فهناك دائماً من يملأ الموقع بسرعة، لأن النظام صُمم بحيث يضمن انتقالاً فورياً للسلطة داخل مؤسساته.
إن التاريخ السياسي للشيعة، الممتد عبر قرون من الاضطهاد والصراع، أنتج ثقافة تنظيمية قادرة على التكيف مع غياب القادة. فقد اعتاد هذا التقليد السياسي والديني على فكرة استشهاد القادة أو غيابهم، ومع ذلك تستمر الجماعة وتعيد إنتاج قيادتها. وهذه الخلفية التاريخية تجعل فكرة “قطع الرأس” التي تتبناها بعض الدوائر الاستراتيجية في واشنطن بعيدة عن فهم الواقع.
وعلى الرغم من وجود عشرات مراكز الفكر والدراسات في الولايات المتحدة، والتي غالباً ما تستند إليها السياسة الخارجية الأمريكية في صياغة توجهاتها، فإن ما يبدو لافتاً هو أن مقاربة ترامب وبعض أركان إدارته تعكس جهلاً عميقاً بتاريخ الشيعة وبالمنطق السياسي الذي يحكم المجتمعات التي تشكلت داخل هذه التجربة التاريخية. ولهذا، فإن الرهان على اغتيال شخصية بعينها باعتباره الطريق الأسرع لإسقاط النظام الإيراني قد يكون في الواقع أقرب إلى وهم سياسي منه إلى استراتيجية قابلة للتحقق
![]()

